لم يكن المنتدى اللبناني ـ السوري للاستثمار 2026 الذي انعقد في بيروت في 23 أيلول مجرد مناسبة اقتصادية لعرض فرص استثمارية أو منصة للقاء رجال الأعمال من البلدين، بل حمل في توقيته ومستوى المشاركة فيه رسائل تتجاوز الاستثمار بمعناه الضيق، وتلامس مسار العلاقة اللبنانية ـ السورية نفسها. فالمنتدى جمع مسؤولين ووزراء وهيئات اقتصادية ومستثمرين ورجال أعمال من لبنان وسوريا، وطرح أمامهم سؤالاً يتجاوز حجم الفرص المتاحة: هل يمكن تحويل الجغرافيا المشتركة والتداخل الاقتصادي التاريخي إلى شراكة جديدة تقوم على قواعد واضحة ومؤسسات واتفاقيات ومصالح متبادلة؟
ما لفت هو الحضور الوزاري المتعدد الاختصاصات من الجانبين اللبناني و السوري في هذا المنتدى الذي رعاه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ممثلا بوزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط . كما لفت هذا البعد العملي للمنتدى ، إذ لم تقتصر النقاشات على التجارة والاستثمار، بل امتدت إلى إعادة الإعمار والتنمية والسياحة والصحة والزراعة والنقل والمرافئ والأسواق الإقليمية والتمويل والتكنولوجيا. وفي قصر بعبدا، وضع الرئيس عون المنتدى وزيارة الوفد السوري في سياق أوسع، معتبراً أن الزيارة «مؤشر على صحة العلاقة بين البلدين»، ومشدداً على أهمية ترسيخ العلاقات على قاعدة التكامل والتوازن والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما أعاد طرح فكرة التكامل الاقتصادي في المنطقة، التي سبق أن تحدث عنها في الجامعة العربية والعراق، معتبراً أن لبنان وسوريا يمتلكان موقعاً جغرافياً مميزاً على البحر المتوسط يمكن أن يمنحهما دوراً في حركة التجارة والتكامل الإقليمي. وربط عون كذلك بين الاستقرار الأمني والعسكري والاستقرار الاقتصادي، قائلاً إن استقرار لبنان من استقرار سوريا والعكس صحيح.
و ما لفت أيضا ان الجانب الاقتصادي لم يُطرح باعتباره ملفاً منفصلاً عن طبيعة العلاقة بين البلدين، بل باعتباره أحد المسارات التي يمكن من خلالها إعادة تنظيم هذه العلاقة على أسس جديدة. فقد شدّد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ممثلاً رئيس الجمهورية، على أن المطلوب هو تحويل الجغرافيا المشتركة من «واقع مفروض إلى فرصة»، والانتقال من النيات إلى المؤسسات ثم إلى التنفيذ، مع التأكيد على أن القطاع الخاص ينبغي أن يكون قاعدة أساسية للعلاقات الاقتصادية المقبلة. كما تحدث عن ضرورة جعل العلاقة بين البلدين مؤسساتية من خلال الاتفاقيات والبروتوكولات، وتسهيل المعاملات وتذليل البيروقراطية أمام القطاع الخاص.
ومن الجانب السوري، حمل كلام وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار الرسالة نفسها تقريباً، ولكن من زاوية اقتصادية مباشرة. فقد أكد أن القرب الجغرافي وحده لا يصنع تكاملاً اقتصادياً، وأن المطلوب قواعد واضحة ومؤسسات موثوق بها ومعابر فعالة ومصارف تموّل التجارة وشركات تستثمر ورأس مال قادراً على احتساب المخاطر. كما شدّد على أن إعادة تعريف العلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا و التي يجب أن تتم على أسس مؤسساتية واضحة ومتوازنة، لافتاً إلى أن أهمية المنتدى تتجاوز الجانب الاقتصادي، وأن بناء المصالح المشتركة يمكن أن يشكل مساراً مستداماً لبناء الثقة بين البلدين.
والأهم أن الخطاب السوري لم يقدّم العلاقة الاقتصادية باعتبارها منافسة بين اقتصادين، بل تحدث عن تكامل يقوم على نقاط القوة المختلفة لدى كل طرف. فبحسب الشعار، يمتلك لبنان خبرات في الخدمات والأعمال والتعليم والصحة وريادة الأعمال وشبكة واسعة من رجال الأعمال في الخارج، فيما تتمتع سوريا بسوق كبيرة وقاعدة إنتاجية قابلة للتوسع في الزراعة والصناعة، فضلاً عن موقع جغرافي يتيح امتداداً برياً إلى الأسواق الإقليمية. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأساسي ليس من يستفيد أكثر من الآخر، بل كيف يمكن تحويل هذه المزايا المتباينة إلى سلاسل تعاون وشراكات ومشاريع تخدم مصالح الطرفين.
وهنا تحديداً تظهر أهمية تصميم المنتدى نفسه. فالمنظمون تحدثوا عن أكثر من 300 شخصية اقتصادية، وأكثر من 20 فرصة استثمارية، وخمسة قطاعات رئيسية، فيما شمل البرنامج جلسات حول الخريطة الاقتصادية الجديدة للشرق الأوسط، وتمويل الاقتصاد والاستثمار ورأس المال واستعادة الثقة، وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، إضافة إلى النقل والمرافئ والاستثمار والوصول إلى الأسواق الإقليمية. كما خُصصت مساحات للتواصل بين قطاعات الرعاية الصحية والصناعات الدوائية والسياحة والضيافة والشركات الناشئة والمصارف والتأمين والتكنولوجيا المالية.
وهذه النقطة مهمة لأن نجاح أي منتدى اقتصادي لا يُقاس فقط بعدد المشاركين أو مستوى الحضور الرسمي، بل بما إذا كان قادراً على الانتقال من مرحلة عرض الأفكار إلى مرحلة بناء شبكة مصالح قابلة للاستمرار. فالاستثمار لا يتحرك بالكلمات وحدها؛ إنه يحتاج إلى وضوح في القواعد، واستقرار في الإجراءات، وتمويل، وحماية قانونية، ومعابر فعالة، وبنية تحتية، وآليات لتسوية المشكلات، وقنوات اتصال دائمة بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص. وهذه هي تحديداً العناصر التي وضعها المسؤولون اللبنانيون والسوريون على الطاولة خلال المنتدى.
ومن هنا، فإن التوصيات التي انتهى إليها المنتدى تكتسب قيمتها الفعلية من قدرتها على التحول إلى خطوات متابعة. فإذا بقيت التوصيات في إطار البيانات الختامية، فإن أثر المنتدى سيبقى محصوراً في الرسائل التي أطلقها وفي اللقاءات التي جمعها. أما إذا تبعتها اتفاقيات وبروتوكولات، وبدأت المؤسسات المعنية بتحديد الملفات ذات الأولوية، وتسهيل حركة الشركات والاستثمارات والتجارة، وفتح قنوات متابعة بين رجال الأعمال والهيئات الاقتصادية والوزارات المختصة، عندها يمكن أن تتحول المناسبة من مؤتمر اقتصادي إلى بداية لمسار مؤسساتي طويل الأمد.
وتبرز في هذا السياق ملفات النقل والمرافئ والمعابر والأسواق الإقليمية باعتبارها ذات أهمية خاصة، ليس فقط لأنها ترتبط مباشرة بحركة التجارة، بل لأن الموقع الجغرافي للبلدين يمكن أن يتحول، وفق الطرح الذي قدمه الجانب اللبناني، من عامل يفرض التقارب إلى عنصر إنتاج اقتصادي فعلي. وقد طرح البساط فكرة أن يكون لبنان وسوريا مفتاحاً لخط بري جديد تستفيد منه المنطقة والبلدان معاً بصورة تكاملية لا تنافسية، وهي رؤية تربط الاستثمار بالبنية التحتية وبالقدرة على الوصول إلى الأسواق خارج الحدود.
كما أن إشراك قطاعات المصارف والتأمين والتكنولوجيا المالية في النقاش يعكس أن الشراكة الاقتصادية لا يمكن أن تقوم على التجارة التقليدية وحدها. فالشركات تحتاج إلى تمويل، والاستثمارات تحتاج إلى أدوات مالية وإدارة مخاطر، والأسواق الحديثة تحتاج إلى حلول دفع وخدمات رقمية وبيئة أعمال قادرة على مواكبة حركة رأس المال. ومن هنا، فإن إدخال القطاع المالي والتكنولوجي في صلب النقاش يمكن أن يوسّع مفهوم التعاون من تبادل السلع إلى بناء منظومة اقتصادية أكثر تشابكاً.
أما الإشارة السياسية الأبرز، فتكمن في أن الخطاب الذي خرج من المنتدى ومن لقاء بعبدا تحرك حول مفردات جديدة نسبياً في إدارة العلاقة الاقتصادية بين بيروت ودمشق: «صفحة جديدة»، «مؤسسات»، «اتفاقيات»، «بروتوكولات»، «مصالح مشتركة»، «تكامل»، و«تنفيذ». وهذه ليست بحد ذاتها دليلاً على تحقق تغيير اقتصادي، لكنها تكشف بوضوح عن اللغة التي يريد الطرفان استخدامها في المرحلة المقبلة، وعن محاولة نقل العلاقة من مستوى الاتصالات والظروف الآنية إلى أطر أكثر انتظاماً. وقد شدد البساط تحديداً على أن الصفحة الجديدة تحتاج إلى مضمون، أي مؤسسات تعمل ومصالح واضحة ونتائج يستفيد منها الشعبان.
ولعل العبارة الأكثر دلالة جاءت من الرئيس عون حين قال إن «في كل أزمة فرصة يجب استغلالها للتكامل والتطور». فهذه الرؤية تضع الاقتصاد في موقع يتجاوز كونه نتيجة لتحسن العلاقات، ليصبح أحد الأدوات التي يمكن أن تساهم في تثبيت الاستقرار وتعزيز المصالح المتبادلة. وفي المقابل، فإن كلام الشعار عن الحاجة إلى قواعد واضحة ومؤسسات موثوق بها ومعابر فعالة وتمويل واستثمارات يضع الشروط العملية أمام هذا الطموح، ويشير إلى أن الطريق من الخطاب السياسي إلى الشراكة الاقتصادية يحتاج إلى بنية مؤسساتية متكاملة.
وعليه، فإن أبرز مؤشرات المنتدى حتى الآن ليست في مجرد انعقاده، ولا في عدد الوزراء ورجال الأعمال الذين شاركوا فيه، بل في اجتماع ثلاثة عناصر في مناسبة واحدة: حضور حكومي واقتصادي رفيع من الجانبين، طرح واضح لإعادة تنظيم العلاقة على أساس مؤسساتي، وفتح النقاش أمام قطاعات يمكن أن تنتج مشاريع وشراكات فعلية. أما المؤشر الحاسم، فيبقى في المرحلة التالية، عندما تُختبر قدرة الطرفين على تحويل ما قيل في بيروت إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، وإجراءات ملموسة، واستثمارات، وحركة تجارية، وآليات متابعة مستمرة.
فإذا كان المنتدى قد فتح بالفعل صفحة جديدة، فإن قيمة هذه الصفحة لن تُقاس بعنوانها، بل بما سيُكتب فيها لاحقاً. وبين بيروت ودمشق، يبدو أن الاختبار الاقتصادي المقبل سيكون في الانتقال من «الجغرافيا المشتركة» إلى «المصلحة المشتركة»، ومن المصلحة المشتركة إلى مؤسسات تنظّمها، ومن المؤسسات إلى مشاريع تستطيع الشركات والمستثمرون تنفيذها. عندها فقط يمكن أن تتحول الرسائل التي أطلقت في منتدى بيروت إلى مسار اقتصادي له أثر ملموس على البلدين، بدلاً من أن تبقى مجرد محطة أخرى في تاريخ طويل من العلاقات المتشابكة.
























































