د. غالب خلايلي
أكتب إليكم في نهاية شهر كامل على وجودنا الذي عددته مثمراً في الشام. ألا يكفي أنها بلد المولد وملعب الطفولة، وبلد الدراسة حتى أعلى شهادة، وبلد الذكريات الجميلة، ناهيك عن أنها التاريخ؟
أحداث كثيرة ووقائع رويتها لكم مؤيدة بالصور، وهي تعطي القارئ “الحصيف” فكرة واقعية.
وكم كان بودي استضافة أولادي المغتربين، لولا أن عاقت بعضهم ارتباطاتهم الوظيفية والدراسية، وعاق مسلسل حرب الخليج قدوم ابنة لي وعائلتها من كندا، فهذا المسلسل الساخن يكاد لا يعرف أحدٌ (منّا بالطبع) نهايته، فيما يلمس كل شخص عواقبه المؤلمة لاسيما اقتصادياً، ومن ذلك اضطراب الأسواق وحركة الطيران، مما يجعل كثيرين عاجزين عن اتخاذ قرار، سواء أبالسفر، أم بالاستثمار، وهذان جدّ مؤذيَيْن للعباد والاقتصاد. ومع ذلك فإن عدد القادمين إلى الشام هذا العام، وصيفَه خاصة، خياليٌّ، تستطيع أن تخمّن بعض ذلك من زيارة مطاعمها التي عادت بعد طول غياب.

حج إلى المطاعم.. وأوركسترا فريدة..
جميل أن تجد مطاعم الشام وقد عادت إليها الحياة بعد مُوات.لكن صعوبة الوصول إلى أماكنها تفوق الخيال أيام العطل.هذا ما رأيته مساء الجمعة السابع عشر من تموز2026، حيث كان طريق مطار دمشق الدولي باتجاه مطاعم الغوطة غاصّاً بالسيارات، على الرغم من النشاط المحموم لشرطة المرور من أجل تسهيل الحركة في كل المفاصل.
ها قد وصلنا بعد نحو ساعة ونصف من مشوار لا يحتاج الى أكثر من نصف ساعة عادة، والعقبة الآن إيجاد مكان اصطفاف في زحمة خانقة، تم تدبيره بتسليم السيارة لجماعة (فاليه) المطعم مقابل أجر إضافي.
تسير الهوينا داخلاً، لتفاجأ بآلاف البشر في أجمل حالاتهم وأتم نضارتهم، ومئات الطاولات ممتلئة عن بكرة أبيها، فلا تجد موطئ قدم لمن لم يحجز من قبل. هل لذلك دلالة اقتصادية؟ ليس شرطا بالتأكيد، وإن ألفنا عند أكثر الناس كَنزاً دوام الشكوى والتذمّر، ثم تجدهم هنا وهناك.

حركة دائبة سريعة لعمال المطعم الذين يحملون أوعية الطعام بخفة واضحة، مثلما يحملون صواني القهوة والشاي. وفي هذا المشهد لا يمكن أن تخطئ عيناك حَمَلَةَ جمرِ الأراجيل المنتشرة بمعدل لا يقل عن اثنتين لكل طاولة، حتى يظن الناظر أن هناك ما سيخصّص منها للمواليد والرضع، علما أن الدخان المنطلق يكفي الجميع.. وما على رئتيك وأنفك سوى استقبال الأدخنة من كل حدب وصوب. ترى أيضا حركة نشطة جدا لـ (المعلمين) المنظمين الصارمين كحد الشفرة في ضبط إيقاع هذا الجمع المتطلّب جدا، من جمرات الأراجيل وأشكال القهوة، إلى الماء (بعبوات أصغر من المعتاد!!) والثلج ذي الطعم عندما يذوب، فأنواع الطعام، من عصر الجمعة إلى آخر الليل.. “أوركسترا مطعمية” يصعب إلا على الخبير الواثق تدبيرها.
والحال هذه، يخامرني سؤال دائم: ونحن نشهد أوركسترا المطاعم الكبيرة في بلادنا، هل نمتّع ناظرينا يوماً ما برؤية أوركسترا موسيقية راقية، أو أُخرى طبية متقدمة أو من أي نوع (رياضية، ثقافية، …)؟
أما عن الأسعار في هذه المطاعم فهي غالية مقارنة بالدخل العام، بل تكاد تفوق الدول المجاورة حتى من غير مقارنة. وكم تمنيت لو استطعت الدخول إلى المطبخ لأرى كيف يمكن تحقيق الشروط الصحية لطعام الآلاف المؤلفة من البشر، أو أعرف آراء كل من دخلوا في اليوم التالي، هل كنت وبعض مرافقي وحدنا من عانينا الغثيان (اللعية) بسبب دخان الأراجيل مثلا، أو حتى بعض الأعراض المعوية ؟

عادات قبيحة من الضرورة “قمعها”
أولا- وجود جباة من الرجال والنساء على أبواب الحمّامات، حالة تجمع بين ذل الاستجداء ومهانة الإجبار، إذ يحتفظون بالمحارم معهم، فلا ترى محرمة واحدة في حمّام أو مغسلة، مما يضطر كل داخل وخارج إلى العروج إليهم، وأمامهم صحن أو سلة فيها قطع نقدية. ما هذه التصرفات المشينة في بلد حضاري عريق؟ أعرف أن هناك من يفعلها في غير بلدان، بل إن الحمامات فيها لا تفتح دون دفع، لكن من العار أن نقتبس عادات كريهة. ثم أليست العناية بالحمامات جزءا من واجبات المطاعم؟ وفي صورة مقابلة، يوم دخلنا معرض الأجهزة الطبية قرب المطار رأيت بأم العين مسؤول المعرض الدولي يجبر عاملات الحمّام على تزويد الحمّامات بالمحارم، وكان صارماً في مراقبته وتنفيذه لما هو صحيح.
ثانيا- ضرورة منع التدخين والأرجلة، حتى في الأماكن المفتوحة، وإذا كان ولا بد، فلتخصص أماكن لغير المدخنين، (وأتوقع أنها ستكون بعد طول بحث وتفكير في بيوتهم!)، فالأراجيل في بلادنا صارت أهم الجاذبات إلى المطاعم، بل من أهم الموارد حتى للأطباء. ولكنني أصر على إفهام الناس أن التدخين ليس علامة أكابرية أو صحة أو نضج. التدخين في بلادنا مشكلة صحية واقتصادية كبرى، يجب التعامل معها بحزم.

ثالثا- صادفنا في الطريق سيارات يخرج الأطفال رؤوسهم من فتحاتها أو نوافذها، كما رأينا دراجات نارية تحمل كل منها عائلة كاملة، الأب والأم مع طفل أو أكثر، وهذه أمور فائقة الخطورة.
رابعا- نصادف في أرقى الأحياء سيارات شاحنة صغيرة تقلق الراحة بمكبرات الصوت: “اللي عندو بطاريات.. اللي عندو كيت وكيت للبيعا”.. وهكذا دواليك. هذا مظهر ملوث للبيئة السمعية، يجب منعه، خاصة أن وسائل التواصل فتحت أبواب جهنم على مصاريعها لكل بدعة، ومنها البيع والشراء.
خامسا- ومن باب أولى التأكيد على موضوع النفايات الممرضة الذي طرحناه في مقال ماض، والذي يستأهل حملات توعوية بين الجماهير ثم عقوبات للمخالفين درءا لأمراض نحن بغنى عن متاعبها وتكاليفها.

رحلة عبر التاريخ إلى دمشق القديمة
ما أجمل أن ترافق صديقا دمشقياً واعياً محباً لوطنه، عارفاً بأرضه وحارته القديمة، متمسّكاً بالقيم الجميلة التي ورثها عن أهله ومجتمعه.
هذا ما أسعدني برفقة الزميل الدكتور سليم الدبس، الذي قادني في رحلة إلى العمارة وشارع الملك فيصل والشاغور وقلعة دمشق، مساء الأحد 19 تموز (ليلة نهاية كأس العالم)، فكان أن تعرفنا إلى أماكن تاريخية مهمة، مثل باب السلام الواقع بين باب توما وباب الفراديس، وكما هو معروف فإن للسور الحامي للشام القديمة سبعة أبواب لدخول الناس وخروجهم (ومن هنا أتى تصنيف الدمشقي العتيق، أنه من داخل السور). ثم زرنا المكتبة الظاهرية، بجانب باب البريد قرب الجامع الأموي، والتي أنشأها السلطان المملوكي الظاهر بيبرس في عام 676 هـ (1277 م) لتكون جزءاً من المدرسة الظاهرية. وفي حرمها ضريح السلطان المذكور.
عندما رأيت قاعات المكتبة قفز قلبي من مكانه، وعدت بالذاكرة خمسين عاما أيام رافقت فيها والدي خليل رحمه الله حيث كان يعد كتابه المهم (تاريخ جسكالا) عن بلدتنا الجش في الجليل الأعلى، فكنت أنسخ له من أمهات الكتب ما يريد، إذ لم يكن التصوير وقتها معروفا.

وفي مقابل المكتبة تجد مبنى ضخما جميلا جدا من الداخل مثل معظم البيوت الشامية القديمة، وهو مبنى المدرسة العادلية الكبرى، التحفة المعمارية التي تعود إلى العهد الأيوبي، وتضم ضريح الملك العادل سيف الدين (شقيق صلاح الدين)، وتعد من أهم الصروح العلمية التي احتضنت الفقهاء. وقد كانت هذه المدرسة المقر الأول للمجمع العلمي العربي بدمشق 1919 في العهد الفيصلي (1918-1920) قبيل الاحتلال الفرنسي، والذي رأسه العلامة محمد كرد علي، وسمي لاحقا “مجمع اللغة العربية”، علما أنه ما تزال هناك بقايا مجلدات لم تنقل، وأن الحارس الذي استقبلنا مساء كان في غاية الود واللطف والتعاون.
بعد جولة ممتعة في تلك الأجواء، عدنا وكانت المحلات قد أغلقت أبوابها، فيما ظهرت – مع شديد الأسف- مخلفات كثيرة أمام معظم المحلات. يا حيف أهل ذلك التاريخ.
وفي الليل المتأخر كانت لي جولة في الشام مع زوجتي وأخيها، وكانت المقاهي – الكافتيريات الفاخرة محتشدة بنواعم الزبائن ومنعّميهم، لمتابعة المباراة النهائية مقابل نحو نصف مليون ليرة قديمة لكل شخص ( 30- 35 دولارا أو أكثر حسب المكان)، كما قيل لي ولم أتأكد منه، والمبلغ غير شامل الطلبات وأهمها الأراجيل. كان العم غوغل يخبرني بما يجري وأنا في الشارع، وقد أدهشني بالفعل أمران: أولهما رؤية عدة أمكنة خالية لسيارات، وثانيهما حارس ليلي شاب رأيته متحمسا جدا لفوز اسبانيا على الأرجنتين، ولما سألته عن السبب أخبرني أنه تصريح ميسي المسيء قبل أيام. حتى أنت يا ميسي؟!.

رحلة تاريخية جديدة صباح الإثنين
وابتسم الحظ باكرا صباح الإثنين، حيث وجدت رسالة مبكرة من الأخ الدكتور منقذ حقي الذي وصل للتو من أميركا، ولم ينل حظه من الراحة بما يكفي بعد رحلة طويلة، إذ كان في غاية الشوق للسلام على والديه في مقبرة باب الصغير.
اقترحت مرافقته فرحب بعد بعض تردد، إذ كان يرغب في أن يكون بمظهر أفضل عقب السفر، وكان أن مشيت الى بيته القريب، لنقطع شوارع الشام معا: جسر الحرية، شارع المتحف الوطني فالجامعة القديمة، فشارع خالد بن الوليد مرورا بمحطة الحجاز، ثم مرورا بالقنوات حتى جوار الحميدية وانتهاء بمقبرة باب الصغير.
قرأنا الفاتحة على أرواح الراحلين، ومنهم عدا والدي منقذ رحمهما الله، بعض أصدقاء والده ممن صادفناهم في الطريق، ومنهم الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدفون هناك.

وقبل خروجنا من المقبرة، لفت منقذ نظري إلى مئذنة عالية قريبة تحتضن بيتا في كنفها، وقربها سلم يستند إليها، ولخص لي فلسفة الحياة بذلك المنظر، من البيت فالمسجد، فأعالي السماء.
وفي طريق العودة، شرح لي عن البيوت العربية القديمة في منطقة القنوات (هي قنوات للري والسقاية والشرب قبل عهد مياه الفيجة)، وأراني بيت جده في زقاق قديم، ومحل شاورما شهير قيل إنه الأول في الشام، يقصده الداني والقاصي، وعندما اقتربنا من المتحف الحربي والتكية السليمانية رأينا أعمال صيانة بعدما حل فيهما من خراب، ثم أشار بحنين واضح إلى مكتب والده المرحوم الأستاذ إبراهيم حقي في الجامعة القديمة، أيمن الطابق الثاني، عندما كان رئيسا لقسم أمراض النساء والتوليد. أخبرني أنه كان مكتبا صغيرا، بطاولة وكرسي قديمين موروثين عن السلف، د. شوكت القنواتي، د. محمود برمدا، وبقي عليهما نحو ثلاثة عقود، لم يغيرهما من أجل الفخفخة، ولم يُضِع وقتا غاليا هو من حق مريضات يعالجن بالمجان، كان يزورهن للمتابعة ليلا، فيما تنتظره عائلته في السيارة خارج المستشفى، بحذاء نهر بانياس (أحد فروع بردى)، والذي كان أغزر وأنقى بكثير مما هو عليه اليوم.
في كل هذه الرحلة المبكرة نسبيا بين الأنهار والقنوات، لم أجد شربة ماء واحدة، وأنا الذي فقدت من السوائل ما يكفي، حتى وصلنا بيت الصديق، فشربت ما يكفيني للوصول إلى بيتي، ومن ثم استذكار العبر والدروس، ونقلها إليكم.
دمتم طيبين.
دمشق 21 تموز 2026


































































