د. غالب خلايلي
بعد أن رحل أخي العزيز الباحث في التاريخ الدكتور إبراهيم خلايلي رحيلَه الفاجعَ المؤثرَ قبل عامٍ من اليوم (الرابع من شباط/ فبراير 2025) (1 و2)، رحتُ أفكّر كيف يمكن لي أن أحيي ذكراه، وأخلّد محبته في قلبي وقلوب أهله ومحبيه، فما رأيت خيراً من متابعة مشواره الثقافي التاريخي، وتحقيق بعض حلمه الذي لم يتحقّق في الحياة.
ولا يظنّن أحدٌ أن ذلك الحلم سهل، فتَرِكتُه من الأبحاث والكتب غنية وثقيلة وتحتاج إلى وقت، كما تحتاج إلى تدقيق وتمحيص، بسبب بُعد الاختصاص، ولما كنّا مثل فقيدنا أبناء عائلة مثابرة، وأبناء وطن لا يعرف المستحيل، قرّرنا الشروع بطباعة أوّل عملٍ يمكن أن يرفع رأس العائلة كلها ألا وهو رسالة الدكتوراة الجاهزة في نسختين مطبوعتين ما بقي غيرهما في مكتبة العائلة: (الحياة المدنية والدينية في المدينة الكنعانية الفينيقية في ضوء العهد القديم والحوليات الآشورية)، وهكذا أمسكت بواحدة عاضّاً عليها بالنواجذ، تاركاً الأخرى بالحفظ والصون في مكتبة الوالد، ورعاية ابنة أخي الكبيرة لارا، التي لمستُ منها نضجاً وحبّاً غير مسبوق لوالدها، ومن أكثر منها ابنته الأولى (برعاية والدتها طبعاً)، ومني أخيه الأكبر وعاشق الكتب والتراث، والكاتب الذي يقدّر قيمة كل كلمة، حرصاً على تراث ثمين لو فقدناه لفقدنا جزءاً لا يعوض من تأريخنا بل من أرواحنا؟
وكان أن سلّمتُ النسخة الثقيلة معنىً ومبنىً (ستمئة صفحة) إلى يد أمينة هي الأخرى، يد الأخت المهندسة عفراء هدبا صاحبة دار دلمون الجديدة للطباعة والنشر في دمشق، والتي حلّت محل فقيدنا الغالي فؤاد اليازجي (توفي 2020) في مطبعته المتواضعة، وكان أخي إبراهيم قد فاتحها قبل وفاته بفكرة الطباعة، لكن القدر لم يمهله.
وكم كانت الأخت عفراء كريمة بتعاونها ومحبتها إذ قالت: سوف أصفّ أحرفَها بيدي، حرصاً على كل حرفٍ فيها، كما سوف أسهم بتكاليفها. أريحية ما بعدها أريحية. وهنا قد يظن القارئ العزيز أن المسألة سهلة، لأخبره أن أياً من توقعاته لن تصيب، فالكتاب كبير جداً، وفيه معلومات تاريخية معقّدة بلغات مختلفة، منها الآرامية والعبرية والإنجليزية والفرنسية ناهيك عن العربية، وأنا إلى الآن، بعد أشهر من صدور الكتاب، متعجّب كيف استطاعت عفراء إنجاز الكتاب بدقة أقرب إلى المثالية، وفي وقت قياسي، ترسله لي جزءاً بعد جزء، وأنا مسافرٌ في الصيف إلى ابنتي ريم التي أنجزت الغلاف، فأغرق في تفاصيله حتى أنتهي، لأعيده إليها بعد تصحيحات بسيطة.

***
هذا بعض من أجواء إصدار الكتاب، الشيء المحبّب إلى قلبي. أما الكتاب النفيس نفسه، فيحتاج إلى غير قراءة واعية له، إذ إن قراءة واحدة لا تكفي. وهنا أقتطف فقراتٍ من مقدمة الكتاب لإعطاء فكرة.
يتضمن مصطلح كنعاني فينيقي الإشارة إلى حقبة زمنية تلت عام 1200 ق. م وأطلق فيها اسم الفينيقيين على الكنعانيين من سكان السواحل خاصة.
ويستقي موضوع الحياة المدنية والدينية في المدينة الكنعانية الفينيقية معلوماته- بشكل مباشر- من مصدرين مختلفين هما: العهد القديم، والحوليات الآشورية.
أما “المدينة الكنعانية الفينيقية” فهي اصطلاح يختزل مجموعة المدن المذكورة في المصدرين السابقين، نظراً للروابط المشتركة التي تجمع بين تلك المدن، فدراستها مجتمعةً، محاولةٌ لإعطاء فكرة شاملة عن المدينة بشكل عام، ولا يكتب لهذه المحاولة النجاح إلا بجمع هذه المدن وترتيبها وضبط المعلومات المتعلقة بها- بتفاصيلها- وخاصة في ضوء العهد القديم الذي نعثر فيه على مفاتيح مدينةٍ ضمن أسوار مدينة أخرى، الأمر الذي يعكس صعوبة البحث عن المدينة في ضوء العهد القديم، وقد تبدو هذه المهمة أسهل في ضوء الحوليات الآشورية، فنلاحظ أن “المدينة الكنعانية الفينيقية” جزء من الشرق الأدنى القديم الذي عصفت به- منذ نهاية القرن الثاني عشر ق. م- أحداث كبرى دَوّن قسماً منها الساطرون الآشوريون، وروى بعضها كتّاب العهد القديم وصولاً إلى النصف الثاني من القرن السادس ق. م الذي تربّع فيه الفرس على عروش ممالك المنطقة.
يتضمن الفصل الأول من الحياة المدنية مقدّمة تمهد لدراسة خمسين مدينة كنعانية فينيقية، ولكن لا يعني ذلك أن المدن الخمسين هي كل المدن المذكورة في العهد القديم، إلا أنّ ما توفر من معلومات عنها يمكّن من تكوين صورة عن الحياة المدنية، ويزيد من وضوح هذه الصورة وجود مدن كنعانية فينيقية أخرى ارتبط الحديث عنها بالحديث عن مدن أخرى أو بفصول أخرى من الأطروحة، فعمدنا إلى عدم إدراجها في قائمة المدن الخمسين تحاشياً للتكرار وتلبيةً لبعض عناصر الموضوع.
وقد حرصنا على حوصلة هذا الفصل بفرز عناصر الحياة المدنية كما تبدو من خلال دراسة المدن. وحاولنا التوصل إلى استنتاجات ونتائج لعل من أهمها معرفة أصول سكان “أرض كنعان” وهوياتهم. فكان على المدن الكنعانية الفينيقية في ضوء العهد القديم أن تجيب على العديد من الأسئلة الصعبة، وتكشف الغموض المستمر منذ أكثر من قرن حول بعض المسائل الشائكة في تاريخ الكنعانيين ومنطقة الشرق الأدنى كلها.
أما الفصل الثاني من الحياة المدنية فقد أفردناه لدراسة حوليات عشرة ملوك آشوريين في الحقبة الواقعة بين عامي (1115-626 ق.م)، وعمدنا في هذه الدراسة إلى جمع كل نصوص الحوليات المتعلقة بحملات الملوك المذكورين إلى منطقة الساحل الكنعاني الفينيقي وأرض كنعان، وذلك بعد مقدمة خاصة بـ “آشور” والآشوريين تبين تطلّع الامبراطورية الآشورية الفتية للتدخل في المنطقة.
أما الجزء الثاني من الأطروحة فقد أفردناه للحديث عن الحياة الدينية في المدينة في ضوء العهد القديم، وقسمناه إلى أربعة فصول: الأول منها يخص آلهة الكنعانيين الفينيقيين في ضوء العهد القديم، وقد بلغ عددهم ثمانية. واعتقادنا أن ما وقفنا عليه في أسفار العهد القديم من معطيات قد يغير وجهة نظر الكثير من الباحثين في الديانة الكنعانية الفينيقية، ولا سبيل إلى التعرف إلى الآلهة الثمانية وإلى تفاصيل عبادتهم إلا بالتفتيش الدقيق لسطور العهد القديم في لغته العبرية الأصلية.
أما الفصل الثاني من الحياة الدينية فقد خصصناه لدراسة العمارة الدينية والفضاءات المقدسة في المدينة الكنعانية وتحديداً “معبد القدس”. ولأن الفينيقيين هم الذين بنوه – حسب العهد القديم- ففيه يتمرأى المعبد الكنعاني الفينيقي بدءاً من مخطط بنائه وهندسته المعمارية وانتهاءً بمكوناته ومحتوياته التي ضمّت بعض أدوات إقامة الشعائر وممارسة الطقوس. وقد ركزنا في دراسته على “المعبد” و”المعبود” و”العابد”. فتبين أن الثلاثة من أصل واحد هو الأصل الكنعاني.
إن “معبد القدس” وهو أحد فصول الحياة الدينية في الأطروحة، سيجيب على هذا التساؤل، بالرغم من أنه لا أثر لهذا المعبد الآن، وربما لم يكن موجوداً على الإطلاق.
وأخيراً خصصنا فصلين لدراسة ظواهر “الكهانة والتنبؤ والعرافة” في المدينة الكنعانية الفينيقية، ودراسة “التماثيل” -على اختلاف أنواعها- كجزء من أدوات العبادة التي أشرنا إلى القسم الأكبر منها في دراسة الآلهة لارتباطها بالموضوع.
هذا غيض من فيض مما جاء في الكتاب الغني، بحلته الجديدة، نرجو أن يستفيد الباحثون والمهتمون بالتاريخ منه، كما نرجو لروح أخينا إبراهيم السلام والراحة الأبدية.
العين 7 شباط/ فبراير 2026
هوامش: (1 و2):
https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-death-brother
https://taminwamasaref.com/dr-ghaleb-khalayli-brother-ibrahim/
























































