في مشهد بات يتكرر بوتيرة مقلقة، تبدو الكرة الأرضية وكأنها تعيش انقلاباً مناخياً غير مسبوق. ففي الوقت الذي تكافح فيه فرنسا وإسبانيا واحدة من أعنف موجات الحرائق التي شهدتها أوروبا في السنوات الأخيرة، تغرق مناطق واسعة من الهند والصين تحت أمطار موسمية غزيرة وفيضانات مدمرة، لتتحول المدن والقرى إلى بحيرات، ويجد ملايين البشر أنفسهم بين نارٍ لا ترحم ومياه لا تتوقف.
ولم تعد هذه المشاهد مجرد أخبار موسمية عابرة، بل أصبحت عنواناً لواقع جديد يفرض نفسه على الحكومات والاقتصادات وشركات التأمين العالمية، التي تواجه اليوم واحدة من أكبر موجات التعويضات في تاريخها، وسط تحذيرات من أن السنوات المقبلة قد تكون أكثر كلفة وخطورة.
ففي أوروبا، اندلعت خلال الأيام الأخيرة حرائق ضخمة في جنوب غرب فرنسا ومناطق واسعة من إسبانيا، مدفوعة بدرجات حرارة قياسية ورياح جافة ونقص حاد في الرطوبة. وقد اضطر مئات الآلاف من السكان إلى مغادرة منازلهم، بينما التهمت النيران عشرات آلاف الهكتارات من الغابات والمزارع، وهددت مناطق سياحية واقتصادية مهمة، بينها محيط مدينة بوردو الفرنسية. كما أعلنت إسبانيا حالة الطوارئ في بعض المناطق بعد اتساع رقعة الحرائق بشكل غير مسبوق، في وقت تؤكد فيه الهيئات الأوروبية أن تغير المناخ جعل الحرائق أكثر سرعةً واتساعاً وصعوبةً في السيطرة، فيما يعرف اليوم بحرائق “الجيل السادس”.
وفي المقابل، تعيش آسيا الوجه الآخر من الأزمة. ففي الهند، تسببت الأمطار الموسمية والفيضانات بانهيار آلاف المنازل، ومقتل العشرات، وتشريد مئات الآلاف، بعدما خرجت الأنهار عن مجاريها وغمرت المياه مئات القرى، خصوصاً في ولاية آسام. أما في الصين، فقد دخلت البلاد ذروة موسم الفيضانات وسط تحذيرات رسمية من أمطار استثنائية وانهيارات أرضية وسيول جارفة تهدد مناطق واسعة في شمال البلاد، مع توقعات بأن تتجاوز معدلات الهطول المعدلات الطبيعية بنسبة قد تصل إلى 50%.
ورغم اختلاف المشهد بين نارٍ في الغرب ومياهٍ في الشرق، فإن السبب المشترك يكاد يكون واحداً. فالعلماء يرون أن الاحتباس الحراري الناتج عن ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة أدى إلى زيادة الظواهر الجوية المتطرفة، إذ أصبحت موجات الحر أطول وأكثر شدة، فيما ازدادت الأمطار الغزيرة كثافة خلال فترات زمنية قصيرة، الأمر الذي يرفع احتمالات الفيضانات والانهيارات الأرضية بصورة غير مسبوقة. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الكوارث مرتبطة بالمناخ، بل إلى أي مدى ستتسارع وتيرتها خلال السنوات المقبلة.
اقتصادياً، تبدو الخسائر أكثر تعقيداً من مجرد أرقام أولية. فالحرائق لا تدمر الغابات والمنازل فحسب، بل تصيب الزراعة والسياحة وشبكات الكهرباء والطرق والنقل الجوي، فيما تؤدي الفيضانات إلى شلل المصانع، وتعطل سلاسل الإمداد، وإتلاف المحاصيل والبنية التحتية. وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن الكوارث المرتبطة بالمناخ كلفت الاتحاد الأوروبي أكثر من 822 مليار يورو بين عامي 1980 و2024، بينما كانت السنوات الأربع الأخيرة من بين الأعلى خسارة على الإطلاق.
أما شركات التأمين، فهي تقف اليوم في الصف الأول لمواجهة هذه الكوارث. فكل منزل احترق، وكل مصنع غمرته المياه، وكل مزرعة أتلفتها الحرائق أو الفيضانات، يتحول إلى مطالبة مالية قد تبلغ ملايين الدولارات. وتؤكد تقارير شركات إعادة التأمين العالمية، وعلى رأسها Swiss Re وMunich Re، أن الكوارث الطبيعية أصبحت المحرك الرئيسي لارتفاع التعويضات، وأن خسائر الكوارث المؤمن عليها عالمياً بلغت نحو 107 مليارات دولار خلال عام 2025، مع توقعات بأن ترتفع إلى مستويات قد تصل إلى 148 مليار دولار في الظروف الطبيعية لعام 2026، بينما قد تتجاوز 320 مليار دولار إذا شهد العالم سلسلة من الكوارث الكبرى خلال العام نفسه.
ولا يقتصر الضغط على شركات التأمين التقليدية، بل يمتد إلى شركات إعادة التأمين التي تتحمل الجزء الأكبر من الكوارث الكبرى، وهو ما يدفعها إلى إعادة تقييم خرائط المخاطر، ورفع أسعار إعادة التأمين، وتشديد شروط الاكتتاب، بل وحتى الانسحاب من بعض المناطق التي أصبحت توصف بأنها “غير قابلة للتأمين” بسبب تكرار الكوارث الطبيعية فيها. وتشير تقديرات أوروبية إلى أن نحو 75% من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث الطبيعية في أوروبا لا تزال غير مؤمن عليها، ما يعني أن الحكومات والأفراد يتحملون الجزء الأكبر من الفاتورة.
ورغم الصورة القاتمة، فإن قطاع التأمين يرى في التكنولوجيا جزءاً من الحل. فالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وصور الأقمار الاصطناعية، ونماذج التنبؤ المناخي، وتحليل البيانات الضخمة، أصبح يساعد الشركات على توقع أماكن الخطر قبل وقوعه، وتحديد أسعار أكثر دقة للتغطيات، وتسريع عمليات التعويض بعد الكوارث. إلا أن هذه الأدوات، مهما بلغت دقتها، لن تكون كافية إذا استمرت درجات الحرارة العالمية في الارتفاع بالمعدلات الحالية.
ويحذر خبراء المناخ من أن استمرار الانبعاثات المرتفعة وعدم الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمناخ سيؤدي إلى تضاعف الخسائر البشرية والاقتصادية خلال العقود المقبلة، مع توسع المناطق المعرضة للحرائق والفيضانات، وارتفاع أسعار التأمين، وتراجع قدرة بعض المجتمعات على الحصول على تغطية تأمينية أساساً.
أما الحد من هذه الخسائر، فلا يقتصر على مكافحة الحرائق أو بناء السدود، بل يبدأ من سياسات طويلة الأمد تشمل خفض الانبعاثات الكربونية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة تأهيل الغابات، وتحسين إدارة الموارد المائية، ومنع البناء في المناطق الأكثر عرضة للكوارث، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الحكومات وقطاع التأمين لتوسيع مظلة الحماية المالية.
لقد أصبح واضحاً أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي وتأميني عالمي يعيد رسم خرائط المخاطر وأسواق المال. وبين أوروبا التي تحترق، وآسيا التي تغرق، تبدو الرسالة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: فاتورة التأخر في مواجهة التغير المناخي ستكون أعلى بكثير من كلفة الوقاية منه، ولن تقتصر على شركات التأمين، بل سيدفعها العالم بأسره.
























































