د. غالب خلايلي
ها قد انتصف نيسان 2026 في الإمارات والجوّ من ألطف ما يكون. لم أعهدْ مثل هذا الجو الساحر في الأعوام الثمانية والثلاثين الماضية، أعوام إقامتي في البلد الكريم. هذا أمر استثنائي تماماً، فالعادة أن ينتصف آذار لتغيب النسماتُ الخليجية اللطيفة، ويبدأ استخدام المكيّفات (ربما قبل ذلك بكثير عند نفرٍ من الناس)، حتى إذا ما انتصف نيسان انفتحت بوابات الحرّ على مصاريعها، والمكيّفات على أعلى مصاريفها، ولا يدرك معنى ما أقول سوى من جرّب.
جو معتدل فريد في العين ودبي:
مع هذا اللطف الإلهيّ اجتمعنا أوائل نيسان في حديقة (مبزرة) في منطقة العين الفايضة، الإنجاز المبهر (على مساحة 3.3 كم مربع) الذي حوّل رمل الصحراء الجرداء قبل ثلاثة عقود إلى واحةٍ غناء يجتمع فيها الناس من كل حَدَب وصوب، في منظر فتّان يجمع بين السهل المنبسط الأخضر، والجبل الشاهق الشامخ (جبل حفيت).
ومع استمرار اللطف هذا فكّرنا بلقاء الأحباب في حديقة (الممزر) في دبي بحذاء بحر الخليج، نجتمع أهل العين وأبو ظبي والشارقة بعد طول غياب في زحمة الأخبار، يوم الجمعة السابع عشر من نيسان 2026، الذي هو بالصدفة البحتة يوم مميّز رحل فيه آخر جندي فرنسي عن التراب السوري عام 1946.
لو كان نيسان هذا كسابقاته لتردّدنا كثيراً في مثل هذه الرحلة البرّية، خاصّة أنني شخصياً لست من النوع الذي يبترد بماء البحر سباحةً، وإن عشق نسماتِه المنعشةَ وصوت موجه الهادر.
انطلقنا من العين بعد الظهر بقليل، يرعانا غوغل بخرائطه رغم معرفتنا الطويلة بدبي والإمارات، فمع تطورها اللافت في العقود الماضية، بات حتى على أمهر السائقين وأفضلهم ذاكرةً طلب عون العم غوغل، وقبل ذلك الرجاء من الرحمن بعدم الضياع.
الحرارة في الطريق لا تتجاوز 25 مئوية، وقوافل الذاهبين إلى دبي معقولة، منها شاحنات محمّلة بسياراتٍ جديدة وغير بضائع آتية من عمان، حتى إذا ما وصلنا منطقة بوابة الممزر بعد نحو ساعة ونصف من انطلاقنا، فوجئنا بالمسرب الأيمن من الطريق ملآن عن بكرة أبيه بالسيارات، بطول يزيد عن كيلو متر، فيما المسرب الأيسر فارغٌ تماماً. أليس من الحكمة إذن أن نختار المسرب الثاني؟
لا “للاستهبال”.. وشرطة دبي حاضرة:
وهكذا كان، اتجهنا إلى المسرب الأيسر الفارغ تماماً، لنفاجأ -بسبب جهلنا- أنّ في ختام الطريق بوابةً لا تسمح بسوى الدخول من المسرب الأيمن. ماذا نفعل؟ أ (نطيلسها) و(نستهبل) كما يقول بعض أخوتنا، فنزجّ الدولاب الأيمن للسيارة عنوةً في آخر نقطة عبور؟ أم نتابع المسير إلى مكان اصطفاف بعيد، يجعلنا نمشي نحو نصف ساعة في الحديقة واسعة الأرجاء محملين بالعتاد حتى نصل إلى مبتغانا؟
أكذب إذا قلت إنني لم أحاول، من بعض يأس، ولكن كلّ أهل الصف الأيمن كانوا جدّ حازمين في التعامل معنا فلم يفسحوا لنا أدنى سنتيمتر من الطريق، بل زاحمونا مزاحمة دمشقية أو بيروتية مدهشة (أو عدّدْ ما شئتَ من بلدان الزحمة بلا رحمة)، فكان أن استحيتُ من نفسي بعد محاولةٍ لطيفة مني (وما أنا أصلاً بالسائق العنيف، كيلا أقول الوقح)، وتابعت المسير حتى وجدت طريقاً أعود به إلى المسرب الأيمن وأصف بالدور، منتظراً الفرج وهو بطيء، وعذري أن الكلّ مثلي، ولو أن سيارة بيضاء عاليةً أمامي أثارت بصلفها حنقي عندما اقتحمت الدور بالقوة وقد استشعرت ليونتي، ثم أتت أخرى “تستهبل”، فإذا بسيارة الشرطة تنبع في الجهة المقابلة وتربض عند المستديرة تحذّر بصافرتها كل من يحاول الاقتحام، فتعيد الهدوء إلى نفوس المنتظرين.
دخول منظم للسيارة بثلاثين درهماً ووقت ممتع في الحديقة:
ها نحن أولئك أخيراً في الشارع الداخلي الذي يتفرّع بعد نحو مئتي متر منه إلى مسربين ببوابتي دخول إلكترونيتين. تتناول الموظفة الإفريقية الأنيقة بطاقتك البنكية، وتعيدها إليك بعد ثوان مرفقةً بالترحيب والوصل (وقيمته 30 درهماً للسيارة) الذي يتيح لك الدخول مع ارتفاع الحاجز تلقائياً لكل سيارة.
وفي حديقة الممزر العامرة متعدّدة الأقسام والأرجاء (والتي بدئ بإنشائها 1990، على مِساحة 106 هكتار = 1.06 كم مربع) ترى أشكالاً وألواناً من الناس، يتوزّعون هنا وهناك حلقاتٍ وجماعات، بعضهم يدبك على أغنية تراثية، وآخرون يحضرون أنفسهم للسباحة، فيما يصعد الدخان من مناقل الفحم المنتشرة، فتشعر كأنك في حفل شواء جماعي لا نهائي.
تنظر إلى البعيد فترى دبي بأبنيتها السامقة التي تكاد لا تعدّ من كل الجهات.
ها قد اقتربنا من المكان الرملي الذي اتفقنا عليه، وهوالأقرب إلى جزء من الشاطئ، ووجدنا مكاناً لركن السيارة بين جمع غفير من السيارات، وما لبث أن اجتمع كامل فريقنا خلال ربع ساعة، نستمتع باللقاء بعد طول غياب، في جو لا أحلى ولا أجمل اضطررتُ فيه بعد وقتٍ إلى لبس كنزة احتياطية ولفحة صوفية مرافقة، وأنا نادراً ما أفعل ذلك، ورحنا نتناول أطراف الحديث بين شاي وقهوة وطعام، لنبقى حتى العاشرة والنصف ليلاً، حيث بدأت الصافرات تؤذن بضرورة المغادرة، لكن ليس قبل الدخول إلى الحمّام الذي يشع نظافة طيلة الوقت، وبغير إتاوات.
ما سبب هذا البرد الاستثنائي (بين نينا ونينو)؟
في خبر نشر قبل عام (أي في 2025) جاء فيه أن الإمارات سجّلت أعلى درجات الحرارة لشهر نيسان/أبريل منذ أكثر من عشرين عاماً، وبلغ متوسط الحرارة القصوى اليومية 42.6 مئوية. ويُحطّم هذا درجة الحرارة القصوى للشهر نفسه من عام 2017 والذي بلغ 42.2 مئوية (1).
عام 2026 جاء -كما أشرت- مختلفاً بكل المقاييس، حيث يشهد العالم كله امتداداً لأشهر البرد والمطر.
أما سبب البرد فهو انخفاض الحرارة عن معدلاتها في المحيط الهادي مسّبباً ظاهرة التبريد أو النينا La Niña (وتعني الفتاة الصغيرة أو الصبية بالإسبانية) والتي تؤثر على توزيع الأمطار والبرودة عالمياً، بسبب الرياح القوية التي تدفع المياه الدافئة بعيداً عن سواحل أمريكا الجنوبية (بيرو والأكوادور)، فتصعد مكانها المياه الباردة من الأعماق إلى السطح، ويرتفع الضغط الجوي شرقي المحيط الهادئ، فيما يتدنى الضغط غربيه مسبباً الاضطرابات القوية في حالة الطقس عالمياً (برد، وأمطار غزيرة وسيول جارفة)، وقد نالنا منها نصيب عظيم في الإمارات.
أما الظاهرة العكسية فهي (التسخين) النينو El Niño (ومعناها الولد أو الصبي بالإسبانية، أطلقها صيادو بيرو والأكوادور على الظاهرة المناخية التي تحدث كل بضع سنوات قريباً من عيد الميلاد) وفيها يحدث ارتفاع غير معتاد لحرارة سطح المياه في المحيط الهادئ مع ضعف الرياح، مما يسمح للمياه الحارة بالتجمع في سواحل أميركا الجنوبية بدلاً من تحركها نحو آسيا وأستراليا، مما يؤثر على الغلاف الجوي، وحدوث جفاف شديد في مناطق، وفيضانات في مناطق أخرى (2).
البعوض المغامر الغادر، والصيف القادم ساخن جداً..
أكتب إليكم من عيادتي الهادئة، وأنا أحكّ قدمي من جراء عضّات البعوض في المنزل، والذي لا بد أن ينتشر في هكذا أجواء، أنّى حاولت مكافحته، فهو مغامر غادر(3)، وأكتفي بما قدمت من شرح بسيط عن المناخ، إذ يمكن للمهتم أن يتعمّق في ذلك..
ولكنّني أشير في الختام إلى ما يتنبأ به خبراء المناخ عن الصيف القادم، إذ سيكون واحداً من أشدّ أربعة أعوام حرارةً منذ بدء السجلات المناخية عام 1850 م.
سبحانك يا ربي.. وكأن العالم لا يكفيه ما فيه.
دمتم بخير.
العين في 19/4/2026

























































