• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

"لا عذاب أكبر من اليقظة في عالم حزين"
هاروكي موراكامي (كاتب ياباني)
قراءة فلسفية وإنسانية
في معنى الوعي وسط الأزمات
وربطها بالواقع اللبناني

2026/11/06
- بحث
"لا عذاب أكبر من اليقظة في عالم حزين"هاروكي موراكامي (كاتب ياباني)قراءة فلسفية وإنسانيةفي معنى الوعي وسط الأزماتوربطها بالواقع اللبناني

عين ترى الحقيقة

حين يفتح الإنسان عينيه على واقع مثقل بالحزن، لا يعود قادراً على رؤية الأشياء كما كانت من قبل. فاليقظة تكشف ما تخفيه الغفلة، والوعي يجعل الإنسان أكثر إحساساً بما يدور حوله، لكنه في الوقت نفسه يحمّله مسؤولية مواجهة الحقيقة. ومن هنا تأتي دلالة القول: “لا عذاب أكبر من اليقظة في عالم حزين“، وهي عبارة تفتح باباً واسعاً للتأمل في علاقة الإنسان بالوعي والألم، وفي قدرة هذا الوعي على التحول من مصدر للعذاب إلى قوة للتغيير، خصوصاً في وطن كلبنان أثقلت الحروب والأزمات والانقسامات ذاكرته وحاضره.

د. الياس ميشال الشويري

ليس العذاب الأكبر أن يعيش الإنسان في عالم حزين، بل أن يكون واعياً بحزنه. فالغافل يستطيع أن يمرّ فوق الخراب من دون أن يسأل، وأن يتعايش مع الظلم من دون أن يشعر بثقله، وأن يصدّق الأكاذيب حين تصبح أكثر راحة من الحقيقة. أما اليقظ، فإنه لا يملك هذه الرفاهية؛ عيناه مفتوحتان على ما يحاول الآخرون إخفاءه، وضميره لا يسمح له بأن يعتبر القبح طبيعياً، وعقله يرفض أن يتعامل مع الانهيار كأنه قدر لا مفر منه. لذلك تصبح اليقظة في عالم مضطرب نوعاً من العذاب النبيل؛ لأنك حين ترى الحقيقة كاملة، لا تستطيع بعد ذلك أن تعيش كما لو أنك لم ترها.

ولعل هذه الفكرة تصبح أكثر قسوة في لبنان، ذلك الوطن الذي تعلّم أبناؤه أن يعيشوا بين الأمل والخوف، وبين الحلم والانهيار، وبين دولة يتطلعون إليها وواقع يذكّرهم كل يوم بغيابها. في لبنان، لم يعد الحزن مجرد شعور فردي، بل تحول في مراحل كثيرة إلى مناخ عام؛ حزن على وطن تتآكل مؤسساته، وعلى حقوق تُنتزع، وعلى كفاءات تهاجر، وعلى شباب يبحثون عن مستقبل خارج حدود بلدهم، وعلى عدالة تتعثر أمام النفوذ، وعلى أجيال ورثت من الأجيال السابقة ذاكرة الحرب والانقسام والخوف. وفي وسط هذا كله، تصبح اليقظة عبئاً ثقيلاً، لأن المواطن الواعي يرى التناقض بين لبنان الذي يمكن أن يكون ولبنان الذي أصبح عليه.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس أن ينهار فقط، بل أن يعتاد انهياره؛ أن يصبح الفساد خبراً عادياً، والظلم مشهداً مألوفاً، والكذب خطاباً سياسياً، والمحسوبية وسيلة طبيعية للوصول، والفشل قدراً لا يستحق المساءلة. عندها لا يعود الخطر في الذين يصنعون الخراب وحدهم، بل في الذين يرونه ثم يفقدون القدرة على رفضه. من هنا تصبح اليقظة مسؤولية أخلاقية، ويصبح الوعي، رغم ألمه، آخر خطوط الدفاع عن الإنسان في مواجهة عالم يحاول إقناعه بأن ما يحدث طبيعي. وفي الحالة اللبنانية تحديداً، فإن السؤال لم يعد فقط لماذا يحزن الإنسان عندما يستيقظ، بل كيف يستطيع أن يحول هذا الوعي المؤلم إلى قوة تمنع الوطن من السقوط في اعتياد المأساة.

  1. اليقظة بوصفها وعياً يتجاوز ظاهر الأشياء

إن عبارة “لا عذاب أكبر من اليقظة في عالم حزين” تضعنا أمام مفارقة إنسانية عميقة، فالوعي الذي يفترض أن يكون نعمة قد يتحول، في ظروف معينة، إلى مصدر للألم. الإنسان اليقظ ليس هو الذي يرى الأشياء فحسب، بل هو الذي يدرك ما وراءها، ويقرأ ما بين السطور، ويلاحظ التناقضات التي يمر عليها الآخرون من دون اكتراث. وحين يصبح الواقع مثقلاً بالحزن والظلم والعبث، يصبح هذا الوعي أكثر إيلاماً، لأن صاحبه لا يستطيع أن يختبئ خلف الوهم أو اللامبالاة. إن اليقظة هنا ليست مجرد انتباه عقلي، وإنما حالة وجودية تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه نفسه ومجتمعه والعالم المحيط به.

فالإنسان الغافل يستطيع أحياناً أن يعيش داخل عالمه الصغير من دون أن يسأل كثيراً عن معنى ما يحدث حوله، بينما يجد الإنسان الواعي نفسه مضطراً إلى مواجهة الأسئلة الصعبة. لماذا ينتشر الظلم؟ لماذا يفشل العدل في الوصول إلى أصحابه؟ لماذا يصبح الكذب أكثر قدرة على الانتشار من الحقيقة؟ ولماذا يتكرر الخطأ نفسه رغم وضوح نتائجه؟ هذه الأسئلة لا تقدم دائماً أجوبة مريحة، ولذلك تتحول اليقظة من امتياز فكري إلى عبء نفسي وفلسفي. فكلما اتسعت قدرة الإنسان على الرؤية، اتسعت معها مساحة الأشياء التي يعجز عن تغييرها.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الوعي والحزن. فالحزن ليس دائماً نتيجة تجربة شخصية مباشرة، بل قد يكون نتيجة إدراك الإنسان لمعاناة الآخرين وللخلل الموجود في المجتمع. الإنسان الذي يشعر بآلام وطنه، ويرى انهيار مؤسساته، ويلاحظ تراجع القيم، لا يستطيع بسهولة أن يفصل نفسه عن هذا الواقع. يصبح الوطن بالنسبة إليه تجربة داخلية، ويصبح الفساد السياسي والاجتماعي جرحاً شخصياً، حتى لو لم يصبه بصورة مباشرة. وهكذا تتحول اليقظة إلى نوع من المشاركة الوجدانية في الألم العام.

وفي هذا السياق، تبدو العبارة أكثر عمقاً عندما تُقرأ من زاوية الواقع اللبناني. فلبنان بلد دفع أجيالاً متعاقبة إلى اليقظة القسرية أمام الأزمات والحروب والانقسامات والانهيارات. اللبناني الذي عاش التحولات الكبرى في بلده لم يعد قادراً بسهولة على النظر إلى الأحداث باعتبارها وقائع عابرة، لأنه تعلّم أن وراء كل أزمة أثراً طويل المدى على حياته ومستقبل عائلته ومجتمعه. ولذلك فإن الوعي اللبناني المعاصر يحمل في داخله قدراً كبيراً من الذاكرة والقلق والأسئلة.

وطن يحمل آثار الأزمات المتراكمة
  1. حين يصبح الوعي عبئاً في مواجهة الحزن

الوعي لا يؤلم لأنه سيئ، بل لأنه يكشف الحقيقة. والحقيقة ليست دائماً جميلة أو عادلة أو قابلة للتحمل. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة وهو يعتقد أن الأمور ستتحسن، ثم تأتي لحظة يدرك فيها أن المشكلة أعمق مما كان يتصور. وقد يكتشف أن بعض الأشخاص الذين منحهم ثقته لم يكونوا جديرين بها، وأن بعض المؤسسات التي ظن أنها تحمي المجتمع أصبحت عاجزة عن القيام بدورها، وأن بعض الخطابات التي تُرفع باسم المبادئ تخفي وراءها مصالح ضيقة. عندها يصبح الوعي لحظة انكشاف، والانكشاف قد يكون مؤلماً أكثر من الجهل.

وهذا النوع من اليقظة يختلف عن التشاؤم. فالتشاؤم موقف مسبق يرى العالم من خلال السلبية، أما اليقظة فهي قدرة على رؤية الواقع كما هو، بما يحتويه من جمال وقبح، ومن أمل وخيبة، ومن إمكانات وانكسارات. لذلك فإن الإنسان الواعي ليس بالضرورة إنساناً يائساً، لكنه إنسان يصعب خداعه. إنه لا يكتفي بالشعارات، ولا يصدق الوعود لمجرد أنها جميلة، ولا يخلط بين ما ينبغي أن يكون وما هو موجود فعلاً. ولهذا السبب قد يشعر أحياناً بأنه يعيش في عزلة فكرية عن محيطه.

ويزداد هذا الشعور عندما تصبح الجماعة معتادة على الأزمات. ففي المجتمعات التي تتكرر فيها الأزمات، قد يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والخلل إلى أمر طبيعي، والفساد إلى ممارسة مألوفة، والخوف إلى جزء من الحياة اليومية. عندها تصبح المشكلة ليست فقط في وجود الأزمة، وإنما في اعتياد الناس عليها. الإنسان اليقظ يرى هذا الاعتياد بوصفه خطراً بحد ذاته، لأنه يعني أن المجتمع بدأ يفقد حساسيته تجاه ما كان يعتبره في السابق غير مقبول.

وقد عرف لبنان هذه الحالة بصورة واضحة خلال العقود الأخيرة. فالأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتلاحقة جعلت كثيراً من اللبنانيين يعيشون في حالة استعداد دائم للأسوأ. ومع مرور الوقت، أصبح الحديث عن انقطاع الخدمات أو تراجع القدرة الشرائية أو هجرة الشباب أو ضعف المؤسسات جزءاً من اللغة اليومية. لكن الإنسان الواعي لا يستطيع أن يعتبر هذا طبيعياً لمجرد أنه أصبح متكرراً. فالتكرار لا يحول الخطأ إلى حق، ولا يجعل الأزمة قدراً لا يمكن مساءلته.

  1. لبنان بين ذاكرة الألم ويقظة الإنسان

لبنان ليس مجرد دولة تمر بأزمات، بل هو مجتمع يحمل ذاكرة كثيفة من التجارب التاريخية المتراكمة. الحروب والانقسامات والهجرة والاغتيالات والأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية تركت آثاراً عميقة في الوعي الجماعي. ولذلك فإن اللبناني يعيش حاضره وفي داخله قدر كبير من الماضي. كثير من الأحداث الجديدة تُقرأ من خلال أحداث قديمة، وكثير من المخاوف الحالية تستمد قوتها من ذكريات لم تُغلق ملفاتها بالكامل. وهذا يجعل اليقظة اللبنانية مرتبطة بصورة وثيقة بالذاكرة.

والذاكرة في حد ذاتها ليست مشكلة، بل قد تكون وسيلة لحماية المجتمع من تكرار أخطائه. لكن حين تتحول الذاكرة إلى جرح مفتوح، يمكن أن تصبح مصدراً دائماً للقلق والانقسام. الإنسان الذي لم يجد تفسيراً عادلاً لما حدث في الماضي قد يبقى أسيراً له، والجيل الذي يرث الخوف من الجيل السابق قد يحمل أعباء لم يصنعها بنفسه. لذلك فإن بناء المستقبل في لبنان لا يحتاج فقط إلى مشاريع اقتصادية وسياسية، بل يحتاج أيضاً إلى معالجة العلاقة بين الذاكرة والحاضر.

ومن أكثر مظاهر اليقظة إيلاماً في لبنان أن المواطن أصبح يرى التناقض بين الإمكانات الحقيقية للبلد وبين واقعه. فلبنان يمتلك طاقات بشرية كبيرة، وقطاعاً اغترابياً واسعاً، وتاريخاً ثقافياً وتعليمياً مميزاً، وموقعاً جغرافياً مهماً، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمات مؤسساتية واقتصادية وسياسية متراكمة. هذه المفارقة تجعل السؤال أكثر قسوة: كيف يمكن لبلد يمتلك كل هذه الإمكانات أن يصل إلى هذا القدر من التعثر؟

والجواب لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فالأزمة اللبنانية نتاج تراكم طويل من ضعف الدولة، والطائفية السياسية، وسوء الإدارة، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية، وتراجع المساءلة، إضافة إلى أزمات اقتصادية ومالية عميقة. لكن اليقظة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف المجتمع عن البحث عن تفسير واحد ومريح لكل مشكلاته. فالمشكلة المركبة تحتاج إلى وعي مركب، وإلى الاعتراف بأن المسؤولية موزعة بين بنى سياسية ومؤسساتية وثقافية واجتماعية تشكلت عبر سنوات طويلة.

إنسان وحيد يتألم لواقعه
  1. اليقظة أمام انهيار القيم

لا يتعلق الحزن الذي تتحدث عنه العبارة بانهيار الأوضاع المادية فقط، بل يمكن أن يكون حزناً على القيم نفسها. فالإنسان يشعر بالألم عندما يرى الصدق يتراجع أمام المصلحة، والكفاءة أمام الواسطة، والقانون أمام النفوذ، والمواطنة أمام الولاء الطائفي أو الحزبي أو الشخصي. وعندما تتكرر هذه الظواهر، يصبح الخطر أكبر من مجرد وجود فساد أو ظلم، لأن المجتمع قد يبدأ بالتكيف معهما ويعتبرهما جزءاً طبيعياً من الحياة.

في هذه الحالة تصبح اليقظة الأخلاقية مؤلمة. فالإنسان الذي يؤمن بأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع سيشعر بالعجز عندما يرى القانون انتقائياً. والذي يؤمن بأن الدولة يجب أن تحمي مواطنيها سيشعر بالإحباط عندما يرى المواطن يبحث عن الحماية خارج مؤسسات الدولة. والذي يؤمن بأن النجاح يجب أن يكون نتيجة العمل والكفاءة سيجد نفسه أمام واقع قد تكافأ فيه العلاقات والنفوذ أكثر من الاستحقاق. وهنا يصبح الألم ناتجاً عن الفجوة بين القيم التي نؤمن بها والواقع الذي نعيشه.

وقد عانى المجتمع اللبناني طويلاً من هذه الفجوة. فلبنان يملك تقاليد ثقافية وتعليمية وفكرية عريقة، ويضم مجتمعاً مدنياً نشطاً وطاقات فردية استثنائية، لكن هذه العناصر لم تتحول دائماً إلى دولة مؤسسات قوية. ومن هنا فإن المشكلة ليست في غياب القيم من المجتمع بالكامل، بل في عدم قدرة النظام العام على تحويل القيم إلى قواعد وممارسات مستدامة. فالعدالة لا تكفي كقيمة أخلاقية إذا لم تتحول إلى قضاء مستقل، والشفافية لا تكفي كشعار إذا لم تتحول إلى نظام رقابة، والمواطنة لا تكتمل إذا بقي الانتماء السياسي والطائفي أقوى من الانتماء إلى الدولة.

والإنسان اليقظ أمام هذا الواقع قد يشعر أحياناً بأنه غريب داخل وطنه، لا لأنه لا يحب وطنه، بل لأنه يحبه أكثر مما يسمح له الواقع بأن يتجاهل عيوبه. فالنقد الصادق للوطن ليس بالضرورة كراهية له، كما أن كشف الخلل لا يعني الرغبة في هدم المجتمع. على العكس، قد يكون النقد أحد أشكال الانتماء الأكثر نضجاً، لأنه ينطلق من الرغبة في رؤية الوطن أفضل مما هو عليه. وهنا تتحول اليقظة من مصدر للعذاب إلى مسؤولية أخلاقية.

هاروكي موراكامي
  1. هل يمكن تحويل اليقظة من عذاب إلى قوة؟

إذا كان الوعي يكشف الألم، فإن المطلوب ليس إطفاء الوعي، بل تحويله إلى قدرة على الفعل. فالمشكلة ليست في أن يرى الإنسان الحقيقة، وإنما في أن يرى الحقيقة ثم يعتقد أنه عاجز تماماً أمامها. اليقظة تصبح مدمرة عندما تتحول إلى مراقبة سلبية للانهيار، لكنها تصبح قوة عندما تتحول إلى تفكير ونقد ومبادرة ومشاركة. فالوعي الحقيقي لا يكتفي بالسؤال “لماذا وصلنا إلى هنا؟”، بل ينتقل إلى سؤال “كيف يمكن أن نخرج من هنا؟”.

وهذا التحول ضروري خصوصاً في المجتمعات التي أنهكتها الأزمات. فالمجتمع الذي يفقد الأمل يفقد تدريجياً قدرته على الإصلاح، لأن المواطن يبدأ باعتبار كل محاولة للتغيير عبثاً. أما المجتمع الذي يحافظ على وعيه رغم الألم، فيستطيع أن يحول التجربة الصعبة إلى معرفة. ومن هنا يمكن النظر إلى التجربة اللبنانية ليس فقط باعتبارها سلسلة من المآسي، بل باعتبارها أيضاً مدرسة قاسية يمكن أن تنتج وعياً جديداً بالدولة والقانون والمواطنة والمسؤولية.

إن لبنان يحتاج إلى يقظة تتجاوز الغضب. الغضب مفهوم ومشروع عندما يكون هناك ظلم، لكنه وحده لا يبني دولة. المطلوب هو وعي قادر على التفريق بين الخصومة السياسية والعداء الوطني، وبين النقد والتخوين، وبين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والانقسام. كما يحتاج المجتمع إلى ثقافة جديدة تعتبر المساءلة جزءاً من الديمقراطية وليست اعتداءً على أحد. فالدولة القوية لا تخاف من المواطن اليقظ، بل تحتاج إليه.

ومن هنا يمكن أن تصبح العبارة مدخلاً إلى فلسفة مختلفة في التعامل مع الواقع اللبناني. فبدلاً من اعتبار اليقظة عذاباً فقط، يمكن اعتبارها ثمناً ضرورياً للنضج. الإنسان الذي رأى الألم يصبح أكثر قدرة على تقدير السلام، والذي اختبر ضعف الدولة يصبح أكثر إدراكاً لقيمة المؤسسات، والذي عاش الانقسام يصبح أكثر تمسكاً بالمواطنة، والذي شاهد ضياع الحقوق يصبح أكثر إصراراً على العدالة. إن التجربة المؤلمة لا تضمن النضج، لكنها تمنح الإنسان فرصة للنضج إذا امتلك الشجاعة لتحويلها إلى معرفة.

  1. من اليقظة المؤلمة إلى أمل مسؤول في لبنان

قد يبدو الأمل في عالم حزين نوعاً من السذاجة، لكن الأمل الحقيقي ليس إنكاراً للحزن. الأمل الناضج هو أن يرى الإنسان حجم المشكلة من دون أن يسمح لها بإلغاء قدرته على التفكير والعمل. ولذلك فإن اليقظة والأمل ليسا نقيضين. يمكن للإنسان أن يكون شديد الوعي بمآسي وطنه، وأن يكون في الوقت نفسه مؤمناً بإمكانية إصلاحه. بل ربما لا يصبح الأمل صادقاً إلا عندما يمر عبر الحقيقة ولا يحاول الهروب منها.

في لبنان، يحتاج الأمل إلى أن يتحول من انتظار إلى مسؤولية. لا يكفي أن ننتظر جيلاً سياسياً جديداً أو ظرفاً إقليمياً أفضل أو مساعدة خارجية أو معجزة اقتصادية. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح المواطن شريكاً في بناء الدولة، وعندما تصبح الكفاءة قيمة عامة، والقانون مرجعاً، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والمصلحة الوطنية أعلى من الحسابات الفئوية. عندها فقط يمكن لليقظة أن تتحول إلى قوة تاريخية بدلاً من أن تبقى مصدراً للإحباط.

واللبناني الذي يرفض أن يعتاد الانهيار يمارس شكلاً من أشكال المقاومة المدنية والأخلاقية. عندما يرفض الرشوة، ويتمسك بالقانون، ويطالب بحقه، ويرفض التمييز، ويحافظ على كرامته، ويحاسب المسؤول، ويدافع عن حرية التعبير، ويصر على دولة عادلة، فإنه لا يقوم بأفعال صغيرة كما قد تبدو في ظاهرها، بل يشارك في إعادة بناء الثقافة التي تحتاج إليها الدولة. فالدول لا تنهض بالقوانين وحدها، وإنما أيضاً بعادات المواطنين وسلوكهم اليومي تجاه الحق والواجب.

وفي النهاية، ربما تكون أقسى حقيقة في العبارة أن اليقظة تجعل الإنسان يرى حزناً كان يمكن للغفلة أن تخفيه، لكنها في الوقت نفسه تمنحه فرصة لرؤية الطريق الذي يمكن أن يقود إلى تغييره. إن العذاب الحقيقي ليس أن نكون يقظين في عالم حزين، بل أن نفقد يقظتنا فنعتاد الحزن، ونعتبر الظلم طبيعياً، والانهيار قدراً، والفساد أسلوب حياة، والعجز حقيقة ثابتة. أما لبنان، رغم كل ما مر به، فلا يحتاج إلى المزيد من الغفلة، بل إلى يقظة مسؤولة تحول الوعي إلى فعل، والألم إلى درس، والذاكرة إلى حكمة، والنقد إلى إصلاح، والأمل إلى مشروع. ففي النهاية، قد يكون الوعي مؤلماً، لكنه يظل الشرط الأول لأي تغيير حقيقي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يصلح ما يرفض أن يراه.

اليقظة في عالم حزين
  1. الخاتمة

في النهاية، ربما كان موراكامي مصيباً في وضع اليقظة في مواجهة عالم حزين، لأن الإنسان حين يستيقظ حقاً لا يعود قادراً على خداع نفسه. يرى الوجوه خلف الأقنعة، والمصالح خلف الشعارات، والخوف خلف الصمت، والظلم خلف الكلمات الجميلة. لكنه يكتشف في الوقت نفسه أن الوعي، مهما كان مؤلماً، يظل أكثر كرامة من الغفلة، وأن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل أكثر إنسانية من الوهم. فالغافل قد يعيش مرتاحاً لبعض الوقت، أما اليقظ فقد يتألم، لكنه يعرف لماذا يتألم، وما الذي يجب أن يتغير.

ولبنان هو المثال الأكثر قسوة على هذه المفارقة. لقد تعب اللبناني من أن يكون شاهداً على الأزمات، ومن أن يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، ومن أن يرى بلداً يمتلك من الطاقات ما يكفي ليكون نموذجاً، ثم يُترك أسيراً لعجز سياسي ومؤسساتي وانقسامات متراكمة. لكن المأساة الحقيقية ليست في أن يكون لبنان جريحاً؛ فالأوطان قد تُجرح وتتعافى. المأساة أن يتحول الجرح إلى هوية، وأن يصبح الانهيار عادة، وأن يقتنع المواطن بأن لا شيء يمكن تغييره.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس إطفاء اليقظة اللبنانية، بل تحريرها من اليأس. فلبنان لا يحتاج إلى مواطن نائم كي يستمر، ولا إلى مواطن غاضب فقط، بل إلى مواطن يرى، ويسأل، ويرفض، ويحاسب، ويتمسك بالقانون، ويصر على كرامته وحقه. إن الوعي الذي لا يتحول إلى موقف يبقى ألماً، أما الوعي الذي يتحول إلى مسؤولية فيصبح بداية خلاص. وربما لهذا السبب تحديداً لا يكون العذاب الأكبر في أن نستيقظ على عالم حزين، بل أن نستيقظ ثم نقرر أن ننام من جديد.

فقد يكون لبنان اليوم بلداً متعباً، لكنه ليس بالضرورة بلداً ميتاً. وما دام فيه إنسان يرفض أن يعتاد الظلم، وقلم يرفض أن يصمت، وقاضٍ يتمسك بالعدالة، وشاب يصر على البقاء أو العودة، ومواطن يطالب بحقه دون خوف، فثمة شيء لم يمت بعد. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يحزن أبناؤه، بل أن يتوقفوا عن الحزن؛ لأن توقفهم عن الألم قد يعني توقفهم عن الإحساس، وتوقفهم عن الإحساس قد يكون بداية النهاية. أما اليقظة، مهما أوجعت، فهي الدليل على أن الضمير لا يزال حياً، وأن وطناً أنهكته المآسي يمكن أن يستعيد عافيته، شرط ألا يسمح أبناؤه للخراب بأن يصبح أمراً عادياً.

أخبار ذات صلة

د. الياس ميشال الشويري يكتب عنإختلال موازين القيم في المجتمع،إستناداً الى قول للطبيب والمفكر المصريمصطفى محمود..إزدواجية المعايير في التربيةلا تحمي المجتمع...
بحث

د. الياس ميشال الشويري يكتب عن
إختلال موازين القيم في المجتمع،
إستناداً الى قول للطبيب والمفكر المصري
مصطفى محمود..
إزدواجية المعايير في التربية
لا تحمي المجتمع...

05/11/2026

...

د. غالب خلايلييشكو لنا هموم العيادة..عندما يتحوّل الطبيبمن الطب الى الطبخ...
بحث

د. غالب خلايلي
يشكو لنا هموم العيادة..
عندما يتحوّل الطبيب
من الطب الى الطبخ...

03/11/2026

...

بحث

03/11/2026

...

الإمام موسى الصدر:لا نريد وطنا للشيعة بل شيعة للوطن..د. الياس ميشال الشويري معقّباً:لبنان لا يحتاج الى اوطان داخل حدودهبل الى دولة تحمي هذه الحدود...
بحث

الإمام موسى الصدر:
لا نريد وطنا للشيعة بل شيعة للوطن..
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
لبنان لا يحتاج الى اوطان داخل حدوده
بل الى دولة تحمي هذه الحدود...

28/10/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
الحق في السكن بين التمويل والإصلاححبيب يقترح رسماً على الشقق الشاغرة..وإنشاء وزارة للإسكان

الحق في السكن بين التمويل والإصلاح حبيب يقترح رسماً على الشقق الشاغرة.. وإنشاء وزارة للإسكان

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups