• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

عندما يحكم الوطنَ الأوباش:
سقوط الدولة واغتيال الكفاءة في لبنان

2026/09/16
- بحث
عندما يحكم الوطنَ الأوباش:سقوط الدولة واغتيال الكفاءة في لبنان

ليست أخطر مصائب الأوطان أن يحكمها فاسدون، فحسب، بل أن يصل الوطن إلى مرحلة يصبح فيها الفساد قاعدة، والنزاهة استثناء، والكفاءة عبئًا، والولاء أهم من القانون. عندها لا يعود الخلل في شخص أو حكومة، بل يتحول إلى منظومة تُعيد إنتاج نفسها، وتدفع بالشرفاء إلى الهامش، وتمنح المتسلقين مفاتيح الدولة.

د. الياس ميشال الشويري

عندما يحكم الأوباش وطنًا، تتبدل موازين القيم قبل أن تتبدل موازين السلطة؛ يصبح الجاهل صاحب قرار، والانتهازي صاحب نفوذ، والفاسد صاحب حصانة، بينما يجد صاحب الكفاءة نفسه مضطرًا إلى الصمت أو الرحيل. وفي هذه اللحظة يبدأ الوطن بخسارة أخطر ثرواته: الثقة والضمير والكفاءة، لأن المجتمع الذي يرى الرداءة تكافأ والنزاهة تعاقب، يبدأ تدريجيًا بفقدان إيمانه بإمكانية الإصلاح.

وفي لبنان، تبدو هذه المعضلة أكثر قسوة، لأن أزمات الدولة لم تعد محصورة في الاقتصاد والمال، بل امتدت إلى السياسة والإدارة والقضاء والثقة بالمؤسسات. فحين يصبح الولاء السياسي أو الطائفي أقوى من معيار الكفاءة، وحين تتحول المحاسبة إلى معركة بين الجماعات بدل أن تكون تطبيقًا للقانون، يصبح الفاسد قادرًا على الاحتماء خلف شعارات أكبر منه، ويصبح المواطن أسير شبكة من الزعامات والمصالح بدل أن يكون مواطنًا حرًا تحميه دولة القانون.

ومن هنا تأتي خطورة السؤال الذي يطرحه هذا المقال: ماذا يحدث عندما يصبح الوطن أسيرًا لمن لا يرون فيه إلا غنيمة؟ إن القضية ليست البحث عن أسماء لتوجيه الاتهامات، بل تفكيك منظومة تسمح للرداءة بأن تصل إلى السلطة وتستمر فيها. فلبنان لا يحتاج إلى تبديل الوجوه فقط، بل إلى تغيير المعايير التي تحكم الوصول إلى السلطة، بحيث تصبح الكفاءة فوق المحاصصة، والقانون فوق الزعيم، والمواطنة فوق التبعية، وتصبح الدولة أقوى من كل من يحاول تحويلها إلى مزرعة خاصة.

  1. عندما تنقلب معايير الحكم

حين يحكم الأوباش وطنًا، لا تكون المشكلة في وجود الفاسدين وحدهم، فالفاسد موجود في كل مجتمع، وإنما في أن يتحول الفساد من سلوك فردي إلى منهج في إدارة الدولة. عندها تتبدل المعايير، فيصبح الوصول إلى السلطة أهم من القدرة على إدارة السلطة، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، والتبعية أهم من النزاهة، والخطاب الشعبوي أهم من الإنجاز الحقيقي. وفي الدولة السليمة، يكون المنصب العام تكليفًا ومسؤولية، بينما في الدولة التي تنقلب فيها المعايير يتحول المنصب إلى غنيمة، والوزارة إلى حصة، والمؤسسة إلى مساحة نفوذ، والمال العام إلى مجال مفتوح للمحسوبيات والمصالح.

وحين يصبح الرديء قادرًا على الصعود بينما يُدفع النزيه والكفوء إلى الهامش، تبدأ الدولة بفقدان أفضل ما لديها: الثقة والكفاءة والضمير. فالمجتمع الذي يرى أن صاحب الشهادة والخبرة عاجز عن الوصول، بينما يستطيع صاحب الواسطة والنفوذ أن يتقدم عليه، يتعلم درسًا خطيرًا: لا حاجة إلى الاجتهاد إذا كانت العلاقات أقوى من الكفاءة. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي، لأن الأوطان لا تنهض فقط بالموارد الطبيعية، بل بالعقول والقدرات والطاقات البشرية التي تتولى إدارتها. وعندما تُهزم الكفاءة أمام المحاصصة، تصبح الدولة عاجزة حتى لو امتلكت أفضل الكفاءات على الورق.

وفي لبنان، تتضاعف خطورة هذه المشكلة عندما يصبح تقييم السياسي مرتبطًا بانتمائه السياسي أو الطائفي بدل تقييمه بما قدمه للدولة. فالفاشل قد يجد من يدافع عنه لأنه “من جماعتنا“، والفاسد قد يجد من يحميه لأن المساءلة تُقدَّم أحيانًا باعتبارها استهدافًا سياسيًا أو طائفيًا. وهكذا يتحول الانتماء من رابطة اجتماعية وثقافية إلى درع سياسي يمنع المحاسبة. وحين يصبح السؤال عن أداء المسؤول اعتداءً على الجماعة التي ينتمي إليها، يصبح الفساد محميًا بالهوية، ويصبح المواطن عاجزًا عن محاسبة من يفترض أنه يعمل لخدمته.

إن أخطر ما يفعله حكم الأوباش ليس إفساد مؤسسات الدولة فقط، بل إفساد مفهوم النجاح نفسه. فإذا أصبح الوصول إلى النفوذ مرتبطًا بالولاء، أصبح الانتهازي نموذجًا يحتذى، وإذا أصبح الصادق خاسرًا لأنه رفض المساومة، بدأ المجتمع ينظر إلى النزاهة باعتبارها سذاجة. لذلك فإن إنقاذ لبنان يبدأ بإعادة بناء سلم القيم السياسية: الكفاءة قبل المحسوبية، والنزاهة قبل النفوذ، والقانون قبل الأشخاص، والمواطنة قبل التبعية. فالوطن الذي يريد أن يعيش لا يستطيع أن يجعل الرداءة قاعدة والكفاءة استثناء.

  1. لبنان بين دولة المواطنين ودولة الزعامات

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة واضحة: المواطن صاحب حق، والمسؤول موظف عام، والمؤسسات هي المرجعية التي تحكم العلاقة بين الطرفين. أما عندما تتحول الدولة إلى شبكة من الزعامات، يصبح المواطن مضطرًا إلى البحث عن باب سياسي يدخل منه للحصول على حق يفترض أن يحصل عليه بالقانون. وهنا يتحول المواطن من صاحب حق إلى طالب خدمة، ومن إنسان حر إلى تابع، ومن مواطن متساوٍ أمام الدولة إلى شخص يبحث عن واسطة أو حماية أو مرجعية سياسية. وهذه ليست مجرد مشكلة إدارية، بل انقلاب في مفهوم الدولة نفسها.

لبنان بلد غني بالتنوع الطائفي والثقافي والتاريخي، وهذا التنوع ليس المشكلة بحد ذاته، بل يمكن أن يكون عنصر قوة إذا احتضنته دولة عادلة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطوائف إلى أدوات سياسية لحماية الزعامات، وعندما يصبح السياسي قادرًا على الاختباء خلف جماعته كلما طُرحت أسئلة حول أدائه. عندها يصبح نقد الفاسد “استهدافًا للطائفة“، ومحاسبة المسؤول “مؤامرة على الزعيم“، والمطالبة بالإصلاح “اعتداءً على الحقوق“. وهكذا تتحول الطائفة من مكوّن اجتماعي يحتاج إلى الحماية داخل الدولة إلى حصانة سياسية تمنع الدولة من محاسبة بعض أبنائها.

ولذلك فإن المشكلة اللبنانية ليست في وجود زعامات سياسية، فالزعامة في حد ذاتها ليست جريمة، وإنما في تحول الزعامة إلى بديل عن الدولة. فالزعيم الحقيقي يبني مؤسسة أقوى منه، ويقبل بأن يخضع للقانون، ويعتبر نفسه مؤتمنًا على الناس لا مالكًا لهم. أما الزعيم الذي يحتاج دائمًا إلى أتباع يحتمون به ويحميهم، فإنه يصبح جزءًا من نظام تبعية متبادل: المواطن يحتاج إلى الزعيم للحصول على حقه، والزعيم يحتاج إلى المواطن لضمان نفوذه. وفي هذه العلاقة تختفي الدولة تدريجيًا، لأن المواطن يتعامل مع الأشخاص بدل المؤسسات.

إن لبنان لا يحتاج إلى إلغاء تنوعه، ولا إلى إلغاء الحياة السياسية، بل يحتاج إلى تحرير المواطن من الحاجة إلى الزعيم. يجب أن يحصل اللبناني على حقه من الدولة لأنه مواطن، وأن يجد الوظيفة لأنه كفوء، وأن يحصل على الخدمة لأنه يستحقها، وأن يلجأ إلى القضاء لأنه مستقل وقادر على حمايته. وعندما تصبح الدولة هي المرجعية الأولى والأخيرة، تتراجع الحاجة إلى الزعامات التي تعيش على الوساطة. عندها فقط ينتقل لبنان من منطق “مَن وراءك؟” إلى منطق “ماذا يقول القانون؟”.

  1. من فساد الأشخاص إلى فساد المنظومة

من السهل أن نضع قائمة بأسماء الفاسدين، لكن هذه المقاربة لا تكفي لفهم المشكلة اللبنانية. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من الفاسد؟ بل: كيف استطاع أن يستمر؟ ومن الذي سمح له بالبقاء؟ وكيف تمكن من حماية نفسه؟ ولماذا فشلت المؤسسات في ردعه؟ عندما يصبح الفساد قادرًا على الاستمرار رغم انكشافه، فهذا يعني أننا لم نعد أمام فساد فردي، بل أمام منظومة تسمح بإعادة إنتاج الفساد مهما تغيرت الوجوه.

في الدولة القوية، يمكن أن يصل شخص سيئ إلى موقع عام، لكن المؤسسات تمنعه من تحويل فساده إلى نظام دائم. أما عندما تكون الرقابة ضعيفة، والمحاسبة انتقائية، والشفافية محدودة، والقضاء عرضة للتدخلات، فإن الفاسد يبدأ ببناء شبكة حماية حول نفسه. يصبح له نفوذ سياسي، وعلاقات اقتصادية، وحلفاء، وأحيانًا أدوات إعلامية قادرة على الدفاع عنه أو تحويل الأنظار عن أفعاله. وهنا يصبح القضاء على شخص واحد غير كافٍ، لأن المشكلة الحقيقية موجودة في البيئة التي سمحت له بالتمدد.

وقد أظهرت التقارير الدولية الحديثة المتعلقة بلبنان أن أزمة الحوكمة والفساد ترتبط بضعف المؤسسات وسيادة القانون وأطر الرقابة، وهو ما يجعل الإصلاح المؤسسي جزءًا أساسيًا من طريق التعافي. وهذا يعني أن لبنان لا يحتاج إلى حملات موسمية ضد الفساد، بل إلى نظام يجعل الفساد مكلفًا والخروج على القانون خطرًا حقيقيًا على صاحبه. فالمسؤول الذي يعرف أن القانون سيلاحقه مهما كان منصبه سيكون أكثر حرصًا من المسؤول الذي يعتقد أن لديه ما يكفي من الحماية السياسية.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد فاسد واحد، بل ضد الثقافة التي تسمح للفاسد أن يصبح أقوى من المؤسسة. يجب أن يكون القضاء قادرًا على الوصول إلى الجميع، وأن تكون أجهزة الرقابة مستقلة وفعالة، وأن تكون المعلومات المالية والإدارية متاحة، وأن يخضع المال العام للتدقيق، وأن تكون المحاسبة واحدة للجميع. فالدولة التي تعاقب الموظف الصغير وتترك صاحب النفوذ الكبير لا تبني عدالة، بل تعلم الناس أن القانون ضعيف أمام القوة. وعندما يصبح القانون قويًا على الجميع، يبدأ عهد الأوباش بالانحسار.

  1. عندما يصبح الولاء أعلى من الكفاءة

لا يمكن لدولة أن تنهض إذا كان معيار التعيين فيها هو الولاء السياسي بدل الكفاءة المهنية. فالمؤسسات تحتاج إلى أشخاص يعرفون عملهم، ويمتلكون الخبرة، ويستطيعون اتخاذ القرار، ويتحملون المسؤولية. لكن عندما تتحول الوظيفة العامة إلى مكافأة سياسية، تصبح الدولة مليئة بأشخاص يدينون بمواقعهم لمن عيّنهم أكثر مما يدينون بالمسؤولية للمواطن الذي يدفع رواتبهم من المال العام.

وهنا تبدأ الكارثة الإدارية. الموظف الذي يعرف أن موقعه مرتبط بولائه السياسي قد يشعر أنه مطالب بإرضاء الجهة التي دعمته أكثر من التزامه بالقانون. ومع الوقت تتحول الإدارة إلى سلسلة من الولاءات، وتصبح بعض المؤسسات أسيرة التوازنات السياسية بدل أن تكون مؤسسات وطنية. وفي هذه البيئة، قد يشعر صاحب الكفاءة أن الطريق أمامه مسدود، بينما يستطيع صاحب الواسطة أن يتقدم عليه. وهذه الرسالة مدمرة خصوصًا للشباب، لأنها تقول لهم إن النجاح لا يحتاج إلى علم واجتهاد بقدر ما يحتاج إلى علاقة نافذة.

ولذلك فإن هجرة الكفاءات اللبنانية ليست فقط نتيجة البحث عن رواتب أفضل، بل قد تكون أيضًا نتيجة البحث عن بيئة تكافئ الإنسان على قدرته. اللبناني الذي يجد أن شهادته وخبرته لا تكفيان للحصول على فرصة عادلة قد يقرر أن يبحث عن مستقبله في بلد آخر. وهكذا يخسر لبنان مرتين: يخسر المال الذي أنفقه المجتمع على تعليم أبنائه، ويخسر الطاقة البشرية التي كان يمكن أن تساهم في بناء مؤسساته واقتصاده.

إن إصلاح الإدارة اللبنانية يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار إلى الجدارة. يجب أن تكون الوظيفة العامة نتيجة مسابقة عادلة، وأن يكون التعيين قائمًا على الاختصاص، وأن تُقاس نتائج الموظفين والمسؤولين وفق معايير واضحة. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية “هذا محسوب على فلان“، ولا يمكن إدارة مؤسسات معقدة بمنطق “هذا من جماعتنا“. الدولة التي تختار الأكفأ تبني نفسها، أما الدولة التي تختار الأكثر ولاءً فتستهلك نفسها من الداخل.

  1. الإعلام حين يصبح حارسًا للفاسد بدل أن يكون رقيبًا عليه

الإعلام في أي دولة ديمقراطية ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو إحدى أهم أدوات الرقابة على السلطة. فحين يكون الإعلام حرًا ومهنيًا، يستطيع أن يكشف الفساد، وأن يسأل المسؤول عن قراراته، وأن يضع المعلومات أمام الرأي العام. لكن عندما يتحول الإعلام إلى امتداد للمصالح السياسية، يصبح المواطن أمام روايات متناقضة، وقد يصبح من الصعب عليه معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الدعاية.

في لبنان، يمكن للمواطن أن يشاهد القضية نفسها تُقدَّم أحيانًا بصورة مختلفة جذريًا بحسب الوسيلة الإعلامية التي يتابعها. وقد يكون السبب في ذلك الانتماء السياسي أو مصادر التمويل أو طبيعة الجمهور المستهدف. المشكلة ليست في وجود اختلاف سياسي في الإعلام، فالاختلاف طبيعي، وإنما في أن يتحول الخبر نفسه إلى مادة لإعادة تشكيل الوعي بدل نقل الوقائع. وعندما تصبح الدعاية أقوى من الحقيقة، يستطيع السياسي الفاشل أن يظهر بمظهر المنقذ، ويستطيع الفاسد أن يقدم نفسه ضحية، ويستطيع المعتدي أن يظهر في صورة المدافع.

والإعلام الذي يحمي السلطة من الأسئلة يتحول من سلطة رابعة إلى حصن إضافي للسلطة. وحين تُستخدم الطائفية والخوف والتخوين لإسكات النقد، يصبح المواطن عاجزًا عن ممارسة حقه في المساءلة. لذلك يحتاج لبنان إلى صحافة استقصائية قوية، وإلى صحفيين قادرين على تتبع المال العام وتضارب المصالح والصفقات والقرارات، وإلى مؤسسات إعلامية تحافظ على استقلال مهني حقيقي.

فالمعركة على الحقيقة هي جزء من المعركة على الدولة. وإذا كان السياسي يملك السلطة، ورجل الأعمال يملك المال، والزعيم يملك شبكة النفوذ، فإن المواطن لا يبقى له إلا الحقيقة والمعرفة والقدرة على السؤال. ولهذا فإن الإعلام المهني ليس عدوًا للدولة، بل أحد أهم حماة الدولة. الإعلام الذي ينتقد الفساد لا يهدم الوطن، بل يحاول إنقاذه؛ أما الإعلام الذي يبرر الفساد ويحوّل كل مساءلة إلى مؤامرة، فإنه يساعد على استمرار المشكلة. وفي لبنان، لا يمكن أن تنتصر الدولة إذا بقيت الحقيقة رهينة لمن يملك المنبر الأقوى.

  1. لماذا يستمر الأوباش في الحكم؟

السؤال الأصعب ليس كيف يصل الأوباش إلى السلطة، بل كيف يبقون فيها. فالوصول قد يكون نتيجة ظرف سياسي أو انتخابي، لكن الاستمرار يحتاج إلى منظومة من المصالح والخوف والتبعية والقدرة على إعادة إنتاج الولاءات. وفي المجتمعات التي تضعف فيها المؤسسات، يستطيع السياسي أن يبني حول نفسه شبكة من العلاقات تجعل خروجه من السلطة مكلفًا على كثير من المستفيدين منه.

في لبنان، تلعب الزبائنية السياسية دورًا خطيرًا عندما يصبح المواطن محتاجًا إلى السياسي للحصول على خدمة أو وظيفة أو مساعدة. فالإنسان الذي يشعر أن مستقبله مرتبط بشخص سياسي قد يجد نفسه مضطرًا إلى التصويت له والدفاع عنه حتى عندما يعرف أنه أخطأ. وهكذا تتحول الحاجة إلى ولاء، ويتحول الولاء إلى أصوات، وتتحول الأصوات إلى سلطة، وتتحول السلطة مرة أخرى إلى خدمات ومنافع، فتكتمل دائرة الزبائنية.

لكن المسؤولية ليست على السياسي وحده. فالمجتمع الذي يطالب بالقانون عندما يكون الفاسد خصمه، ثم يبحث عن واسطة عندما يكون الفاسد حليفه، يساهم في استمرار المشكلة. لا يمكن بناء دولة إذا كان الفساد سيئًا عندما يمارسه الخصم ومقبولًا عندما يمارسه “الزعيم الذي نحبه“. ولا يمكن أن تكون هناك عدالة حقيقية إذا كان المواطن يريدها على مقاس انتمائه السياسي.

لذلك فإن تحرير لبنان يبدأ بتحرير الوعي السياسي. يجب أن يتعلم المواطن أن صوته ليس مقابل خدمة، وأن الانتخاب ليس مناسبة لتجديد الولاء، وأن المسؤول يجب أن يخشى خسارة ثقة الناس. الديمقراطية الحقيقية ليست أن ينتخب المواطن فقط، بل أن يستطيع محاسبة من انتخبه. وعندما يصبح الناخب قادرًا على إسقاط الفاشل، ومكافأة الكفوء، ورفض حماية الفاسد، تبدأ المنظومة القديمة بالتراجع. فالأوباش لا يعيشون على قوتهم فقط؛ إنهم يعيشون أيضًا على الخوف والانقسام والصمت.

  1. لبنان لا يحتاج إلى تبديل الوجوه فقط

قد تتغير الحكومات والوزارات والتحالفات والأسماء، لكن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير النظام الذي أنتج الفشل. فقد يأتي شخص جديد إلى السلطة، ثم يجد نفسه أمام القواعد نفسها، وشبكات النفوذ نفسها، وآليات المحاصصة نفسها، فيتحول بعد فترة إلى جزء من المنظومة التي كان ينتقدها. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يتجاوز الأشخاص إلى إعادة بناء طريقة إدارة الدولة.

لبنان يحتاج إلى مؤسسات تستطيع الاستمرار بغض النظر عمن يحتل المنصب السياسي. الوزير يجب أن يكون مسؤولًا عن السياسة العامة، لكن الإدارة يجب أن تستمر وفق القوانين والمعايير المهنية. كما يجب أن تصبح الموازنة أكثر شفافية، وأن يعرف المواطن أين تذهب الأموال العامة، وأن تكون التعيينات خاضعة لمعايير الكفاءة، وأن تكون أجهزة الرقابة قادرة على التدقيق والمساءلة دون تدخل سياسي.

والسياسة الحديثة لا ينبغي أن تُقاس بعدد التصريحات والمؤتمرات والخطب، بل بالنتائج. إذا وعد المسؤول بإصلاح قطاع معين، يجب أن تكون هناك أهداف محددة وجدول زمني ومؤشرات أداء يمكن للمواطن أن يحاسبه عليها. وإذا فشل، يجب أن تكون هناك نتائج سياسية وقانونية واضحة. هذه هي الطريقة التي تتحول بها الديمقراطية من مهرجان انتخابي إلى آلية حقيقية للمحاسبة.

إن لبنان لا يحتاج إلى المزيد من إعادة تدوير الطبقة السياسية، بل إلى نظام يجعل الوصول إلى السلطة مرتبطًا بالبرنامج والكفاءة والمحاسبة. فالوجوه قد تتغير، لكن إذا بقيت الثقافة نفسها، سيأتي أوباش جدد إلى المقاعد نفسها. أما إذا تغيرت القواعد، وأصبحت المؤسسات أقوى من الأشخاص، فإن حتى السياسي السيئ سيجد نفسه مضطرًا إلى احترام حدود القانون. ولذلك فإن الهدف ليس فقط إخراج الأوباش من السلطة، بل منع منظومة كاملة من إنتاج أوباش جدد.

  1. من حكم الأوباش إلى دولة المؤسسات

الخروج من هذا الواقع ممكن، لكنه يحتاج إلى قرار تاريخي بأن لبنان لن يبقى رهينة للأشخاص. البداية تكون بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. الدولة ليست زعيمًا، وليست حزبًا، وليست طائفة، وليست ميليشيا، وليست مجموعة من المصالح الخاصة. الدولة هي المؤسسات والقانون والمواطنة والحقوق والواجبات. وكل من يصل إلى السلطة يجب أن يعرف أنه مؤتمن على هذه الدولة وليس مالكًا لها.

ويجب أن يصبح القضاء أحد أعمدة هذا التحول. فلا دولة بلا قضاء قادر على محاسبة القوي قبل الضعيف، ولا إصلاح بلا رقابة تستطيع كشف المخالفات، ولا اقتصاد بلا قواعد واضحة تحمي المال العام والمستثمر والمواطن. كما يجب أن تتحول الإدارة من ساحة للمحاصصة إلى جهاز مهني يعتمد الكفاءة والخبرة والجدارة. وعندما يعرف الموظف أن مستقبله المهني مرتبط بعمله لا بولائه، تبدأ الدولة باستعادة قدرتها على الإنجاز.

لكن الإصلاح المؤسساتي وحده لا يكفي إذا لم يتغير الوعي الشعبي. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن قوي، والمواطن القوي هو الذي يرفض أن يكون تابعًا. عليه أن يرفض بيع صوته، وأن يرفض الدفاع عن الفاسد لأنه من جماعته، وأن يسأل عن النتائج بدل الشعارات، وأن يطالب بحقه دون خوف. وعندما يصبح المواطن قادرًا على محاسبة السياسي، يفقد السياسي جزءًا كبيرًا من قدرته على تحويل المواطن إلى تابع.

وفي النهاية، فإن معركة لبنان ليست معركة ضد أشخاص بعينهم، بل ضد منطق يجعل الأشخاص فوق المؤسسات. فإذا أصبح القانون أقوى من الزعيم، والكفاءة أقوى من الواسطة، والمواطنة أقوى من التبعية، والقضاء أقوى من النفوذ، والإعلام أقوى من الدعاية، والانتخاب أقوى من شراء الولاءات، عندها يبدأ لبنان بالخروج من زمن حكم الأوباش. فالوطن لا ينقذه زعيم جديد بقدر ما تنقذه مؤسسات لا يستطيع أي زعيم أن يبتلعها.

  1. الخاتمة

عندما يحكم الأوباش وطنًا، فإن أول ما ينهار ليس الحجر، بل المعيار؛ يسقط معيار الشرف، ثم معيار الكفاءة، ثم معيار المسؤولية، ثم يصبح الفساد وجهة نظر، والفشل بطولة، والواسطة حقًا مكتسبًا، والتبعية نوعًا من الوطنية. وعندما يصل الوطن إلى هذه المرحلة، يصبح إصلاحه أصعب بكثير من إصلاح اقتصاد أو إعادة بناء مؤسسة، لأن المطلوب يكون إعادة بناء الإنسان نفسه وثقته بالقانون.

لبنان لا تنقصه العقول، ولا تنقصه الخبرات، ولا تنقصه الطاقات، ولا تنقصه القدرة على النهوض. ما ينقصه هو نظام يجعل هذه الطاقات في خدمة الدولة بدل أن يجعل الدولة في خدمة أصحاب النفوذ. ولذلك فإن الخلاص لن يأتي من تبديل الوجوه وحده، بل من تغيير القواعد التي تسمح للرديء بأن يتقدم على الكفوء، وللفاسد بأن يسبق النزيه، وللتابع بأن يتقدم على رجل الدولة.

لقد آن الأوان لكي ينتهي السؤال اللبناني القديم: “من وراءك؟” ويبدأ السؤال الذي تخشاه كل منظومة فاسدة: “ماذا فعلت؟”. آن الأوان لكي يصبح المسؤول مسؤولًا أمام الناس والقانون، لا أمام الزعيم الذي أوصله إلى الكرسي. آن الأوان لكي يصبح المواطن مواطنًا كامل الحقوق، لا تابعًا ينتظر خدمة من هذا أو حماية من ذاك.

فالأوباش قد يحتلون الكراسي، لكنهم لا يملكون الوطن. وقد يؤخرون العدالة، لكنهم لا يلغون الحقيقة. وقد يسرقون سنوات من عمر لبنان، لكنهم لا يستطيعون سرقة حق اللبنانيين في دولة محترمة. وقد يرفعون ألف شعار عن الوطن، لكن التاريخ لن يسألهم ماذا قالوا عن أنفسهم، بل ماذا فعلوا بوطنهم. وفي اليوم الذي يقرر فيه اللبناني أن ولاءه الأول للدولة، وأن صوته ليس للبيع، وأن طائفته ليست درعًا للفاسد، وأن القانون لا يتغير بحسب اسم المتهم، ستبدأ المنظومة القديمة بالسقوط.

فالوطن الذي يحكمه الأوباش لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ؛ يحتاج إلى وعي. ولا يحتاج إلى زعيم يخلّصه؛ يحتاج إلى مواطن يرفض أن يكون عبدًا لزعيم. ولا يحتاج إلى معجزة؛ يحتاج إلى دولة. وعندها فقط، لن يكون السؤال: متى يسقط الأوباش؟ بل سيكون السؤال: كيف سمحنا لهم أصلًا أن يحكموا؟

أخبار ذات صلة

بحث

15/09/2026

...

الشاعر العراقي احمد مطريطالب بسقوط الوطنإذا لم يكن بابنائه كريما..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:ثورتنا في لبنانعلى من دمّر الدولة...
بحث

الشاعر العراقي احمد مطر
يطالب بسقوط الوطن
إذا لم يكن بابنائه كريما..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
ثورتنا في لبنان
على من دمّر الدولة...

02/09/2026

...

بحث

31/08/2026

...

بحث

28/08/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups