تُعدّ الحروب من أكثر الظواهر تعقيداً في التاريخ الإنساني، إذ لا تنشأ فجأة ولا تنتهي عند حدود الحدث العسكري نفسه، بل تكون غالباً نتيجة تراكمات سياسية وأمنية واستراتيجية تمتد لسنوات طويلة. وفي كل صراع مسلّح تتداخل الأسباب بالنتائج، وتتشابك الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية، بحيث يصبح من الصعب فهم المشهد من خلال زاوية واحدة أو رواية واحدة. ولعلّ الحرب الإسرائيلية–اللبنانية تمثّل نموذجاً واضحاً لهذا التعقيد، حيث تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسيادة والمصالح الإقليمية مع واقع جغرافي وسياسي شديد الحساسية.
وقد عبّرت الحكمة الشعبية عبر الأجيال عن هذه الحقيقة من خلال أمثال كثيرة مثل: “ابعد عن الشر وغنّيلو“، و”من طرق الباب سمع الجواب“، و”كما تدين تُدان“، و”من يزرع الريح يحصد العاصفة“، و”لا تؤذِ الناس كي لا يؤذوك“، و”من أشعل النار في غيره احترق بدخانها“، و”من بدأ بالعدوان تحمّل تبعاته“، و”من يقترب من النار لا يلومها إن أحرقته“، و”من استفزّ الآخرين فلا يستغرب ردّ فعلهم“، و”لا تبحث عن المشاكل إذا كنت لا تريد نتائجها“، و”من يفتح باب الخصومة لا يضمن كيف تُغلق“، و”لا تعكّر الماء ثم تشكو من الطين“. وهي أمثال لا تُستخدم لتبرير الحروب أو إضفاء الشرعية عليها، بل للتأكيد على أن الأفعال السياسية والعسكرية تترك دائماً تداعيات وردود فعل قد تتجاوز حسابات أصحابها.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة الحرب الإسرائيلية–اللبنانية باعتبارها أكثر من مجرد مواجهة عسكرية عابرة، فهي حدث ترك آثاراً عميقة على لبنان بمؤسساته واقتصاده ومجتمعه وبنيته التحتية، كما أسهم في إعادة رسم الكثير من التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة. لذلك فإن فهم هذه الحرب يقتضي العودة إلى جذورها وسياقاتها، وتحليل أسبابها ومجرياتها ونتائجها، بعيداً عن الانفعالات والشعارات، وصولاً إلى قراءة موضوعية تساعد على استيعاب الدروس والعبر التي أفرزتها واحدة من أكثر الصراعات تأثيراً في تاريخ لبنان المعاصر.
د. الياس ميشال الشويري
لم يعد لبنان يقف على حافة الهاوية، بل بات يعيش داخلها فعلياً، حيث تختلط السياسة بالأمن، والحرب بالاقتصاد، والدولة باللا دولة، في مشهد يتكرر كل مرة بأسماء مختلفة ونتائج متشابهة. الجنوب اللبناني ليس مجرد جغرافيا حدودية، بل خط تماس مفتوح على احتمالات لا تنتهي، تُفتح فيه النيران وتُغلق فيه أبواب الاستقرار بسرعة أكبر مما يستطيع المجتمع استيعابها. ومع كل تصعيد جديد، يعود السؤال ذاته بإلحاح أكبر: هل لبنان ضحية اعتداء خارجي فقط، أم أيضاً ضحية حسابات داخلية لم تُقدّر يوماً حجم الكلفة التي سيدفعها البلد؟ وفي ظل حرب إسرائيلية تتجدد بأشكال مختلفة، يصبح المثل الشعبي “ابعد عن الشر وغنّيلو” ليس تبريراً ولا حكماً أخلاقياً، بل مرآة قاسية لواقع سياسي وأمني معقد، يدفع فيه لبنان دائماً الثمن الأكبر، بينما تتبدل مواقع اللاعبين وتبقى الساحة اللبنانية هي الثابت الوحيد في معادلة النار.
- منطق الدول يقوم على الردع لا على النوايا
منذ نشوء النظام الدولي الحديث، لم تكن العلاقات بين الدول قائمة على العواطف أو النوايا الحسنة بقدر ما كانت قائمة على توازنات القوة والمصالح وحسابات الأمن القومي. فالدولة، أي دولة، تنظر إلى نفسها باعتبارها مسؤولة عن حماية حدودها ومواطنيها ومصالحها الاستراتيجية، ولذلك فإنها تتعامل مع التهديدات وفق ما تراه مناسباً من إجراءات، بغض النظر عن الكلفة التي قد تترتب على الطرف الآخر. ومن هذا المنطلق، يصبح فهم سلوك الدول شرطاً أساسياً لفهم الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة.
في حالة إسرائيل، تشكل عقيدة الردع إحدى الركائز الأساسية لسياستها الأمنية منذ تأسيسها. فقد بنت استراتيجيتها العسكرية على فكرة مفادها أن أي هجوم أو تهديد يجب أن يقابله رد قوي وسريع ومؤلم، بحيث يترك أثراً يجعل الخصم يعيد التفكير مرات عديدة قبل تكرار أي عمل مماثل في المستقبل. ولذلك لم يكن الرد الإسرائيلي عبر العقود محصوراً بحجم الفعل الذي استهدفه، بل غالباً ما تجاوز ذلك إلى استهداف البنية التحتية والقدرات العسكرية ومراكز النفوذ التي يعتقد أنها تشكل مصدر التهديد.
لقد أظهرت التجارب التاريخية في المنطقة أن إسرائيل لا تتعامل مع المواجهات العسكرية بمنطق المعركة المحدودة، بل بمنطق فرض معادلات جديدة على الأرض. فمن اجتياح لبنان عام 1982 إلى حرب تموز 2006 وصولاً إلى المواجهات الأخيرة، كان الهدف الإسرائيلي المعلن أو الضمني يتمثل في إعادة ترميم قوة الردع وإرسال رسائل إلى خصومها وإلى محيطها الإقليمي بأن أي استهداف لها ستكون له أثمان باهظة.
ومن هنا، فإن قراءة الواقع السياسي والعسكري بعين واقعية تفرض الاعتراف بأن فتح أي جبهة مع إسرائيل يعني تلقائياً احتمال التعرض لرد واسع النطاق. وهذه ليست مسألة مرتبطة بالأخلاق أو العدالة أو الحقوق، بل بطبيعة التفكير الاستراتيجي الذي يحكم سلوك الدول عندما تشعر بأن أمنها مهدد. فالدول الكبرى والصغرى على حد سواء لا تتصرف وفق ما يعتبره الآخرون منطقياً أو عادلاً، بل وفق ما تراه ضرورياً لحماية مصالحها.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، حيث تتداخل الصراعات المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، تصبح احتمالات التصعيد أكبر بكثير من قدرة الأطراف على ضبطها. فما يبدأ أحياناً كعملية محدودة أو رسالة سياسية قد يتحول خلال أيام إلى حرب واسعة النطاق تتجاوز النيات الأصلية لجميع الأطراف. وقد شهد لبنان مراراً هذا النوع من الانزلاق من المواجهات المحدودة إلى الحروب الشاملة التي ألحقت به خسائر فادحة.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود خصومة مع إسرائيل، فهذه الخصومة قائمة منذ عقود، بل في كيفية إدارة هذه الخصومة وفي تقدير النتائج المترتبة على أي خطوة عسكرية. فالسياسة الناجحة ليست تلك التي تكتفي بتحديد الهدف، وإنما تلك التي تحسب بدقة كلفة الوصول إليه واحتمالات النجاح والفشل والانعكاسات المحتملة على المجتمع والدولة.
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع اللبناني أن ميزان القوى العسكري والاقتصادي والدبلوماسي يميل بصورة واضحة لمصلحة إسرائيل، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على لبنان. فبينما تمتلك إسرائيل مؤسسات دولة مستقرة واقتصاداً قادراً على امتصاص جزء من الصدمات، يجد لبنان نفسه في كل حرب أمام تحديات وجودية تمس اقتصاده وبنيته التحتية ووحدته الاجتماعية وقدرته على التعافي.
ولهذا السبب، فإن النقاش حول الحروب لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات الجوفاء أو الرنّانة، أو المواقف العاطفية، بل يجب أن يتناول أيضاً الحسابات الواقعية المتعلقة بالمصلحة الوطنية. فالدول الناجحة هي تلك التي تعرف متى تواجه وكيف تواجه وبأي وسائل تواجه، والأهم أنها تدرك حدود قدراتها وحدود المخاطر التي يمكن لمجتمعاتها تحملها.
إن المثل الشعبي القائل “ابعد عن الشر وغنّيلو” يختصر جانباً من هذه الرؤية الواقعية، ليس باعتباره قاعدة مطلقة أو قانوناً سياسياً ثابتاً، بل باعتباره تنبيهاً إلى أن الأفعال تولد ردود أفعال، وأن إشعال فتيل المواجهة مع خصم يمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً يجعل احتمالات التصعيد أمراً متوقعاً لا مفاجئاً. وفي عالم تحكمه موازين القوى أكثر مما تحكمه المبادئ، يصبح تجاهل هذه الحقيقة مكلفاً للغاية، خصوصاً بالنسبة لدولة صغيرة ومثقلة بالأزمات مثل لبنان.
- لبنان يدفع دائماً الفاتورة الأكبر
من أكثر السمات قسوة في التجربة اللبنانية المعاصرة أن لبنان، في كل موجة تصعيد عسكري أو مواجهة إقليمية تدور على أرضه أو من حوله، يجد نفسه الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر من النتائج، بغض النظر عن مكان اتخاذ القرار أو الجهات التي تبدأ الفعل العسكري. فالدولة اللبنانية، بسبب هشاشتها البنيوية وتعدد مراكز القوة فيها وضعف مؤسساتها الاقتصادية والسياسية، تتحول في كل مرة إلى ساحة مفتوحة تدفع ثمن ما لا تملك بالضرورة قرار الدخول فيه.
عند النظر إلى الحروب التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية، يتضح نمط متكرر من الخسائر التي تتجاوز البعد العسكري لتصل إلى عمق الحياة اليومية للمواطن. فكل مواجهة لا تقتصر على التدمير المباشر للمناطق المستهدفة، بل تمتد لتشمل البنية التحتية، من كهرباء ومياه وطرقات ومرافئ ومطارات، وصولاً إلى تعطيل القطاعات الإنتاجية كافة. وهذا ما يجعل أثر الحرب في لبنان مركباً وطويلاً، ولا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية.

في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، برز هذا النمط بشكل واضح، حيث لم تقتصر الأضرار على الجبهات الحدودية في الجنوب، بل امتدت تداعياتها إلى مختلف المناطق اللبنانية عبر موجات نزوح واسعة، وانكماش اقتصادي حاد، وتراجع في حركة الاستثمار والسياحة، وارتفاع إضافي في معدلات الفقر والبطالة. فاقتصاد كان أصلاً يعاني من انهيار مالي غير مسبوق وجد نفسه أمام صدمة إضافية زادت من عمق أزمته وأبطأت أي إمكانية للتعافي.
المدن والقرى الجنوبية تحديداً دفعت الثمن الأكبر، إذ تعرضت مناطق واسعة فيها للقصف والدمار، ما أدى إلى تضرر آلاف المنازل والمنشآت، وإلى تعطيل الحياة الزراعية والتجارية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي في تلك المناطق. ومع استمرار التوترات، يصبح إعادة الإعمار مهمة معقدة ومكلفة، خصوصاً في ظل ضعف الموارد المالية للدولة وتراجع الدعم الخارجي أو تأخره في كثير من الأحيان.
لكن الفاتورة اللبنانية لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي. فالحروب المتكررة تخلق حالة دائمة من عدم الاستقرار في الوعي الجماعي، حيث يعيش المواطن بين موجات من الخوف والترقب والقلق من المستقبل. هذا الشعور المستمر بعدم الأمان ينعكس على القرارات الفردية، من الهجرة إلى الاستثمار إلى التعليم، ما يؤدي إلى نزيف بشري واقتصادي طويل الأمد.
كما أن كل جولة تصعيد جديدة تعمّق الانقسام الداخلي في المجتمع اللبناني، إذ تتباين القراءات السياسية حول أسباب الحرب ومسؤولياتها ونتائجها، ما ينعكس توتراً في الخطاب العام ويزيد من صعوبة الوصول إلى رؤية وطنية موحدة. وفي ظل هذا الانقسام، يصبح التعامل مع الأزمات أكثر تعقيداً، لأن الدولة نفسها تفتقد إلى الإجماع الداخلي حول كيفية إدارة الصراع أو حتى توصيفه.
إلى جانب ذلك، تتأثر صورة لبنان الخارجية بشكل كبير، إذ ينظر إليه المستثمرون والدول المانحة على أنه بلد عالي المخاطر، ما يحد من تدفق الاستثمارات ويضعف فرص النهوض الاقتصادي. فكل حرب جديدة تعيد ترسيخ الانطباع بأن الاستقرار في لبنان هش وقابل للانفجار في أي لحظة، وهو ما ينعكس سلباً على علاقاته الاقتصادية مع الخارج.
وهكذا، يصبح لبنان في كل مرة الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية معقدة، حيث تتقاطع مصالح أطراف إقليمية ودولية على أرضه، بينما يدفع هو الثمن الأكبر من أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبل أجياله. ومن هنا تنبع الإشكالية الأساسية: كيف يمكن لدولة تعاني من أزمات بنيوية عميقة أن تستمر في تحمل أعباء حروب تفوق قدرتها، دون أن تنزلق أكثر نحو الانهيار الشامل؟
إن تكرار هذا النمط عبر الزمن يجعل من الضروري إعادة التفكير في موقع لبنان داخل هذه الصراعات، ليس من زاوية الشعارات، بل من زاوية النتائج الفعلية التي يعيشها اللبنانيون في حياتهم اليومية. فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل أيضاً بقدرتها على حماية شعوبها من كلفتها، وفي هذا الجانب تحديداً، يبدو أن لبنان يدفع دائماً الثمن الأعلى، مهما كانت بدايات المواجهة أو أطرافها.
- أزمة القرار بين الدولة والقوى المسلحة
تُعدّ مسألة القرار في الحرب والسلم من أكثر القضايا حساسية في الحالة اللبنانية، بل يمكن اعتبارها جوهر الإشكال البنيوي الذي ينعكس على مختلف الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد. ففي النموذج التقليدي للدولة الحديثة، تحتكر المؤسسات الرسمية، وتحديداً السلطة التنفيذية عبر الجيش ومجلس الوزراء، قرار استخدام القوة وتنظيم العلاقات مع الدول الأخرى، بما في ذلك إعلان الحرب أو إدارة التهدئة. غير أن الواقع اللبناني لطالما خرج عن هذا النموذج بشكل معقد ومركّب.
في لبنان، يتوزع النفوذ الأمني والعسكري بين الدولة من جهة، وقوى مسلحة غير نظامية من جهة أخرى، ما يجعل مسألة القرار السيادي غير محصورة في إطار مؤسساتي واحد. هذا التعدد في مراكز القوة يؤدي عملياً إلى تداخل في الصلاحيات، وإلى وجود قرارات استراتيجية قد لا تمر عبر الآليات الرسمية للدولة، أو على الأقل لا تكون نتاج توافق وطني شامل.
هذه الإشكالية لا تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تمتد إلى البنية السياسية نفسها، حيث يتأثر القرار الوطني بحسابات داخلية وإقليمية ودولية متشابكة. فكل طرف داخلي في لبنان يرتبط بدرجات متفاوتة بمحاور إقليمية أو قوى دولية، ما يجعل صياغة قرار موحد حول القضايا المصيرية أمراً شديد التعقيد، خصوصاً في ما يتعلق بخيار الحرب أو السلم.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح مفهوم “الدولة الواحدة” في إدارة الصراع مفهوماً نسبياً أكثر منه مطلقاً. فبينما تؤكد المؤسسات الرسمية على مرجعية الدولة في اتخاذ القرار، تظهر على الأرض وقائع تشير إلى وجود أدوار موازية في تحديد طبيعة المواجهات وتوقيتها وحدودها. وهذا التناقض يضع لبنان في موقع دقيق أمام المجتمع الدولي، الذي يتعامل عادة مع الدول كوحدات قرار موحدة ومسؤولة بشكل كامل عن أفعالها.
وقد أدى هذا الوضع إلى خلق حالة دائمة من الالتباس في فهم من يقرر الحرب ومن يتحمل نتائجها، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة لبنان في التفاوض أو تحميل المسؤوليات أو حتى تجنب التصعيد. فالدولة التي لا تمتلك احتكاراً كاملاً لقرار الحرب والسلم تجد نفسها في موقع ضعيف عند التعامل مع الأزمات الإقليمية الكبرى.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التداخل في مراكز القرار يجعل إدارة الأزمات أكثر تعقيداً، لأن أي تصعيد عسكري قد لا يكون بالضرورة نتاج قرار حكومي شامل، بل قد يكون نتيجة حسابات خاصة بفصيل معين أو ظرف ميداني محدد، ما يضع الدولة لاحقاً أمام مسؤولية احتواء التداعيات دون أن تكون قد امتلكت السيطرة الكاملة على قرار البداية.
كما أن هذا الواقع يؤثر على مفهوم المسؤولية الوطنية المشتركة، إذ تتباين الرؤى داخل المجتمع اللبناني حول شرعية هذا الدور أو ذاك، وحول حدود الحق في استخدام القوة خارج إطار الدولة. وهذا التباين ينعكس بدوره على الاستقرار الداخلي، ويزيد من حدة الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد.
وفي السياق الإقليمي، يصبح لبنان أكثر عرضة للضغوط، لأن الأطراف الخارجية تتعامل معه أحياناً باعتباره ساحة مفتوحة تتداخل فيها السلطات، ما يقلل من قدرة الدولة على فرض موقف موحد أو التفاوض من موقع قوة. فالدولة التي لا تحتكر قرارها السيادي بشكل كامل تجد نفسها في موقع تفاوضي أضعف مقارنة بدول أخرى أكثر تماسكاً مؤسسياً.
ومع استمرار هذا الواقع، تتعمق الأزمة البنيوية في مفهوم الدولة اللبنانية، حيث يصبح السؤال الجوهري ليس فقط من يملك القرار، بل أيضاً كيف يمكن بناء دولة قادرة على احتكار هذا القرار بشكل فعلي، بما يضمن حماية المجتمع من الانزلاق إلى حروب لا يتحمل تبعاتها بالكامل.
إن معالجة هذه الإشكالية لا ترتبط فقط بالجانب العسكري، بل تتطلب إعادة بناء التوازن بين المؤسسات الرسمية والقوى الفاعلة على الأرض، ضمن إطار وطني جامع يعيد تعريف مفهوم السيادة والمسؤولية. فبدون هذا التوازن، يبقى لبنان عالقاً في دائرة من الأزمات المتكررة، حيث يتخذ القرار في مكان، وتدفع الدولة والمجتمع ثمنه في مكان آخر.
- بين حق المقاومة وواجب حماية المجتمع
تُعدّ معادلة “حق المقاومة” مقابل “واجب حماية المجتمع” من أكثر الإشكاليات تعقيداً في الحالة اللبنانية، لأنها تجمع بين بعدين متناقضين ظاهرياً لكنهما متداخلان عملياً: بعدٌ يرتبط بالسيادة والدفاع عن الأرض في مواجهة التهديدات الخارجية، وبعدٌ آخر يتعلق بمسؤولية الدولة تجاه مواطنيها في تأمين الاستقرار ومنع الانزلاق إلى كوارث واسعة النطاق.
من حيث المبدأ، تقرّ القوانين الدولية بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو التهديد في الدفاع عن نفسها، وهو حق تاريخي وسياسي وأخلاقي لا يمكن إنكاره. هذا المفهوم ارتبط في الوعي العربي واللبناني تحديداً بفكرة “المقاومة” كوسيلة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر لسنوات طويلة في الجنوب اللبناني حتى عام 2000، وما تبع ذلك من توترات ومواجهات متقطعة.
لكن الإشكال لا يكمن في أصل الفكرة، بل في كيفية ترجمتها على أرض الواقع، وفي تقدير الكلفة المترتبة على استخدامها ضمن سياق إقليمي شديد الحساسية. فالمقاومة كفعل سياسي وعسكري لا تُقاس فقط بقدرتها على إيقاع الأذى بالخصم، بل أيضاً بقدرتها على حماية المجتمع الذي تتحرك باسمه من نتائج الردود العكسية المحتملة.
في التجربة اللبنانية، ظل هذا التوازن محل جدل دائم، إذ يرى فريق أن وجود قوة مقاومة يشكل عنصر ردع يحمي لبنان من الاعتداءات ويمنع إسرائيل من التمادي في انتهاكاتها، بينما يرى فريق آخر أن هذا الواقع يضع الدولة والمجتمع في دائرة استهداف مستمر ويجعل لبنان عرضة لحروب لا يملك قرار توقيتها أو حجمها أو نهايتها.
ومع كل تصعيد عسكري، يعود السؤال المركزي ليطرح نفسه: هل يتم احتساب الكلفة على مستوى لحظة المواجهة فقط، أم على مستوى المستقبل الطويل للدولة والمجتمع؟ فالمقاومة قد تحقق إنجازاً عسكرياً أو رمزياً في لحظة معينة، لكنها قد تفتح في المقابل باباً لردود فعل واسعة تؤثر على الاقتصاد والبنية الاجتماعية والسياسية لعقود.
هذا التوتر بين الهدف والنتيجة يضع لبنان أمام معضلة حقيقية، لأن الدولة اللبنانية ليست دولة قوية قادرة على امتصاص آثار الحروب بسهولة، بل هي دولة تعاني من هشاشة اقتصادية ومؤسساتية تجعل أي صدمة عسكرية تتحول بسرعة إلى أزمة شاملة تمس مختلف القطاعات.
كما أن واجب حماية المجتمع لا يقتصر على حماية الحدود فقط، بل يشمل حماية الاستقرار الداخلي، وتأمين مقومات الحياة اليومية، ومنع انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية. وعندما تتوسع دائرة المواجهة، تصبح قدرة الدولة على القيام بهذا الواجب محدودة للغاية، ما يضع المواطن في قلب الخسارة المباشرة.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن التوفيق بين حق الدفاع المشروع وبين ضرورة تجنب تعريض المجتمع لمخاطر تفوق قدرته على التحمل؟ هذا السؤال لا يملك إجابة سهلة، لأنه يرتبط بتوازنات سياسية وأمنية وإقليمية لا يملك لبنان وحده القدرة على التحكم بها.
كما أن استمرار الصراع المفتوح يعيد إنتاج الانقسام الداخلي حول تعريف “المصلحة الوطنية“، إذ يعتبر فريق أن أي تراجع عن خيار المواجهة يمثل ضعفاً يهدد السيادة، بينما يرى فريق آخر أن الاستمرار في هذا النهج يؤدي إلى استنزاف دائم للدولة ويمنعها من بناء استقرار طويل الأمد.
وفي ظل هذا الانقسام، يصبح من الصعب بلورة رؤية وطنية موحدة حول مفهوم الأمن القومي، وهو ما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية متماسكة. فغياب الإجماع الداخلي يجعل أي قرار في هذا السياق عرضة للتأويل والرفض والتوظيف السياسي.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن هذا الواقع يزيد من تعقيد موقع لبنان، حيث يُنظر إليه كدولة تعيش حالة تداخل بين الدولة الرسمية والقوى الفاعلة على الأرض، ما يجعل التعامل معه أكثر صعوبة في أي مفاوضات أو ترتيبات أمنية.
إن جوهر الإشكالية في هذا المحور لا يتعلق بشرعية الفعل بحد ذاته، بل بمدى قدرة المجتمع على تحمّل نتائجه، وبمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها من انعكاسات القرارات العسكرية. فالمعادلة الصعبة تكمن في أن أي خيار في هذا السياق يحمل مكاسب محتملة، لكنه يحمل أيضاً خسائر مؤكدة، وغالباً ما تكون الخسائر في الحالة اللبنانية أكبر وأعمق وأطول أمداً من المكاسب.
وبذلك، يبقى لبنان عالقاً بين مبدأين أساسيين: مبدأ الدفاع عن الأرض والكرامة، ومبدأ حماية المجتمع من الانهيار، دون أن يتمكن دائماً من إيجاد توازن مستدام بينهما.
- الحرب الحالية وإعادة طرح الأسئلة القديمة
تأتي الحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان لتعيد فتح ملفات لم تُغلق فعلياً منذ عقود، بل تم تأجيلها أو إدارتها بشكل مؤقت تحت ضغط الظروف السياسية والأمنية. فكل جولة تصعيد جديدة لا تُنتج فقط دماراً ميدانياً وخسائر بشرية، بل تعيد أيضاً طرح الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الصراع، وحدود القوة، ومستقبل الدولة اللبنانية في ظل هذا النوع من المواجهات المفتوحة.
في لحظات الحرب، تميل الخطابات السياسية والإعلامية إلى التركيز على الحدث الآني: الغارات، الردود، الخسائر، والتحركات الميدانية. لكن مع مرور الوقت، يبدأ السؤال الأعمق بالظهور: ما الذي تحقق فعلياً على المستوى الاستراتيجي؟ وهل أدت هذه المواجهة إلى تغيير جذري في موازين القوى، أم أنها أعادت إنتاج الواقع نفسه ولكن بكلفة بشرية ومادية أعلى؟
الحرب الحالية أظهرت مجدداً أن لبنان ما زال يعيش ضمن دائرة هشّة من الاستقرار، حيث يمكن لأي تصعيد محدود أن يتحول بسرعة إلى أزمة وطنية شاملة. فالحدود الجنوبية ليست مجرد خط تماس عسكري، بل هي أيضاً خط تماس اقتصادي واجتماعي وإنساني، ينعكس مباشرة على حياة مئات الآلاف من المواطنين.
ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية، برزت مجدداً ظاهرة النزوح الداخلي، حيث انتقلت عائلات بأكملها من القرى الجنوبية إلى مناطق أكثر أماناً، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الحروب السابقة. هذا النزوح لا يقتصر على البعد الإنساني فقط، بل يخلق ضغطاً إضافياً على البنية التحتية والخدمات العامة في مناطق الاستقبال، ويزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية القائمة أصلاً.
في موازاة ذلك، تعمّق الحرب الانكماش الاقتصادي، إذ تتراجع حركة الاستثمار بشكل شبه فوري مع كل تصعيد، وتُجمّد المشاريع، وتتعطل قطاعات حيوية مثل السياحة والتجارة والخدمات. وفي بلد يعاني من أزمة مالية عميقة، يصبح أي تراجع إضافي بمثابة ضربة مضاعفة للاقتصاد الوطني.
كما أن الحرب الحالية أعادت تسليط الضوء على هشاشة البنية المؤسساتية للدولة اللبنانية، التي تجد نفسها في موقع إدارة الأزمة أكثر من كونها قادرة على منعها أو التحكم بمسارها. فالدولة، في كثير من الأحيان، تتعامل مع نتائج الحرب بدل أن تكون طرفاً قادراً على ضبط أسبابها.
ومن الناحية الاجتماعية، أعادت الحرب إنتاج حالة القلق الجماعي داخل المجتمع اللبناني، حيث يعيش المواطنون بين الخوف من توسع العمليات العسكرية والرغبة في تجنب تكرار تجارب سابقة مريرة. هذا القلق لا يبقى محصوراً في لحظته، بل يتحول إلى سلوك طويل الأمد يؤثر على قرارات الهجرة والتعليم والعمل والاستثمار الشخصي.
على المستوى السياسي، أعادت الحرب طرح الانقسام التقليدي حول قراءة دور لبنان في الصراع الإقليمي. فبين من يرى أن المواجهة الحالية جزء من معركة أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية، ومن يرى أن لبنان يدفع مرة أخرى ثمن موقعه الجغرافي والسياسي، يبقى غياب الإجماع الوطني أحد أبرز عوائق صياغة موقف موحد.
أما على المستوى الدولي، فقد أكدت الحرب مجدداً أن لبنان لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية الكبرى، وأن أي تصعيد على أراضيه يرتبط مباشرة بحسابات أوسع تتعلق بأمن المنطقة ومصالح القوى الكبرى. وهذا الواقع يجعل قدرة لبنان على التحكم بمسار الأحداث محدودة نسبياً مقارنة بحجم تأثيره السلبي عليها.
وتكشف الحرب أيضاً أن مفهوم “التهدئة المؤقتة” في لبنان لا يعني بالضرورة استقراراً دائماً، بل هو أشبه بوقف مؤقت للنار يمكن أن يُكسر في أي لحظة. وهذا النمط من الاستقرار الهش يخلق حالة دائمة من عدم اليقين، تمنع التخطيط بعيد المدى وتعرقل أي مشروع نهوض اقتصادي أو سياسي.
إن إعادة طرح الأسئلة القديمة في ظل الحرب الحالية لا تعني بالضرورة الوصول إلى إجابات جديدة، لكنها تعني أن الأزمة اللبنانية ليست ظرفية بل بنيوية، وأن كل حرب جديدة لا تبدأ من الصفر، بل تُبنى على طبقات من الأزمات المتراكمة.
وبذلك، تصبح الحرب الحالية حلقة إضافية في سلسلة طويلة من المواجهات التي لا تغيّر فقط خريطة الجغرافيا الميدانية، بل تعيد أيضاً تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي داخل لبنان، وتفرض مجدداً سؤالاً مركزياً: هل يمكن لدولة تعيش هذا المستوى من الهشاشة أن تستمر في تحمل كلفة الصراعات المفتوحة دون أن تعيد تعريف دورها وحدودها في الإقليم؟

- مستقبل لبنان بين الدولة والحروب المفتوحة
يقف لبنان اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه السياسي والأمني، حيث لم يعد النقاش محصوراً في إدارة أزمة عابرة أو التعامل مع حرب محدودة، بل بات مرتبطاً بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل الدولة نفسها: هل يمكن للبنان أن يستمر بصيغته الحالية وسط بيئة إقليمية شديدة التوتر وحروب متكررة، أم أنه بحاجة إلى إعادة صياغة دوره ووظيفته داخل هذه البيئة؟
إن تراكم الحروب والأزمات خلال العقود الماضية لم يترك أثراً عابراً على الدولة اللبنانية، بل أحدث تحولات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات. فالدولة التي تعاني أصلاً من ضعف في احتكار القرار السيادي، ومن انهيار مالي ومؤسساتي، تصبح أكثر عرضة للتآكل كلما تكررت عليها الصدمات العسكرية والأمنية.
في هذا السياق، يبرز أحد أهم التحديات وهو قدرة الدولة على الانتقال من موقع “إدارة الأزمات” إلى موقع “منع الأزمات“. فحتى الآن، يبدو أن النموذج اللبناني يقوم على احتواء نتائج الصراعات بعد وقوعها، وليس على بناء منظومة تمنع انزلاق البلاد إليها منذ البداية، وهو ما يجعل الكلفة التراكمية أعلى بكثير مع مرور الوقت.
من الناحية الاقتصادية، يشكل استمرار الحروب أو التهديد بالحروب عائقاً بنيوياً أمام أي خطة تعافٍ حقيقية. فالمستثمرون يحتاجون إلى استقرار طويل الأمد، والأسواق تحتاج إلى ثقة، والاقتصاد يحتاج إلى رؤية واضحة. أما في حالة لبنان، فإن كل تصعيد عسكري يعيد البلاد خطوات إلى الوراء، ويقوّض أي تقدم اقتصادي محتمل.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن استمرار حالة اللايقين الأمني يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية المجتمع نفسه، من خلال تسريع الهجرة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتنامي الشعور بعدم الاستقرار الدائم. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الشعور جزءاً من الثقافة العامة، ما يؤثر على السلوك السياسي والاقتصادي للأفراد.
سياسياً، يواجه لبنان تحدياً أساسياً يتمثل في غياب إجماع وطني مستدام حول مفهوم الدولة ودورها في إدارة الصراع. فوجود رؤى متباينة حول معنى السيادة، وحدود القوة، وطبيعة العلاقة مع المحيط الإقليمي، يجعل من الصعب صياغة استراتيجية أمنية موحدة تحظى بدعم شامل.
وفي المقابل، فإن استمرار الوضع الحالي يضع لبنان في موقع الدولة العالقة في صراعات الآخرين، حيث تتحول أراضيه إلى ساحة تداخل بين حسابات إقليمية ودولية، دون أن يمتلك القدرة الكاملة على ضبط إيقاع هذه التفاعلات أو توجيهها بما يخدم مصلحته الوطنية.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في بناء دولة قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم بشكل فعلي، وليس فقط نظري. فالدول التي تمتلك هذا الاحتكار تكون أكثر قدرة على الردع والتفاوض والحماية، بينما الدول التي تعاني من تعدد مراكز القرار تبقى أكثر عرضة للاهتزاز عند أي أزمة.
لكن تحقيق هذا التحول ليس مسألة تقنية فقط، بل هو مسار سياسي واجتماعي معقد يتطلب إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني، وتحديد أولويات الدولة بشكل واضح يضع حماية المواطنين فوق أي اعتبارات أخرى.
وفي ظل غياب هذا التحول، يبقى لبنان معرضاً للاستمرار في دائرة “الحروب المفتوحة“، حيث تتكرر المواجهات بأشكال مختلفة، دون أن تؤدي إلى حسم نهائي أو استقرار دائم، بل إلى إعادة إنتاج نفس الأزمة بأدوات وكلفة أكبر في كل مرة.
إن مستقبل لبنان، في نهاية المطاف، يتوقف على قدرته على الإجابة عن سؤال جوهري: هل يريد أن يبقى ساحة تتقاطع فيها الحروب، أم دولة تمتلك قرارها السيادي الكامل وتضع حدوداً واضحة لدورها في الإقليم؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط شكل السياسة، بل تحدد أيضاً مصير الاقتصاد والمجتمع والأجيال القادمة.
وبين خيار الدولة المستقرة وخيار الساحة المفتوحة، يبقى التحدي الأكبر أمام لبنان هو تحويل فكرة الدولة من إطار نظري إلى واقع فعلي قادر على حماية شعبه من كلفة الصراعات التي لا يملك دائماً قرار إشعالها أو إنهائها.
- الخاتمة
في نهاية كل حرب، لا تُقاس النتائج بعدد البيانات العسكرية ولا بحجم الخطابات السياسية، بل بما يبقى في الأرض من أنقاض، وفي الاقتصاد من انهيار، وفي المجتمع من جراح مفتوحة. ولبنان، الذي اعتاد أن يخرج من كل مواجهة مثقلاً بما يفوق قدرته على الاحتمال، يجد نفسه مرة أخرى أمام الحقيقة ذاتها: لا رابح في حرب تُخاض على أرضه، ولا مستقر في دولة لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم. وبين منطق الردع ومنطق المغامرة، وبين حق المقاومة وواجب حماية المجتمع، يبقى السؤال الأكبر معلقاً بلا إجابة حاسمة: إلى متى يبقى لبنان ساحة تُدار عليها الصراعات، بدل أن يكون وطناً يُدار لمصلحة أبنائه؟ فالدول لا تُقاس بقدرتها على الصمود في الحرب فقط، بل بقدرتها على منع الحرب قبل أن تبدأ، وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي ما زال لبنان يفشل في اجتيازه حتى الآن.


























































