• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

"إن الجنّة مزدحمة بمن سفكوا الدم باسم الله،
والنار ممتلئة بمن سُفِكت دماؤهم باسمه،
فأي عدل هذا أن تتحوّل رحمته إلى راية حرب؟!"
برتراند راسل، فيلسوف، وعالم رياضيات، وكاتب بريطاني

2026/06/18
- بحث
"إن الجنّة مزدحمة بمن سفكوا الدم باسم الله،والنار ممتلئة بمن سُفِكت دماؤهم باسمه،فأي عدل هذا أن تتحوّل رحمته إلى راية حرب؟!"برتراند راسل، فيلسوف، وعالم رياضيات، وكاتب بريطاني

جاءت الأديان لترسيخ قيم الرحمة والعدل والمحبة بين البشر، إلا أن التاريخ شهد مراراً استغلال المقدس لتبرير الحروب والعنف والانقسام. وبين حقيقة الرسالة الدينية وممارسات المتعصبين لها، برزت واحدة من أخطر المآسي الإنسانية. وفي لبنان، حيث يتداخل الدين بالسياسة والطائفة بالدولة، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة لما لها من تأثير مباشر على وحدة المجتمع واستقرار الوطن.

د. الياس ميشال الشويري

ما من جريمة أشد فظاعة من جريمة تُرتكب باسم الله، وما من مأساة أعظم من أن تتحول الرسالات التي جاءت لتحرير الإنسان من الظلم إلى ذرائع لتبرير الظلم نفسه. عبر التاريخ، سالت أنهار من الدماء تحت رايات مقدسة، وامتلأت المقابر بضحايا لم يقتلهم الإيمان بل قتلتهم قراءات متعصبة للإيمان، وقتلتهم مصالح سياسية ارتدت ثوب القداسة. فكم من قاتل اعتقد أنه يدافع عن السماء وهو يدمر الأرض؟ وكم من بريء سقط ضحية شعارات دينية لم تحمل من الدين سوى اسمه؟ إن المأساة لا تكمن في العقائد، بل في أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الله، فاحتكروا الحقيقة وكفّروا المختلف وحوّلوا الرحمة إلى سلاح والقداسة إلى وسيلة للهيمنة. وفي لبنان، حيث يمتزج الدين بالسياسة والطائفة بالدولة، تبدو هذه الإشكالية أكثر إلحاحاً وخطورة، لأن استغلال المقدس لم يؤدِّ إلا إلى تكريس الانقسامات وإطالة عمر الأزمات وتعميق الجراح الوطنية. ومن هنا تنبع أهمية البحث في العلاقة المأساوية بين الدين والعنف، وبين قدسية الرسالة وبشاعة استغلالها.

  1. الدين كرسالة رحمة في جوهره الإنساني

عندما نتأمل في نشأة الأديان والرسالات الكبرى عبر التاريخ، نكتشف أن القاسم المشترك بينها لم يكن الحرب أو الإقصاء أو السيطرة، بل السعي إلى تهذيب الإنسان والارتقاء بأخلاقه وتنظيم علاقته بخالقه وبالآخرين. فقد جاءت الرسالات الدينية في أزمنة ساد فيها الظلم والاستبداد والعنف، حاملةً قيماً تدعو إلى الرحمة والعدل والتسامح ومساعدة الضعفاء والمحتاجين. ولم يكن الهدف من الدين أن يصنع جدراناً بين البشر، بل أن يبني جسوراً بينهم على أساس الكرامة الإنسانية المشتركة.

لقد ارتبط مفهوم الإيمان الحقيقي في مختلف الحضارات بمعاني الرحمة والمحبة والغفران. فالإنسان المؤمن، وفق جوهر التعاليم الدينية، هو الذي يحترم الحياة ويصون كرامة الآخرين ويرفض الظلم مهما كان مصدره. ولذلك فإن قيمة الإنسان في المنظور الديني تتجاوز انتماءه العرقي أو الطائفي أو الاجتماعي، لأن الإنسان خُلق ليكون مكرماً بصفته إنساناً قبل أي صفة أخرى.

ومن هنا تظهر المفارقة المؤلمة عندما تتحول بعض الخطابات الدينية إلى أدوات للكراهية والتحريض. فهذه الخطابات لا تعكس حقيقة الدين بقدر ما تعكس مصالح الذين يستخدمونه لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو سلطوية. إن المشكلة لم تكن يوماً في النصوص المقدسة بحد ذاتها، بل في القراءات المتعصبة التي تنتزع النصوص من سياقها الإنساني والأخلاقي وتحوّلها إلى وسائل لإلغاء الآخر.

كما أن التاريخ يثبت أن أكثر الفترات ازدهاراً في الحضارات الدينية كانت تلك التي ساد فيها الانفتاح والتسامح والتفاعل بين الثقافات المختلفة. فالعلم والفلسفة والفنون والآداب ازدهرت عندما فهم الناس الدين باعتباره دعوة إلى المعرفة والتأمل والحوار، لا باعتباره سلاحاً في مواجهة المختلفين معهم. ولذلك فإن ربط الدين بالعنف بشكل مطلق يمثل ظلماً للدين نفسه وللتجارب الإنسانية المشرقة التي نشأت في ظله.

إن الرحمة ليست قيمة ثانوية في الأديان، بل هي في صلب رسالتها. فالعدل بلا رحمة قد يتحول إلى قسوة، والقوة بلا رحمة قد تتحول إلى استبداد، أما الرحمة فهي التي تمنح القيم الإنسانية معناها الحقيقي. ولهذا السبب كان الأنبياء والمصلحون عبر التاريخ يُعرفون بقدرتهم على احتضان الضعفاء والدفاع عن المظلومين لا بإثارة الأحقاد بين الناس.

وفي لبنان تحديداً، حيث تتعايش طوائف وديانات متعددة ضمن مساحة جغرافية صغيرة، تبرز أهمية العودة إلى الجوهر الإنساني للأديان. فلبنان لم يستمر رغم أزماته المتلاحقة إلا بفضل وجود مساحات من الاحترام المتبادل بين أبنائه، وبفضل إدراك كثيرين أن الإيمان الحقيقي لا يهدد الآخر بل يحترمه. وعندما تُختزل الأديان في صراعات سياسية وطائفية، تفقد رسالتها الأخلاقية وتتحول إلى أدوات انقسام بدلاً من أن تكون عوامل وحدة.

لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن الطائفية السياسية لا تحمي الدين، بل تستنزفه وتضعه في خدمة المصالح الضيقة. أما الدين في جوهره، فهو أسمى من أن يُختزل في زعيم أو حزب أو مشروع سلطوي. إنه دعوة دائمة إلى الارتقاء فوق الغرائز والعصبيات والانقسامات.

ومن هنا، فإن استعادة المعنى الحقيقي للدين تبدأ بإعادة الاعتبار إلى الإنسان نفسه، لأن كل رسالة دينية تفقد قيمتها عندما تتحول من خدمة الإنسان إلى السيطرة عليه. وعندما يعود الدين إلى موقعه الطبيعي كمصدر للأخلاق والرحمة والعدالة، يصبح قوة لبناء المجتمع وترميم جراحه، لا أداة لإشعال النزاعات وتعميق الانقسامات. وفي زمن تكثر فيه الحروب التي تُرفع فيها الشعارات المقدسة، تبقى الرحمة هي المعيار الأصدق للحكم على أي خطاب ديني، لأن الدين الذي يفقد رحمته يفقد روحه، مهما كثرت الشعارات التي تُرفع باسمه.

  1. كيف يتحول اسم الله إلى مبرر للعنف

إن من أخطر الظواهر التي عرفها التاريخ الإنساني أن يتحول اسم الله، الذي يفترض أن يكون رمزاً للرحمة والمحبة والخلاص الروحي، إلى أداة لتبرير القتل والعنف والكراهية. فالعنف الذي يرتكب بدافع شخصي أو سياسي يبقى جريمة واضحة المعالم، أما عندما يُغلَّف بغطاء ديني فإنه يكتسب في نظر مرتكبيه شرعية زائفة تجعلهم يعتقدون أنهم يؤدون مهمة مقدسة لا عملاً إجرامياً. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، لأن الجريمة لا تُرتكب فقط ضد الإنسان، بل ضد الدين نفسه الذي يُستخدم لتبريرها.

تبدأ هذه العملية عادةً عندما تحتكر جماعة معينة تفسير النصوص الدينية وتدّعي أنها وحدها تمتلك الحقيقة المطلقة. وعندما يصبح الاختلاف الفكري أو العقائدي مرادفاً للعداء، يفقد الحوار مكانه لتحل محله لغة التخوين والتكفير والإقصاء. وعند هذه النقطة يصبح الآخر خصماً يجب هزيمته بدلاً من إنسان يجب احترامه، ويُنظر إلى التعددية باعتبارها تهديداً لا ثراءً إنسانياً.

ويزداد الخطر عندما يختلط المقدس بالسياسي، فتسعى القوى الطامحة إلى السلطة إلى استثمار المشاعر الدينية لتحقيق أهدافها. فالتاريخ مليء بأمثلة قادة وحركات استخدموا الدين لتعبئة الجماهير وإضفاء هالة أخلاقية على مشاريعهم السياسية والعسكرية. وعندما يقتنع الأتباع بأنهم ينفذون إرادة إلهية، تتراجع قدرتهم على النقد والمساءلة، ويصبح كل فعل يقومون به مبرراً مهما بلغت قسوته.

كما أن الخطاب الديني المتشدد غالباً ما يعتمد على تبسيط العالم إلى معسكرين متقابلين: معسكر الخير المطلق الذي يمثله أصحاب العقيدة الصحيحة، ومعسكر الشر المطلق الذي يمثله الآخرون. وهذا التصنيف الحاد يلغي التعقيد الإنساني ويجرد الخصوم من صفاتهم البشرية، مما يسهل ممارسة العنف ضدهم من دون شعور بالذنب أو المسؤولية الأخلاقية.

والأخطر من ذلك أن بعض الجماعات لا تكتفي بتبرير العنف، بل تقدمه باعتباره عملاً بطولياً أو طريقاً إلى الخلاص الروحي. وهكذا يتحول الموت إلى وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، ويتحول القاتل في نظر جماعته إلى بطل أو شهيد، بينما تُنسى معاناة الضحايا وآلام عائلاتهم. وفي هذه اللحظة تصبح القيم الإنسانية رهينة للأيديولوجيا، ويصبح الإنسان مجرد أداة في صراع أكبر منه.

وفي لبنان، لا يظهر هذا الاستغلال دائماً في صورته العسكرية المباشرة، بل يتجلى أحياناً في الخطاب الطائفي الذي يلبس ثوب الدفاع عن الدين أو الجماعة. فكم من سياسي أو زعيم لجأ إلى إثارة المخاوف الوجودية والطائفية لحشد الأنصار وكسب النفوذ؟ وكم من مرة استُخدمت الرموز الدينية لتبرير ممارسات سياسية أو أمنية لا علاقة لها بالقيم الروحية؟ إن هذا التوظيف المستمر للمقدس في الصراعات الداخلية أدى إلى ترسيخ الانقسامات وإضعاف مفهوم المواطنة الجامعة.

وقد أظهرت التجربة اللبنانية أن الخطاب القائم على حماية الطائفة غالباً ما ينتهي إلى خدمة مصالح النخب السياسية أكثر مما يخدم أبناء الطائفة أنفسهم. فالمواطن يبقى يعاني من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، بينما تستمر الزعامات في استثمار المخاوف الدينية والطائفية للحفاظ على مواقعها ونفوذها.

إن تحويل اسم الله إلى مبرر للعنف لا يقتل الضحايا فقط، بل يقتل أيضاً إمكانية التعايش والثقة بين أبناء المجتمع الواحد. فهو يزرع الشك والخوف والكراهية في النفوس، ويحول الخلافات الطبيعية إلى صراعات وجودية يصعب حلها بالحوار أو التسويات السياسية.

ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة الدين، بل بتحريره من الاستغلال السياسي والأيديولوجي، وإعادة ربطه بقيمه الأصلية القائمة على الرحمة والعدالة واحترام الإنسان. فكل خطاب ديني يؤدي إلى إراقة الدماء أو إلغاء الآخر هو في جوهره انحراف عن الرسالة الأخلاقية التي جاءت الأديان من أجلها. وعندما يدرك الناس أن قدسية الله لا يمكن أن تكون ذريعة لانتهاك قدسية الإنسان، يصبح من الممكن بناء مجتمع أكثر سلاماً وعدالة، سواء في لبنان أو في أي مكان آخر من العالم.

  1. الضحية المنسية في الحروب المقدسة

في كل صراع يُخاض تحت راية الدين أو الطائفة أو العقيدة، غالباً ما يضيع صوت الضحية وسط ضجيج الشعارات والهتافات والخطابات التعبوية. فالناس ينشغلون بتبرير الحرب أو الدفاع عنها أو تفسير أسبابها، بينما ينسون الإنسان الذي دفع الثمن الحقيقي لها. وتصبح حياة الفرد وتاريخه وأحلامه مجرد تفاصيل صغيرة أمام السرديات الكبرى التي تبرر العنف باسم قضية مقدسة أو رسالة سماوية أو معركة وجودية.

إن الضحية في الحروب التي تُرتكب باسم الله لا تُقتل فقط برصاصة أو قذيفة، بل تُقتل مرتين؛ مرة عندما تُسلب حياتها، ومرة عندما يُحاول القاتل إضفاء الشرعية على جريمته من خلال ربطها بالإرادة الإلهية. ففي الجرائم العادية يبقى القاتل مدركاً أنه ارتكب فعلاً مداناً، أما في الجرائم المغلفة بالدين فإن المجرم قد يعتقد أنه يؤدي واجباً أخلاقياً أو دينياً، وهنا تكمن خطورة الأمر، لأن الجريمة تتحول من فعل فردي إلى عقيدة تبرر نفسها بنفسها.

ولطالما شهد التاريخ مجتمعات دفعت أثماناً باهظة بسبب هذا النوع من التفكير. فالأطفال الذين فقدوا آباءهم، والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والعائلات التي تهجرت من منازلها، لم يكونوا أطرافاً في النزاعات الفكرية أو العقائدية، ومع ذلك كانوا أول من دفع الثمن. إن الضحية لا تسأل عن التفسيرات اللاهوتية ولا عن الخلافات المذهبية، بل تعاني من الألم والخسارة والحرمان بشكل مباشر وحقيقي.

والمشكلة أن الضحايا غالباً ما يُختزلون إلى أرقام في نشرات الأخبار أو إلى أوراق في تقارير المنظمات الدولية. ومع مرور الوقت، يفقد المجتمع حساسيته تجاه المأساة الإنسانية، فيتحول الموت إلى مشهد اعتيادي، وتصبح صور الدمار والدمار النفسي جزءاً من الحياة اليومية. وعندما يحدث ذلك، تكون الإنسانية نفسها قد تعرضت لهزيمة أخلاقية خطيرة.

وفي لبنان، يعرف اللبنانيون جيداً معنى أن يكون الإنسان ضحية لصراعات تتجاوز إرادته. فقد عاشت البلاد عقوداً من الحروب والاغتيالات والانقسامات الطائفية التي دفعت خلالها آلاف العائلات أثماناً باهظة. كثيرون قُتلوا أو هُجّروا أو خسروا أحباءهم فقط لأنهم وُجدوا في المكان الخطأ أو لأن أسماءهم أو انتماءاتهم الطائفية وضعتهم في دائرة الاستهداف. ولم تكن معاناة هؤلاء نتيجة خيارات شخصية بقدر ما كانت نتيجة صراعات أكبر منهم.

وقد خلفت الحرب الأهلية اللبنانية جروحاً عميقة ما زالت آثارها النفسية والاجتماعية حاضرة حتى اليوم. فهناك عائلات لا تزال تبحث عن مصير مفقوديها، وأشخاص يحملون ذكريات مؤلمة عن التهجير والخوف والخسارة. وهذه الآلام تذكرنا دائماً بأن الضحية الحقيقية لأي صراع ليست الطائفة أو الحزب أو الجماعة، بل الإنسان الفرد الذي يُسحق بين مشاريع القوة والنفوذ.

كما أن استغلال دماء الضحايا لأغراض سياسية أو طائفية يمثل شكلاً آخر من أشكال الظلم. فكثيراً ما تُستخدم المآسي الإنسانية لتغذية مشاعر الكراهية والتحريض وإعادة إنتاج الانقسامات القديمة. وبدلاً من أن تكون ذكرى الضحايا حافزاً للمصالحة والسلام، تتحول أحياناً إلى وقود لصراعات جديدة.

إن القيمة الأخلاقية لأي مجتمع تُقاس بقدرته على رؤية الإنسان خلف الشعارات. فالطفل الذي يفقد مستقبله بسبب الحرب لا يهمه اسم الراية التي رفعت فوق ساحة المعركة، والأم التي تبكي ابنها لا يخفف ألمها أي خطاب أيديولوجي أو ديني. وما يبقى في النهاية ليس الانتصارات المعلنة ولا الشعارات الكبرى، بل حجم المعاناة التي تركتها الحروب في حياة الناس.

ولهذا فإن أول خطوة نحو بناء مستقبل أكثر عدلاً هي إعادة الاعتبار للضحية باعتبارها مركز القضية الإنسانية. فقبل الحديث عن العقائد والانتصارات والهزائم، يجب أن نتذكر أن كل إنسان يُقتل ظلماً هو عالم كامل يُمحى من الوجود. وعندما يصبح الدفاع عن الإنسان أولوية تتقدم على كل الشعارات السياسية والدينية والطائفية، يمكن للمجتمعات أن تبدأ رحلة الخروج من دوامة العنف نحو ثقافة الحياة والكرامة والسلام.

  1. التاريخ الإنساني بين الإيمان والاستغلال

يُظهر التاريخ الإنساني أن الدين كان أحد أكثر القوى تأثيراً في تشكيل الحضارات والثقافات والقيم الأخلاقية. فمن خلاله نشأت مدارس فكرية، وازدهرت العلوم، وتأسست مؤسسات خيرية وتعليمية وصحية، وتكونت منظومات أخلاقية ساهمت في تنظيم حياة المجتمعات. وقد لعب الإيمان دوراً محورياً في إلهام ملايين البشر للقيام بأعمال التضحية والعطاء والإصلاح الاجتماعي. لكن التاريخ نفسه يكشف وجهاً آخر أكثر قتامة، يتمثل في استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية لا علاقة لها بجوهر الرسالة الروحية التي يحملها.

لقد أدرك الحكام والزعماء عبر العصور أن المشاعر الدينية تمتلك قدرة هائلة على تعبئة الجماهير وتوجيهها. فالإنسان قد يتردد في القتال من أجل مصالح سياسية مجردة، لكنه قد يندفع بحماسة إذا اقتنع أنه يدافع عن قضية مقدسة أو ينفذ إرادة إلهية. ومن هنا نشأت واحدة من أخطر أدوات السيطرة في التاريخ، وهي توظيف المقدس لخدمة المصالح الدنيوية.

وفي كثير من المحطات التاريخية، لم تكن الحروب التي رفعت شعارات دينية نابعة من خلافات عقائدية بحتة، بل كانت تخفي وراءها صراعات على السلطة والنفوذ والثروات. غير أن إضفاء الطابع الديني عليها منحها زخماً شعبياً وأخلاقياً يصعب تحقيقه بوسائل أخرى. وهكذا أصبح الدين أحياناً لغة سياسية تُستخدم لحشد الأتباع وإسكات المعارضين وتبرير القرارات التي قد لا تحظى بقبول عام لو قُدمت بصورتها الحقيقية.

وما يزيد خطورة هذا الاستغلال أن الاعتراض على المشروع السياسي يتحول في هذه الحالة إلى اعتراض على الدين نفسه. فبدلاً من مناقشة السياسات والأفكار بصورة عقلانية، يجري تصوير الخصوم وكأنهم أعداء للعقيدة أو للقيم المقدسة. وبذلك تُغلق أبواب النقد والحوار، ويُفسح المجال أمام التعصب والانقسام.

كما أن التاريخ يبين أن الفترات التي شهدت أكبر قدر من التسامح والازدهار كانت غالباً تلك التي تم فيها الفصل بين قدسية الإيمان وصراعات السلطة. فعندما احتُرم الدين باعتباره مصدراً للأخلاق والقيم، لا أداة للسيطرة السياسية، ازدهرت المجتمعات وتطورت العلوم والفنون وازداد الانفتاح الثقافي. أما عندما تحول الدين إلى وسيلة للصراع على النفوذ، فقد انتشرت الانقسامات وتراجعت الحريات وتعمقت الأزمات.

وفي لبنان، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح من خلال التاريخ السياسي الحديث. فقد ارتبطت الطوائف تدريجياً بمراكز قوة سياسية، وأصبحت الهوية الدينية في كثير من الأحيان جزءاً من الصراع على السلطة والتمثيل والنفوذ. ومع مرور الزمن، لم يعد المواطن يُنظر إليه بوصفه فرداً متساوياً في الحقوق والواجبات، بل بوصفه عضواً في جماعة طائفية لها حصتها ومصالحها وحساباتها الخاصة.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، استُخدمت شعارات دينية وطائفية متعددة لتبرير أعمال عنف واسعة النطاق. لكن مراجعة تلك المرحلة تكشف أن الصراع لم يكن دينياً صرفاً، بل كان متشابكاً مع عوامل سياسية وإقليمية واقتصادية معقدة. ومع ذلك، كانت الطائفية الأداة الأكثر فعالية في تعبئة الناس ودفعهم إلى الانخراط في المواجهات.

وحتى بعد انتهاء الحرب، استمرت بعض القوى السياسية في الاستثمار في المخاوف والهواجس الطائفية للحفاظ على نفوذها. فكلما ضعفت الإنجازات السياسية أو الاقتصادية، عاد الخطاب الطائفي إلى الواجهة بوصفه وسيلة لإعادة شد العصب الشعبي وحماية مواقع السلطة. وهكذا بقي المواطن اللبناني أسيراً لمنطق الانقسام بدلاً من أن يصبح شريكاً في مشروع وطني جامع.

إن قراءة التاريخ بعمق تكشف أن المشكلة ليست في الإيمان نفسه، بل في استغلاله. فالدين عندما يبقى في إطاره الأخلاقي والإنساني يساهم في بناء الإنسان والمجتمع، أما عندما يتحول إلى أداة بيد الطامحين إلى السلطة فإنه يفقد الكثير من رسالته الروحية ويصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل.

ولهذا فإن أحد أهم الدروس التي يقدمها التاريخ للبنان وللعالم هو ضرورة التمييز بين الإيمان الصادق الذي يدعو إلى الخير والعدالة، وبين توظيف الدين لخدمة مشاريع النفوذ والسيطرة. فالأول يبني الأوطان ويقرب بين الناس، أما الثاني فيزرع الانقسامات ويحول المقدس إلى وقود للصراعات. وعندما تدرك المجتمعات هذا الفرق الجوهري، تصبح أكثر قدرة على حماية الدين من الاستغلال، وأكثر قدرة على حماية نفسها من الحروب التي تُرتكب باسمه.

  1. لبنان والطائفية كنسخة معاصرة من استغلال المقدس

يُعد لبنان من أكثر الدول التي تظهر فيها بوضوح العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة، ليس بسبب تعدديته الدينية فحسب، بل بسبب تحوّل الانتماءات الطائفية عبر الزمن إلى جزء أساسي من بنية النظام السياسي والاجتماعي. ففي الأصل، كان التنوع الديني اللبناني يُفترض أن يكون مصدر غنى ثقافي وحضاري، وأن يشكل نموذجاً للتعايش بين جماعات مختلفة ضمن وطن واحد. إلا أن الواقع السياسي حوّل هذا التنوع تدريجياً إلى ساحة تنافس وصراع على النفوذ والسلطة والمواقع، فأصبحت الطائفة في كثير من الأحيان أداة سياسية أكثر منها إطاراً روحياً أو ثقافياً.

لقد نشأ جيل كامل من اللبنانيين وهو يسمع أن أمنه مرتبط بطائفته، وأن حقوقه لا تُحمى إلا من خلال زعيمه الطائفي، وأن الخطر يأتي دائماً من الطوائف الأخرى. ومع مرور الوقت، ترسخت هذه الثقافة في الوعي الجماعي حتى أصبحت الانتماءات المذهبية أقوى أحياناً من الانتماء الوطني نفسه. وهكذا تحول الدين من عامل أخلاقي وروحي إلى عنصر أساسي في الصراع السياسي اليومي.

والمفارقة أن معظم الأزمات التي عصفت بلبنان لم تكن دينية في جوهرها، بل كانت مرتبطة بالسلطة والفساد والمحاصصة والمصالح الإقليمية. ومع ذلك، جرى تسويقها في كثير من الأحيان على أنها صراعات دفاع عن الوجود أو الحقوق الطائفية أو الهوية الدينية. وبهذه الطريقة تمكّنت الطبقة السياسية من تحويل الأنظار بعيداً عن الأسباب الحقيقية للأزمات وإبقاء المواطنين أسرى المخاوف الطائفية.

وقد أثبتت التجربة اللبنانية أن المواطن من مختلف الطوائف يعاني المشكلات نفسها. فالأزمة الاقتصادية لا تميز بين مسلم ومسيحي، والانهيار المالي لم يفرّق بين سني وشيعي ودرزي وماروني، والهجرة لم تستثنِ منطقة أو طائفة. الجميع خسروا مدخراتهم، والجميع عانوا من انهيار الخدمات الأساسية، والجميع دفعوا ثمن عقود من الفساد وسوء الإدارة. ومع ذلك، بقي الخطاب الطائفي حاضراً بقوة وكأن المشكلة تكمن في الآخر لا في النظام الذي أوصل البلاد إلى الانهيار.

لقد نجحت الطائفية السياسية في خلق شعور دائم بالخوف المتبادل بين اللبنانيين. فكل طائفة تشعر بأنها مهددة من الأخرى، وكل جماعة تظن أن خسارتها السياسية تعني خسارتها الوجودية. وهذا الخوف المستمر هو أحد أهم أسباب بقاء النظام الطائفي، لأنه يجعل المواطنين يتمسكون بزعاماتهم التقليدية حتى عندما تفشل هذه الزعامات في إدارة الدولة أو تحسين أوضاع الناس.

كما أن استغلال الرموز الدينية في الحياة السياسية ساهم في تعزيز هذا الواقع. فبدلاً من أن تبقى دور العبادة والمساحات الروحية أماكن تجمع الناس حول القيم الأخلاقية المشتركة، جرى أحياناً توظيف الخطاب الديني في خدمة الاصطفافات السياسية والطائفية. وعندما تختلط القداسة بالمنافسة السياسية، يصبح من الصعب التمييز بين الدفاع عن العقيدة والدفاع عن المصالح الحزبية أو الشخصية.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، دفع اللبنانيون ثمناً هائلاً لهذا الخلط بين المقدس والسياسي. فقد ارتُكبت أعمال عنف وتهجير وقتل تحت شعارات مرتبطة بحماية الطائفة أو الدفاع عن الوجود. وبعد انتهاء الحرب، ظن كثيرون أن البلاد دخلت مرحلة جديدة، لكن البنية الطائفية بقيت قائمة بأشكال مختلفة، واستمرت في إنتاج الأزمات والانقسامات نفسها.

والأخطر أن الأجيال الجديدة ورثت جزءاً كبيراً من هذه المخاوف والذكريات والانقسامات. فكثير من الشباب اللبنانيين وُلدوا بعد الحرب، لكنهم ما زالوا يعيشون داخل نظام سياسي وثقافي قائم على منطق الطوائف لا على منطق المواطنة. ولذلك يجدون أنفسهم أحياناً أسرى صراعات لم يشاركوا في صنعها، لكنهم يتحملون نتائجها.

إن مأساة لبنان لا تكمن في تعدديته الدينية، بل في استغلال هذه التعددية لأهداف سياسية. فالتنوع بحد ذاته ليس مشكلة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة وإبداع إذا أُدير ضمن إطار دولة عادلة تحترم الجميع بالتساوي. أما عندما يتحول التنوع إلى أداة للمحاصصة والتعبئة والخوف المتبادل، فإنه يصبح سبباً دائماً للأزمات.

ومن هنا، فإن الخروج من الحلقة المفرغة التي يعيشها لبنان يتطلب إعادة الدين إلى دوره الأخلاقي والروحي، وإعادة السياسة إلى وظيفتها الطبيعية في خدمة المواطنين. فالمواطن لا يحتاج إلى دولة تحكمه باسم الطوائف، بل إلى دولة تحمي حقوقه بصفته مواطناً. وعندما تصبح الكفاءة والعدالة والقانون أهم من الانتماء المذهبي، يمكن للبنان أن يتحرر من إرث طويل من استغلال المقدس في الصراعات السياسية، وأن يستعيد رسالته كمساحة للتعددية والعيش المشترك لا كساحة دائمة للانقسام والخوف.

  1. ثقافة تقديس الجماعة وإلغاء الإنسان

من أخطر النتائج التي تنشأ عن استغلال الدين والطائفة في الحياة العامة ظهور ثقافة تقدّس الجماعة إلى درجة تجعلها أعلى قيمة من الإنسان نفسه. ففي هذه الثقافة لا يعود الفرد يُقاس بإنسانيته أو بحقوقه أو ببراءة موقفه، بل بانتمائه إلى جماعة معينة. وهنا يبدأ الانحدار الأخلاقي الحقيقي، لأن الإنسان يفقد قيمته الذاتية ويصبح مجرد رقم داخل كتلة أكبر منه، تُمنح له الحقوق أو تُسلب منه وفق هويته لا وفق أفعاله.

عندما تُقدَّس الجماعة، تصبح مصلحتها المزعومة فوق كل اعتبار. فتُبرَّر الأخطاء إذا صدرت عن أبناء الجماعة نفسها، بينما تُدان الأفعال ذاتها إذا ارتكبها الآخرون. ويظهر ما يمكن تسميته بالعدالة الانتقائية، حيث يتغير الحكم الأخلاقي تبعاً لهوية الفاعل لا لطبيعة الفعل. وهكذا يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الحق والباطل بصورة موضوعية، لأن الانتماء يحل محل الضمير والقانون.

ويؤدي هذا المنطق إلى خلق حالة من العمى الأخلاقي الجماعي. فبدلاً من الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، يجري تبريرها والدفاع عنها خوفاً من إضعاف الجماعة أو إعطاء الخصوم فرصة لاستغلالها. ومع مرور الوقت، تتحول الكذبة إلى حقيقة متداولة، ويتحول الظلم إلى حق مشروع، ويتحول النقد إلى خيانة، ويصبح الولاء الأعمى فضيلة تُكافأ اجتماعياً وسياسياً.

إن تقديس الجماعة لا يكتفي بإلغاء الفرد داخلها، بل يلغي أيضاً إنسانية الآخرين خارجها. فالخصم السياسي أو الطائفي لا يُنظر إليه كشريك في الوطن أو كإنسان له حقوق ومخاوف وأحلام، بل كتهديد دائم يجب مواجهته أو تحجيمه. ومن هنا تنشأ لغة التخوين والتحريض والكراهية التي تمهد الطريق لكل أشكال التمييز والعنف.

وفي لبنان، لعب النظام الطائفي دوراً أساسياً في ترسيخ هذه الثقافة. فمنذ عقود طويلة، جرى ربط الولاء السياسي بالانتماء المذهبي، وأصبح كثير من المواطنين ينظرون إلى الدولة من خلال عدسة الطائفة. فبدلاً من السؤال عما إذا كان القرار عادلاً أو مفيداً للوطن، يُطرح السؤال عما إذا كان يخدم الطائفة أو يضرها. وهكذا تتراجع المصلحة الوطنية أمام الحسابات الفئوية الضيقة.

وقد أدى هذا الواقع إلى نشوء أجيال كاملة تربت على الخوف من الآخر أكثر مما تربت على معرفته. فالكثير من الصور النمطية والأحكام المسبقة المتبادلة بين الطوائف لا تستند إلى تجارب حقيقية بقدر ما تستند إلى روايات تاريخية ومخاوف موروثة وخطابات سياسية متكررة. ومع الزمن، تتحول هذه التصورات إلى حقائق راسخة في الأذهان يصعب تفكيكها.

كما أن ثقافة تقديس الجماعة ساهمت في حماية الفساد وإطالة عمره. فحين يُنتقد زعيم أو مسؤول، لا يُناقش النقد على أساس الوقائع والأدلة، بل يُفسر غالباً على أنه استهداف للطائفة أو للجماعة التي ينتمي إليها. وبذلك ينجو كثير من الفاسدين من المحاسبة لأنهم يختبئون خلف الحساسيات الطائفية ويستثمرونها لحماية مواقعهم.

والنتيجة أن المواطن العادي يصبح الضحية الأولى لهذا النظام الفكري. فهو يُطلب منه أن يدافع عن جماعته باستمرار، لكنه لا يحصل في المقابل على حقوقه الأساسية من تعليم جيد أو رعاية صحية أو فرص عمل أو عدالة اجتماعية. ويجد نفسه مطالباً بالتضحية من أجل شعارات كبرى بينما تتراجع جودة حياته يوماً بعد يوم.

إن المجتمعات لا تتقدم عندما تُقدَّس الجماعات، بل عندما تُصان كرامة الإنسان الفرد. فالقيمة الحقيقية لأي نظام أخلاقي أو سياسي تكمن في قدرته على حماية الإنسان بغض النظر عن دينه أو طائفته أو خلفيته الاجتماعية. وعندما تصبح حياة الفرد وحقوقه مقدسة أكثر من العصبيات والانتماءات الضيقة، يبدأ المجتمع بالخروج من دائرة الصراعات المزمنة.

وفي لبنان، لا يمكن بناء دولة حديثة ومستقرة ما دام الولاء للطائفة يتقدم على الولاء للقانون، وما دام الانتماء المذهبي يُستخدم معياراً للحقيقة والعدالة. فالدولة القوية لا تقوم على تقديس الجماعات، بل على احترام المواطنين بالتساوي. وعندما يدرك اللبنانيون أن مصيرهم المشترك أهم من انقساماتهم، وأن الإنسان أغلى من أي شعار أو راية أو زعامة، يصبح من الممكن الانتقال من منطق الجماعات المتصارعة إلى منطق الوطن الجامع الذي يتسع للجميع ويحمي الجميع دون استثناء.

  1. العدالة الإلهية والعدالة البشرية

يطرح الاقتباس المنسوب إلى برتراند راسل سؤالاً فلسفياً وأخلاقياً من أكثر الأسئلة إرباكاً في التاريخ الإنساني: كيف يمكن للإنسان أن يدّعي الدفاع عن الله وهو يسفك دماء البشر؟ وكيف يمكن للقاتل أن يتصور نفسه أقرب إلى الجنة من ضحيته لمجرد أنه رفع شعاراً دينياً أو انتمى إلى جماعة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة؟ إن هذا السؤال لا يتعلق بالدين وحده، بل يتعلق أيضاً بفهم الإنسان لمعنى العدالة وحدود سلطته في الحكم على الآخرين.

فالعدالة الإلهية، وفق المفهوم الديني العميق، تقوم على العلم المطلق والحكمة المطلقة والإنصاف الكامل. أما العدالة البشرية فهي محدودة بطبيعة الإنسان نفسه، بما يحمله من أهواء ومصالح وأخطاء وانحيازات. ولذلك كانت إحدى أكبر المآسي في التاريخ هي محاولة بعض البشر احتكار الحديث باسم الله وادعاء معرفة أحكامه النهائية على الناس. فعندما يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة الإلهية كاملة، يصبح أكثر استعداداً لإدانة الآخرين وإقصائهم وربما القضاء عليهم.

لقد شهدت البشرية عبر العصور جماعات وقادة اعتبروا أنفسهم ممثلين للإرادة الإلهية على الأرض. ومن هذا الاعتقاد نشأت محاكم تفتيش، وحروب دينية، ومجازر طائفية، وأعمال عنف متنوعة جرى تبريرها باسم العقيدة. لكن المفارقة أن كل طرف كان يعتقد أنه يقف إلى جانب الحق المطلق، بينما كان الطرف الآخر يحمل القناعة نفسها. وهنا يظهر التناقض الكبير بين ادعاءات البشر وبين التعقيد الحقيقي للعدالة.

إن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على الهوية أو الانتماء أو الشعار، بل على الفعل نفسه. فالقتل يبقى قتلاً مهما كانت الراية التي ترفرف فوقه، والظلم يبقى ظلماً مهما كانت اللغة المقدسة التي يُبرر بها. ولذلك فإن أي محاولة لتحويل الجريمة إلى عمل مقدس تمثل اعتداءً على مفهوم العدالة قبل أن تكون اعتداءً على الضحية.

وفي لبنان، تبدو هذه الإشكالية حاضرة بقوة في الحياة السياسية والطائفية. فكم من مرة جرى تبرير ممارسات خاطئة أو غير قانونية بحجة حماية الطائفة أو الدفاع عن الحقوق أو مواجهة الأخطار الوجودية؟ وكم من مرة أصبح تقييم الأفعال مرتبطاً بهوية مرتكبها لا بطبيعة الفعل نفسه؟ ففي كثير من الأحيان، يُدان الخطأ عندما يرتكبه الخصم، ويُبرر أو يُتجاهل عندما يصدر عن الحليف أو ابن الطائفة.

هذا المنطق لا يضر العدالة فحسب، بل يضرب أسس الدولة والمجتمع. فالعدالة لا يمكن أن تكون عدالة إذا كانت تُطبق على البعض دون البعض الآخر. وعندما يشعر المواطن أن القانون يتغير وفق الانتماءات السياسية أو الطائفية، يفقد ثقته بالمؤسسات وتزداد مشاعر الإحباط والغضب والانقسام.

كما أن الخلط بين العدالة الإلهية والأحكام البشرية يؤدي إلى نتائج خطيرة. فالإنسان لا يملك القدرة على معرفة مصائر الناس أو الحكم النهائي عليهم، لأن ذلك يتجاوز حدود المعرفة البشرية. وعندما يدّعي شخص أو جماعة امتلاك هذا الحق، فإنه يضع نفسه في موقع لا يملكه أصلاً، ويحول الدين من رسالة تواضع أخلاقي إلى أداة تعالٍ واستعلاء.

ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين الإيمان الشخصي وبين إدارة الشأن العام. فالإيمان يمكن أن يكون مصدر إلهام أخلاقي عظيم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء الأشخاص أو الجماعات من المحاسبة. فكل إنسان، مهما كان موقعه أو انتماؤه، يجب أن يخضع للمعايير نفسها من العدالة والمساءلة.

إن المجتمعات السليمة لا تُبنى على ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، بل على الاعتراف بإمكان الخطأ وعلى احترام القانون وحقوق الإنسان. فالعدالة لا تحتاج إلى شعارات صاخبة بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه وثقافة تحترم كرامة الفرد.

وفي لبنان، كما في كثير من المجتمعات المنقسمة، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق العدالة الانتقائية إلى منطق العدالة الشاملة. أي منطق يرى الإنسان قبل الطائفة، والحق قبل المصلحة، والقانون قبل الولاء. وعندما يصبح المعيار هو الفعل لا الهوية، والحقيقة لا الانتماء، يمكن عندها أن يقترب المجتمع من مفهوم العدالة الحقيقي.

فالعدالة الإلهية لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالسلاح أو بالعصبية، لأنها أسمى من أن تُختزل في جماعة أو حزب أو طائفة. أما العدالة البشرية، فهي مسؤولية الجميع، وهي تبدأ من الاعتراف بأن دم الإنسان أغلى من كل الشعارات، وأن كرامته لا يجوز أن تكون رهينة أي مشروع سياسي أو ديني أو طائفي. وعند هذه النقطة فقط يصبح الحديث عن العدالة أكثر من مجرد كلمات، ويتحول إلى ممارسة أخلاقية تحمي الإنسان وتصون المجتمع وتمنع تكرار المآسي التي ارتُكبت عبر التاريخ باسم الله والحق والحقيقة المطلقة.

  1. نحو ثقافة لبنانية تتجاوز الطوائف

إذا كان لبنان قد دفع ثمناً باهظاً بسبب الانقسامات الطائفية والصراعات التي استُخدم فيها الدين أحياناً كأداة للتعبئة السياسية، فإن الخروج من هذه الدوامة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بناء ثقافة وطنية جديدة تتجاوز حدود الطوائف من دون أن تلغيها. فالمطلوب ليس إلغاء التنوع الديني أو الثقافي الذي يميز لبنان، بل تحرير هذا التنوع من الاستغلال السياسي الذي حوّله مراراً إلى مصدر نزاع بدل أن يكون مصدر غنى وقوة.

لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الدولة التي تُبنى على توازن المخاوف لا يمكن أن تحقق استقراراً دائماً. فالخوف قد يؤجل الانفجار أحياناً، لكنه لا يبني وطناً ولا يصنع مستقبلاً. أما الثقة المتبادلة والعدالة والمساواة أمام القانون، فهي وحدها القادرة على تحويل التعددية من عبء إلى فرصة. ولذلك فإن أي مشروع إنقاذ حقيقي للبنان يجب أن يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات لا على أساس الانتماءات المذهبية.

إن أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمع اللبناني يتمثل في الانتقال من مفهوم “حقوق الطوائف” إلى مفهوم “حقوق المواطنين“. فحين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة بفضل القانون لا بفضل زعيمه الطائفي، تتراجع الحاجة النفسية والسياسية إلى الاحتماء بالجماعة. وعندما تصبح مؤسسات الدولة أكثر عدلاً وفعالية، يفقد الخطاب الطائفي جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير والتعبئة.

كما أن بناء ثقافة وطنية جامعة يتطلب مراجعة صادقة للذاكرة الجماعية. فلبنان ما زال يحمل جراح الحرب الأهلية وما تلاها من أزمات وصراعات وانقسامات. وكثير من اللبنانيين ورثوا روايات متناقضة عن الماضي، جعلت كل جماعة ترى نفسها ضحية مطلقة والآخر مسؤولاً عن كل المآسي. ومن دون مصالحة حقيقية مع التاريخ، تبقى الجروح مفتوحة وقابلة للاستغلال عند كل أزمة سياسية أو أمنية.

ويلعب التعليم دوراً محورياً في هذا التحول. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى ثقافة تزرع فيها قيم المواطنة والاحترام المتبادل والتفكير النقدي، بدلاً من تكريس الصور النمطية والأحكام المسبقة. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد مؤسستين لنقل المعرفة، بل هما أيضاً فضاءان لصناعة الوعي الوطني وبناء الإنسان القادر على رؤية شريكه في الوطن كحليف لا كخصم.

ولا يقل دور الإعلام أهمية عن دور التعليم. فالإعلام المسؤول يمكن أن يكون جسراً بين اللبنانيين، بينما الإعلام التحريضي قادر على إعادة إنتاج الانقسامات القديمة بأشكال جديدة. لذلك فإن تعزيز خطاب العقل والحوار والحقائق الموضوعية يمثل ضرورة وطنية في مواجهة ثقافة التخويف والاستقطاب.

كما أن النهوض الاقتصادي يشكل جزءاً أساسياً من تجاوز الطائفية. فالفقر والبطالة وانعدام الفرص تجعل الناس أكثر قابلية للارتهان للزعامات التقليدية والشبكات الزبائنية. أما عندما تتوفر فرص العمل والعدالة الاجتماعية والحد الأدنى من الكرامة المعيشية، يصبح المواطن أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ مواقفه بعيداً عن الضغوط الطائفية.

وفي لبنان اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى جيل سياسي جديد يؤمن بالدولة أكثر مما يؤمن بالمحاصصة، ويؤمن بالمواطن أكثر مما يؤمن بالجماعة المغلقة. فالأزمات المتراكمة أثبتت أن النظام القائم على الانقسامات الطائفية عاجز عن إنتاج حلول مستدامة لمشكلات البلاد، وأن استمرار النهج نفسه لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور.

إن تجاوز الطوائف لا يعني محو الهويات الدينية أو الثقافية، بل يعني وضعها في إطار وطني أوسع يحفظ التنوع ويمنع تحوله إلى أداة صراع. فالمسيحي والمسلم والدرزي وسائر أبناء الطوائف اللبنانية يواجهون اليوم المصير نفسه والتحديات نفسها، من الانهيار الاقتصادي إلى الهجرة إلى ضعف مؤسسات الدولة. وهذه التحديات لا يمكن مواجهتها بعقلية الانقسام، بل بروح الشراكة والتضامن.

وفي نهاية المطاف، لا مستقبل للبنان إذا بقي أسير الخوف المتبادل والولاءات الضيقة. فالأوطان القوية لا تقوم على توازن العصبيات، بل على وحدة المواطنين حول قيم مشتركة من الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وعندما ينجح اللبنانيون في بناء ثقافة ترى في التنوع مصدر قوة لا سبباً للانقسام، وفي الإنسان قيمة تتقدم على كل الانتماءات الأخرى، يصبح من الممكن الانتقال من وطن الطوائف إلى وطن المواطنين، ومن دولة المحاصصة إلى دولة القانون، ومن ذاكرة الحروب إلى أفق المستقبل.

  1. الخاتمة

بعد كل الحروب والمجازر والانقسامات التي عرفتها البشرية، يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً فوق ضمير العالم: كيف يمكن للإنسان أن يقتل أخاه الإنسان ثم يزعم أن الله بارك فعلته؟ إن الدم لا يصبح طاهراً لأن راية دينية رفرفت فوقه، والظلم لا يتحول إلى عدالة لأن مرتكبه استند إلى خطاب مقدس. فالله لم يكن يوماً بحاجة إلى جيوش من الكراهية للدفاع عنه، ولم تكن الرحمة بحاجة إلى أنهار من الدماء لكي تثبت وجودها. وفي لبنان، كما في كثير من المجتمعات المنقسمة، أثبتت التجارب أن الطائفية لا تنتج إلا مزيداً من الخوف، وأن استغلال الدين لا ينتج إلا مزيداً من الخراب، وأن الأوطان لا تُبنى بالعصبيات بل بالمواطنة والعدالة والحرية. إن المعركة الحقيقية ليست بين الأديان، بل بين الإنسانية والتعصب، بين العقل والعمى، بين من يرى الإنسان قيمة مقدسة ومن يراه مجرد وقود لمشاريعه وأوهامه. وعندما يدرك اللبنانيون، وسائر شعوب العالم، أن الإنسان أغلى من الطائفة، وأن كرامته أسمى من كل الشعارات، عندها فقط تنتصر الرحمة على الكراهية، والحقيقة على الوهم، والحياة على ثقافة الموت التي ارتكبت باسم الله من الجرائم أكثر مما ارتكبته باسم أي شيء آخر.

أخبار ذات صلة

"كل مجتمع يكثر فيه الحديث عن الحلال والحرامعلى حساب الحديث عن الحق والباطل،هو مجتمع تراثي راكد، لا يقرأ، ولا ينتج، ولا يتقدّم" ...مالك بن نبي، مفكر وكاتب جزائريد.الياس ميشال الشويري:الدولة قائمة شكليا، عاجزة فعليا...
بحث

"كل مجتمع يكثر فيه الحديث عن الحلال والحرام
على حساب الحديث عن الحق والباطل،
هو مجتمع تراثي راكد، لا يقرأ، ولا ينتج، ولا يتقدّم" ...
مالك بن نبي، مفكر وكاتب جزائري
د.الياس ميشال الشويري:
الدولة قائمة شكليا، عاجزة فعليا...

17/06/2026

...

الأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات، بل بالعلم والعمل، وسيادة القانون، وقوة المؤسسات.د. الياس ميشال الشويري: "أعظم انتصار للبنان هو أن ينتصر على الفوضى".
بحث

الأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات، بل بالعلم والعمل، وسيادة القانون، وقوة المؤسسات.
د. الياس ميشال الشويري: "أعظم انتصار للبنان هو أن ينتصر على الفوضى".

15/06/2026

...

حين يصبح القانون حبرًاوالفساد دستورًا..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:الأوطان لا تُهزم في معركةبل عندما يفقد الناسايمانهم بالعدالة...
بحث

حين يصبح القانون حبرًا
والفساد دستورًا..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
الأوطان لا تُهزم في معركة
بل عندما يفقد الناس
ايمانهم بالعدالة...

13/06/2026

...

إضاءة على مسيرة ميشال عونكما يراها معارضو نهجه..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:التاريخ لا يكتب خطابات السياسيين،بل النتائج التي تركوها خلفهم...
بحث

إضاءة على مسيرة ميشال عون
كما يراها معارضو نهجه..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
التاريخ لا يكتب خطابات السياسيين،
بل النتائج التي تركوها خلفهم...

10/06/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
معهد الخدمات الماليةيعلن عن شراكة جديدةمع " سويس ري " العالمية لإعادة التأمين

معهد الخدمات المالية يعلن عن شراكة جديدة مع " سويس ري " العالمية لإعادة التأمين

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups