تسليم الدرع للوزير
في وقتٍ يواجه فيه قطاع التأمين اللبناني تحديات غير مسبوقة، سواء على مستوى الاستقرار المالي أو ارتفاع كلفة الرعاية الصحية أو الحاجة إلى تحديث الأطر التنظيمية والرقابية، حملت الرؤية التي عرضها وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البساط خلال لقاء جمع أهل القطاع في “اوديتورريوم فرنسوا باسيل” في جامعة القديس يوسف، مجموعة من العناوين الإصلاحية الطموحة التي ترسم ملامح مرحلة جديدة للتأمين في لبنان .اما لماذا وقع الاختيار على الجامعة المذكورة لتُطلق منه هذه الرؤية، فلسبَبَيْن إثنَيْبن: الأول، احتفال الجامعة بمرور خمسين عاما على إنشاء أول معهد لتدريس التأمين في لبنان، كما في العالم العربي إذا استثنينا مصر، و ذلك بدءاً من العام 1977،و الثاني، إلقاء الضوء على دور المعهد في تعزيز هذه المهنة محليا و عربيا و حتى دوليا، إذ ان عدد الخريجين منه وصل الى 1543 خريجا، يعمل معظمهم في شركات محلية و في الخارج، كما أشارت الى ذلك مديرة المعهد د. إيرما مجدلاني .
أما رؤية د بساط في ما خصّ مستقبل قطاع التأمين في لبنان، فجاءت تحت عنوان «ثلاثة إصلاحات… اتجاه واحد»، و فكرتها الاساسية انطلقت من أن لبنان يستحق قطاع تأمين عصرياً وقادراً على حماية المواطنين ومواكبة المتغيّرات الاقتصادية والصحية المتسارعة، وأن أيّ إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقتصر على جانب واحد من المنظومة، بل يجب أن يشمل السوق والرقابة والرعاية الصحية في آنٍ معاً، مؤكدا أن الإصلاح المنشود يرتكز على بناء سوق تأمينية أكثر متانة واستقراراً، قادرة على تعزيز ثقة المؤمّن لهم وحماية حقوقهم، في موازاة العمل على تطوير البيئة التنظيمية التي تحكم عمل الشركات والمؤسسات العاملة في القطاع. فالهدف ليس مجرد معالجة التحديات الآنية، بل وضع أسس مستدامة تضمن استمرارية القطاع وقدرته على أداء دورَيْه الاقتصادي والاجتماعي في السنوات المقبلة.

وفي هذا السياق، شدّد على أهمية تعزيز الدور الرقابي وتحديث أدوات الإشراف والمتابعة، بما ينسجم مع أفضل المعايير الدولية، مؤكداً أن “المرحلة المقبلة ستقوم على الشفافية والمساءلة ووضوح الأهداف، من خلال آليات عمل قابلة للقياس ومواعيد تنفيذ محددة تسمح بمتابعة التقدم المحقق وتقييم النتائج بصورة دورية”.
ولعلّ الملف الأكثر إلحاحاً الذي تناولته الرؤية الإصلاحية كان ملف التضخم المتسارع في كلفة الرعاية الصحية، والذي بات يشكّل أحد أكبر التحديات التي تواجه قطاع التأمين الصحي في لبنان. فارتفاع النفقات الطبية لا ينعكس على المواطنين فحسب، بل يطاول أيضاً شركات التأمين ويؤثر بصورة مباشرة على استقرار السوق وقدرتها على الاستمرار في توفير التغطيات المطلوبة.
وانطلاقاً من هذه المعادلة، اعتبر البساط أن معالجة التضخم الصحي تتطلب مقاربة شاملة تتعامل مع جذور المشكلة لا مع نتائجها فقط، لافتاً إلى أن الأزمة ذات طبيعة هيكلية ومعقدة، ولا يمكن تحميل مسؤوليتها لطرف واحد دون سواه، الأمر الذي يستوجب تعاون مختلف الجهات المعنية ضمن رؤية إصلاحية متكاملة.

وفي هذا الإطار، تبرز ثلاثة محاور أساسية تشكّل قاعدة العمل خلال المرحلة المقبلة، تتمثل في تعزيز شفافية التسعير في القطاع الصحي، وترسيخ مبادئ الحوكمة السريرية بما يضمن جودة الخدمات وفاعلية الإنفاق، إضافة إلى تطوير بنية تحتية صحية أكثر تنظيماً وخضوعاً للرقابة. وترى وزارة الاقتصاد أن التقدم المتوازي على هذه المسارات من شأنه أن يساهم في احتواء الضغوط التضخمية وتحقيق الهدف الأوسع المتمثل في توفير رعاية صحية ميسورة الكلفة لجميع اللبنانيين.
وتعكس هذه التوجهات إدراكاً متزايداً بأن مستقبل قطاع التأمين في لبنان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرته على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والصحية الراهنة، وأن الإصلاح لم يعد خياراً بل ضرورة ملحّة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات على حد سواء.

وبين الطموح الإصلاحي والتحديات القائمة، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مسار القطاع، قال د. البساط، فيما تتجه الأنظار إلى الخطوات التنفيذية المنتظرة لترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس ينعكس إيجاباً على سوق التأمين وعلى اللبنانيين الذين يتطلعون إلى منظومة أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
وإلى جانب معالجة التحديات المرتبطة بالتضخم الصحي، خصّصت الرؤية الإصلاحية حيّزاً واسعاً لإعادة بناء الإطار التنظيمي والرقابي لقطاع التأمين، انطلاقاً من قناعة بأن القوانين الحالية لم تعد قادرة على مواكبة التطورات التي شهدتها الصناعة التأمينية خلال العقود الماضية.

وفي هذا السياق، كشف البساط عن العمل على إعداد قانون تأمين جديد للقرن الحادي والعشرين يحلّ محل قانون التأمينات المعمول به منذ عام 1968، والذي لم يعد يلبّي متطلبات الأسواق الحديثة أو المعايير الرقابية الدولية المعتمدة حالياً.
ويهدف المشروع الجديد إلى إدخال مجموعة من الإصلاحات الجوهرية، أبرزها اعتماد متطلبات رأسمالية قائمة على المخاطر ومتوافقة مع مبادئ الجمعية الدولية لهيئات الإشراف على التأمين، إلى جانب إنشاء إطار واضح لمعالجة أوضاع شركات التأمين المتعثرة، وتعزيز الرقابة على المجموعات التأمينية، وترسيخ معايير الحوكمة والكفاءة المهنية للإدارات التنفيذية ومجالس الإدارة.كما يولي القانون المقترح أهمية خاصة لحماية حقوق المؤمّن لهم، من خلال إدماج هذه الحقوق بصورة صريحة ضمن النصوص القانونية، بما يضمن تعزيز الشفافية والمساءلة ورفع مستوى الثقة بين الشركات والعملاء.و في السياق، أكد البساط أن عملية إعداد التشريعات الجديدة ستتم وفق مقاربة تشاركية وشفافة تشمل مختلف الجهات المعنية في القطاع، بهدف الوصول إلى إطار قانوني عصري قادر على مواكبة تطورات السوق لعقود مقبلة.

وفي موازاة العمل التشريعي، استعرض وزير الاقتصاد سلسلة خطوات إصلاحية بدأت الوزارة بتنفيذها بالفعل لتعزيز البنية المؤسسية والرقابية للقطاع. فقد جرى إعادة تفعيل المجلس الوطني للتأمين بعد سنوات من الجمود، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لأي عملية إصلاح مستدامة، وبما يعيد توفير المرجعية الاستراتيجية اللازمة لتطوير القطاع. كما شهدت لجنة مراقبة هيئات الضمان إعادة تفعيل دورها المؤسسي من خلال تعيين قيادة جديدة، شملت تعيين رئيس دائم للجنة ومراقبين للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، في خطوة تهدف إلى تعزيز فعالية الإشراف على السوق وتحسين حماية حملة الوثائق ورفع مستوى الرقابة على أداء الشركات.
وفي إطار تعزيز الإطار التنظيمي، شدّد البساط على ضرورة تزويد لجنة مراقبة هيئات الضمان بكل الأدوات والصلاحيات التي تحتاجها لمواكبة المتغيرات التي يشهدها القطاع. وأكد أن بناء سوق تأمين حديثة لا يمكن أن يتحقق من دون جهاز رقابي قوي وفعّال، قادر على تطبيق المعايير الدولية وممارسة الرقابة الاستباقية وإدارة المخاطر بكفاءة، موضحا أن تطوير المنظومة الرقابية لا يقتصر على تحديث النصوص القانونية، بل يشمل أيضاً تعزيز القدرات المؤسسية والانتقال إلى نموذج رقابي أكثر حداثة ومرونة، بما يسمح بمتابعة أوضاع الشركات بصورة أكثر فعالية، والتدخل المبكر عند الضرورة، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وحماية حقوق المؤمن لهم.

وفي إطار تعزيز حقوق المؤمّن لهم، قال الوزير البساط، ان “العمل جارٍ على تفعيل مجلس التحكيم التأميني المنصوص عليه قانوناً، والذي بقي لفترة طويلة من دون تفعيل فعلي. ويُنتظر أن يشكّل هذا المجلس منصة متخصصة لمعالجة النزاعات التأمينية وتوفير بديل أسرع وأقل كلفة من اللجوء إلى المحاكم، ما يُسهم في تسريع البت بالمطالبات والخلافات بين الشركات والمؤمّن لهم. تابع: “كذلك تضع الوزارة ضمن أولوياتها تعزيز دائرة حماية المستهلك في قطاع التأمين، بما يتيح تسريع معالجة المطالبات وتحسين الرقابة على الممارسات السوقية، ومنح الأفراد قناة واضحة للتواصل مع الجهات التنظيمية عند حصول أي خلاف أو مشكلة تتعلق بحقوقهم التأمينية”.
وفي موازاة هذه الإصلاحات المؤسسية، تطرّقت الرؤية إلى عدد من الملفات العالقة التي ما زالت تتطلب حلولاً خاصة، وفي مقدمتها المطالبات المرتبطة بعقود التأمين على الحياة المتضررة بفعل الأزمة المالية، إضافة إلى الملفات الناتجة عن انفجار مرفأ بيروت، والذي شكّل أكبر حدث تأميني في تاريخ لبنان الحديث وما زالت بعض المطالبات المرتبطة به قيد المعالجة. كما تناولت الخطة الحاجة إلى تنظيم أنشطة جديدة أو غير خاضعة حالياً لإطار رقابي متكامل. وفي هذا السياق، يجري إعداد إطار تنظيمي خاص بالشركات والجهات التي تدير المطالبات والخدمات الصحية نيابة عن شركات التأمين، بما يحدد مسؤولياتها وصلاحياتها ويعزز مستويات الحوكمة والشفافية والمساءلة.

وتشمل الرؤية أيضاً توسيع نطاق الرقابة ليشمل جهات ونشاطات تقع حالياً خارج الإطار التنظيمي التقليدي، مثل بعض الجمعيات التعاضدية والجهات المرتبطة بالخدمات التأمينية، إضافة إلى العمل على تطوير إطار مهني وتنظيمي للممارسات الاكتوارية، بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة ويعزز إدارة المخاطر داخل السوق.
ويرى القائمون على هذه الإصلاحات أن معالجة التحديات التاريخية للقطاع، بالتوازي مع تحديث القوانين وتوسيع المظلة الرقابية وتعزيز حماية المستهلك، تشكل مساراً متكاملاً لإعادة بناء الثقة بسوق التأمين اللبناني ووضعه على سكة التعافي والنمو.
وفي ختام عرضه، شدّد البساط على أن نجاح هذه الرؤية يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والجهات الرقابية وشركات التأمين وسائر المعنيين، مؤكداً أن الهدف النهائي يتمثل في بناء قطاع أكثر متانة وعدالة واستدامة، قادر على حماية المواطنين ودعم الاقتصاد الوطني ومواكبة التحولات التي يشهدها العالم في مجالات التأمين والصحة وإدارة المخاطر.

وهكذا، تبدو «الإصلاحات الثلاثة باتجاه واحد» مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة مستقبل قطاع التأمين اللبناني، عبر الجمع بين تحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة، ومعالجة التضخم الصحي، بما يمهّد لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والثقة والاستدامة
وكان المحامي أسامة سلمان، المدرّس في المعهد وعضو اللجنتين الأكاديمية والاستراتيجية، قد استهلّ هذا الحدث بكلمة ترحيبية بالوزير وصاحبي هذه الدعوة مديرة المعهد العالي لعلوم الضمان بالوكالة و رئيس الجامعة فرانسوا بوادك، و كانت لكل منهما كلمة بالمناسبة، فالدكتورة مجدلاني ذكرت في كلمتها أن المعهد أُنشئ استجابةً لحاجة معيّنة، ويستمرّ اليوم لأن الحاجة ما زالت قائمة. فالمعهد يمنح شهادة الإجازة في علوم الضمان، وهي 180 رصيداً بالنظام الأوروبي، كما يمنح شهادة الماستر، وهي 120 رصيداً بالنظام نفسه. ويقدّم المعهد أيضاً برنامج Minor في علم الضمان لطلّاب الجامعة من مختلف الاختصاصات.

تابعت: في السنوات المقبلة، سنعيد التجربة الناجحة التي أطلقها المعهد عام 2018 والمتمثّلة بالتعليم المستدام (Life Long Learning) من خلال مواضيع متخصّصة موجّهة لموظّفي قطاع التأمين، تُعطى خلال عطلة أسبوع أو أسبوعين وتُختَم بشهادة. كذلك سنتابع زياراتنا لشركات التأمين لنتعرّف أكثر إلى هذه البرامج. كذلك لدينا طموح بألّا نكتفي بنقل المعرفة، بل بإنتاجها عبر رسائل التخرّج، بمعنى أنّه ستُطرح مواضيع مهمّة مرتبطة بالواقع اللبناني. ونأمل أن يشهد العام المقبل ولادة وحدة بحثيّة متخصّصة بدراسة المخاطر والتأمين، وبذلك نلعب دوراً وطنيّاً على صعيد تطوير الأطر العلميّة لهذا الاختصاص، مع الإشارة هنا إلى أنّ الجامعة اليسوعيّة مستمرّة بتأمين منح خاصّة للطلّاب، تشارك شركات التأمين في تحمّل الأعباء الماديّة مع الجامعة، وهي مشكورة جدّاً.
اعتلى المنبر بعدها رئيس الجامعة البروفسور فرانسوا بوادك، الذي ألقى كلمة أشار فيها إلى ضرورة تعزيز الروابط بين الجامعة والمؤسّسات الجامعيّة والقطاع المهني والفاعلين الاقتصاديّين.

بعدها قدّم بوادك مع د. مجدلاني ميداليّة رمزيّة للوزير البساط بمناسبة مرور 50 سنة على إنشاء الجامعة. تلا ذلك طرح أسئلة على الوزير، ومعظمها كان مهمّاً لتوضيح أمور متعلّقة بقطاع التأمين، شارك في الإجابة عنها رئيس لجنة مراقبة شركات الضمان نديم حدّاد.
ثمّ دُعي الحضور إلى كوكتيل بالمناسبة.







































































