في وقتٍ تبدو فيه المنطقة وكأنها تعيش على إيقاع الأخبار العسكرية المتسارعة، حيث تتصدر مشاهد الحرب والدمار نشرات الأخبار يوماً بعد يوم، يصر قطاع التأمين العربي على كتابة رواية مختلفة، عنوانها الاستمرار والإيمان بالمستقبل. ففي مقابل مشهدٍ يختصره سباق بين الموت والحياة، تتواصل التحضيرات بوتيرة متصاعدة لاستضافة اثنين من أكبر التجمعات التأمينية في المنطقة، هما مؤتمر GAIF 35 الذي تستضيفه المملكة الأردنية الهاشمية بين 4 و7 أكتوبر المقبل على شاطئ البحر الميت، ومؤتمر Sharm Rendez-Vous الذي تحتضنه مدينة شرم الشيخ المصرية بين 15 و17 نوفمبر، في رسالة واضحة مفادها أن عجلة الاقتصاد وصناعة التأمين لا تتوقف حتى في أصعب الظروف.
ورغم الأجواء الإقليمية المشحونة وما تفرضه من تحديات على حركة السفر والاستثمار، فإن اللجان المنظمة للمؤتمرين تواصل حملاتها لدعوة العاملين في قطاع التأمين وإعادة التأمين إلى تسجيل مشاركاتهم، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحوار المهني وتبادل الخبرات أصبحا أكثر أهمية في زمن الأزمات، لا أقل.
وفي هذا الإطار، بعث مؤتمر GAIF 35 برسالة تفاؤل لافتة عندما أعلن أن أكثر من ألف مشارك سجلوا أسماءهم حتى الآن، فيما تشير التوقعات إلى ارتفاع العدد إلى ما بين 2000 و2500 مشارك من كبار التنفيذيين والخبراء وممثلي شركات التأمين وإعادة التأمين والهيئات الرقابية من مختلف الدول العربية والعالم، وهو ما يعكس حجم الثقة التي يحظى بها المؤتمر، رغم حساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة.
ويحمل المؤتمر هذا العام شعار “العودة إلى المبادئ”، في إشارة إلى أهمية التمسك بالأسس الجوهرية لصناعة التأمين في ظل عالم يزداد تعقيداً. ويركز الشعار على مبادئ مثل التسعير الفني السليم، وحسن النية، وحماية الأشخاص والممتلكات، وتعزيز الشمول المالي، باعتبارها الركائز التي ينبغي ألا تتأثر مهما تبدلت الظروف الاقتصادية أو السياسية. كما يناقش المؤتمر أبرز التحديات التي تواجه الصناعة، وفي مقدمتها المخاطر الجيوسياسية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية، وتغير المناخ، والارتفاع المستمر في تكاليف الرعاية الصحية، إلى جانب الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في تطوير الخدمات التأمينية.
في المقابل، فتح منظمو Sharm Rendez-Vous باب التسجيل رسمياً للمشاركة في دورته المقبلة، داعين شركات التأمين وإعادة التأمين والوسطاء والخبراء إلى تأكيد حضورهم مبكراً. ويعد هذا الحدث أحد أبرز ملتقيات إعادة التأمين في الشرق الأوسط وإفريقيا، إذ يوفر منصة سنوية تجمع شركات التأمين العربية مع كبرى شركات إعادة التأمين العالمية، بهدف مناقشة اتجاهات السوق، وفرص الاستثمار، وآليات إدارة الأخطار، إضافة إلى بناء شراكات جديدة بين المؤسسات العاملة في هذا القطاع الحيوي.
ولا تأتي أهمية هذين الحدثين من حجمهما فقط، بل من توقيتهما أيضاً. فالقطاع التأميني العالمي يعيش مرحلة إعادة تشكيل حقيقية بفعل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. فالحروب رفعت مستويات المخاطر السياسية، والتغير المناخي أدى إلى ازدياد الكوارث الطبيعية، فيما فرض التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي واقعاً جديداً على شركات التأمين، التي باتت مطالبة بتطوير منتجات أكثر مرونة، وتحسين إدارة المخاطر، وابتكار حلول تتناسب مع طبيعة الأخطار الحديثة.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن حجم سوق التأمين العالمي تجاوز سبعة تريليونات دولار من إجمالي الأقساط التأمينية، فيما تواصل أسواق التأمين العربية تحقيق معدلات نمو تفوق في العديد من الأحيان النمو الاقتصادي العام، مدفوعة بتوسع مشاريع البنية التحتية، والتأمين الصحي، والتأمين الإلزامي، والتحول الرقمي الذي تشهده شركات التأمين في مختلف الدول العربية. كما يؤكد مسؤولو الاتحاد العام العربي للتأمين أن معظم الأسواق العربية ما زالت تحقق معدلات نمو سنوية لا تقل عن 5%، رغم التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ولعل الرسالة الأبرز التي تحملها هذه المؤتمرات تتجاوز الجوانب المهنية البحتة، لتلامس بعداً أعمق يتعلق بقدرة المنطقة على مواصلة العمل والإنتاج رغم كل الأزمات. ففي الوقت الذي تفرض فيه الحروب واقعاً مليئاً بالمخاطر وعدم اليقين، يثبت قطاع التأمين أن مواجهة هذه الأخطار لا تكون بالتراجع، بل بمزيد من التعاون، وتبادل المعرفة، وتعزيز الشراكات، والاستعداد للمستقبل.
وبينما تتسابق نشرات الأخبار لنقل تفاصيل النزاعات، يواصل العاملون في قطاع التأمين التحضير للقاءات يرون فيها استثماراً في الغد، وإيماناً بأن التنمية لا تتوقف، وأن صناعة التأمين، التي وجدت أساساً لإدارة المخاطر وحماية الاقتصادات، قادرة أيضاً على توجيه رسالة أمل مفادها أن الحياة، مهما اشتدت الأزمات، لا تزال أقوى من الحرب، وأن المستقبل يُبنى حتى في أكثر اللحظات صعوبة.

























































