في الوقت الذي يشهد فيه قطاع التأمين العالمي مرحلة من المنافسة المتزايدة وتراجع الأسعار في عدد من الفروع، يقف التأمين البحري أمام معادلة تبدو متناقضة؛ فمن جهة، تتراجع أسعار بعض التغطيات نتيجة وفرة الطاقة الاستيعابية لدى شركات التأمين وإعادة التأمين، ومن جهة أخرى، ترتفع المخاطر الجيوسياسية والرقمية والمناخية بوتيرة غير مسبوقة، لتجعل كل رحلة بحرية مشروع أزمة محتملة.
هذا المشهد رسمته بوضوح شركة Marsh، إحدى أكبر شركات الوساطة وإدارة المخاطر في العالم، في أحدث تقرير لها حول اتجاهات سوق التأمين البحري والشحن والخدمات اللوجستية، والذي أظهر أن السوق يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، عنوانها الرئيسي: أسعار أكثر مرونة… ولكن مخاطر أكثر تعقيدًا. (Marsh)
فالتقرير لا يتحدث عن مجرد تغير في أسعار وثائق التأمين، بل يكشف تحولات هيكلية بدأت تعيد رسم خريطة المخاطر البحرية على مستوى العالم، وتفرض على شركات التأمين وأصحاب السفن والمصدرين والمستوردين التفكير بطريقة مختلفة عن السنوات السابقة.
وخلال الأعوام الأخيرة، واجهت صناعة النقل البحري سلسلة من الأحداث الاستثنائية، بدءًا من جائحة “كوفيد-19″، مرورًا بالأزمات في البحر الأحمر، والحرب في أوكرانيا، والتوترات المتكررة في الشرق الأوسط، ووصولًا إلى تصاعد الهجمات الإلكترونية التي استهدفت شركات الملاحة العالمية.
هذه التطورات جعلت شركات التأمين تنظر إلى المخاطر البحرية بمنظور أكثر شمولية، فلم يعد تقييم السفينة أو البضاعة وحده كافيًا، بل أصبحت الجغرافيا السياسية، ومسارات الإبحار، والأمن السيبراني، وحتى التغيرات المناخية، عناصر رئيسية في تحديد الأسعار وشروط التغطية. (Marsh)
ورغم هذه البيئة المعقدة، يشير تقرير Marsh إلى أن المنافسة القوية بين شركات التأمين العالمية وارتفاع رؤوس الأموال المتاحة في السوق أدّيا إلى انخفاض أسعار العديد من برامج تأمين البضائع البحرية، مع قدرة العملاء أصحاب السجلات الجيدة على التفاوض للحصول على تغطيات أوسع وشروط أكثر مرونة.
لكن هذا الانخفاض لا يعني إطلاقًا أن المخاطر أصبحت أقل، بل إن السوق يعيش ما يشبه “الهدوء الذي يسبق العاصفة”.
ففي المناطق ذات الحساسية الأمنية، وعلى رأسها الشرق الأوسط، بقيت تغطيات مخاطر الحرب مرتفعة بصورة ملحوظة، كما أصبحت شركات التأمين أكثر تشددًا في تقييم الرحلات التي تمر عبر الممرات البحرية الحساسة، مع إعادة النظر باستمرار في حدود التغطية والاستثناءات الخاصة بكل رحلة. (Marsh)
ولا يعود ذلك فقط إلى احتمال تعرض السفن لهجمات مباشرة، بل أيضًا إلى المخاطر غير التقليدية مثل التشويش الإلكتروني على أنظمة الملاحة، والهجمات السيبرانية، وتعطل سلاسل الإمداد، وتأخر عمليات التسليم، وما يترتب عليها من خسائر تجارية ضخمة.
ويؤكد التقرير أن الأمن السيبراني أصبح اليوم أحد أسرع المخاطر نموًا في قطاع النقل البحري، إذ تعتمد السفن الحديثة والموانئ على أنظمة رقمية متطورة، ما يجعلها أهدافًا محتملة للهجمات الإلكترونية التي قد تؤدي إلى تعطيل الملاحة أو سرقة البيانات أو حتى إيقاف العمليات بالكامل. (Marsh)
أما على صعيد التأمين على هياكل السفن، فقد أظهر التقرير استقرارًا نسبيًا في الأسعار على المستوى العالمي، مع استمرار قدرة شركات التأمين على توفير طاقات اكتتاب جيدة، إلا أن هذا الاستقرار يبقى هشًا وقابلًا للتغير السريع إذا تصاعدت الأحداث الجيوسياسية أو ارتفعت قيمة المطالبات الكبرى.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن سوق التأمين البحري العالمي يواصل النمو، إذ بلغت قيمته نحو 36.7 مليار دولار خلال عام 2026، مع توقعات بارتفاعه إلى ما يقارب 49 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بتوسع التجارة البحرية العالمية وزيادة الحاجة إلى الحماية التأمينية في بيئة أكثر اضطرابًا. (Research and Markets)
لكن في المقابل، يواجه القطاع تحديات لا تقل أهمية.
فالظواهر المناخية المتطرفة أصبحت أكثر تكرارًا، والأعاصير والعواصف تؤثر بصورة مباشرة على الملاحة البحرية والموانئ، بينما يؤدي ارتفاع حرارة البحار إلى زيادة المخاطر التشغيلية وتكاليف التأمين.
كما أن استمرار النزاعات العسكرية في بعض المناطق قد يدفع شركات التأمين إلى فرض شروط أكثر صرامة، أو زيادة الأقساط، أو حتى استبعاد بعض المناطق من التغطية الكاملة إذا ارتفعت مستويات المخاطر إلى حدود غير مقبولة. (Reuters)
ويرى خبراء السوق أن المرحلة الحالية تمنح شركات النقل وأصحاب البضائع فرصة مهمة لإعادة تقييم برامجهم التأمينية، والاستفادة من المنافسة الحالية للحصول على تغطيات أفضل قبل أي دورة جديدة من ارتفاع الأسعار.
أما إذا استمرت التوترات الجيوسياسية، وتصاعدت الهجمات على خطوط الملاحة، أو توسعت الهجمات الإلكترونية، فمن المرجح أن يدخل سوق التأمين البحري دورة جديدة من التشدد، ترتفع خلالها الأقساط، وتنخفض الطاقة الاستيعابية، وتزداد الاستثناءات في الوثائق، وهو ما سينعكس مباشرة على تكلفة التجارة العالمية وأسعار السلع للمستهلك النهائي. (Reuters)
ومن هنا، تبدو الأولوية اليوم في تعزيز إدارة المخاطر أكثر من مجرد شراء وثيقة تأمين. فالاستثمار في الأمن السيبراني، وتحسين إجراءات السلامة، واستخدام بيانات الملاحة الحديثة، ومراجعة مسارات السفن بصورة مستمرة، أصبحت جميعها أدوات أساسية للحد من الخسائر والحفاظ على استقرار التغطيات التأمينية.
وفي الخلاصة، يكشف تقرير Marsh أن سوق التأمين البحري لا يعيش أزمة تقليدية، بل يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة، تتغير فيها قواعد الاكتتاب وأساليب التسعير ومعايير تقييم المخاطر. وبين انخفاض الأسعار في بعض الفروع، وارتفاع المخاطر في مناطق النزاعات، يبقى النجاح في هذا القطاع مرهونًا بقدرة شركات التأمين والعملاء على استباق الأزمات، لا الاكتفاء بردّ الفعل بعد وقوعها. فالبحر سيبقى شريان التجارة العالمية، لكن حماية هذا الشريان أصبحت أكثر تعقيدًا وكلفة من أي وقت مضى.

























































