قصص لا تُنسى ولو بعد عقود
د. غالب خلايلي
كثيراً ما يتباهى بعض الناس عندما يُذكَر أمامهم اسم طبيب مشهور بقولهم، ووجوهُهُم تطفح بِشراً: “دكتـــــورنا”. فهل هو حقيقةً “دكتورهم”؟
صيت غنى ولا صيت فقر، لكن ذلك ليس صحيحاً بالضرورة، خاصة بعد زيارة يتيمة لأمثال هؤلاء، حدثت مرّة خلال عقدين أو ثلاثة عقود، وأن “دكتورهم” لا يتذكّرهم بالمرّة.
حقاً إن الطبيب لا يمكن أن يتذكّر كلّ مرضاه لا سيما العابرون منهم، لكنه يعرف بالتأكيد مرضاه الملتزمين، مثلما يعرف أولادَه أو أكثرَ أحياناً، فستين أو سبعين أو مئة زيارة على مدى السنين تكفي أي طبيب كي يعرف كل أحوال الطفل وعائلته، الصحية والنفسية والاجتماعية والمادية، بل يمكن له أن يتنبأ بما سيكون عليه رجل المستقبل أو فتاته.
والحق يقال: يمكن الطبيب أن يتذكّر حالات نادرة لزيارات يتيمة، لما في تلك الحالات من فرادة وتميّز (تشوّه معيّن، مشكلة قلبية أو جراحية معقدة..)، ومن الوقت الطويل الذي قضاه مع أهل المريض في سبيل النصح والعلاج، وإن كانت الأخبار تنقطع بعد ذلك كما هو مألوف، كما يمكنه أن يتذكر بعض الحالات من خلال قصص اجتماعية وتصرّفات غريبة للأهل. وعلى سبيل المثال أتذكر قصة “سيدة” من بيئة متواضعة في بلاد الشام، أتتني قبل ربع قرن، وبعد انتهاء الدوام. كانت العيادة وقتها خالية إلا من مريضة مهمة بحق VIP كانت تنتظر دورها، وراحت تلك السيدة المتصنّعة جداً (بعد عمليات تجميل كثيرة) تتأفّف بشكل واضح من رائحة العيادة (إف!.. إف!.. شو هاد؟!)، علماً أن العيادة نظيفة بالفعل، وأنني من الأشخاص الذين يتحسّسون لأدنى رائحة غريبة فأفتح النوافذ والأبواب وأهوّي المنطقة. تلك السيدة لم تأتِ بعد ذلك مرة أخرى، لكنّني ما زلت أتذكرها، وهي تذكّرني -بمناسبة الرائحة- برجل من أحد بلاد الشام أيضاً، رقيق زيادة عن اللزوم، أتى بابنة صغيرة له تعاني انسداد الشرج الخلقي، فتم فتح القولون على جدار البطن (تفميم الكولون Colostomy)، بحيث تخرج الفضلات من تلك الفتحة في كيس خاص. بديهي أن ذلك يترك رائحة كريهة طول الوقت. كان ذلك الرجل متماهياً تماماً مع حالة ابنته، وصادف في الزيارة الثانية له أنه راح يبدّل لها كيس الفضلات، فانطلقت رائحة كريهة جداً، ولما لاحظ الأب تغير ملامح وجهي، وهذا أمر طبيعي جدا، أخذ ابنته ولم يعد مرة أخرى.
والعفو منكم قرائي الأعزاء، هذه حال بعض الأمراض والمرضى التي لا يمكن إلا أن تمر عيادة بها، أكتفي بما ذكرت، فالقصص المماثلة والأبشع أحياناً لا تنتهي.

أعود إلى موضوعي بسؤال: ما السرّ إذن في ذلك التباهي؟
إنه سر التباهي كله في الحياة، من مظهر ومركب ومسكن، فهناك أناس يعيشون على ذلك التباهي، يقتاتونه يوميا، ولو حقناً بالعضل أو الوريد، فلا يلبس الشاب مثلاً إلا كنزة مكتوباً عليها اسم مشهور، ولا حذاء رياضياً إلا كذلك، ولا تحمل السيدة حقيبة إلا من “ماركة” غالية، حتى ولو كانت تقليداً، علماً أن أمثال هؤلاء، وبعضهم غني بالفعل، لا يمكن أن ينفق ولو مبلغاً صغيرا على ثقافة أو تعليم أو منحة لمحتاج. في عز قوتهم وجبروتهم وتباهيهم كان أناس يشترون سيارات فارهة حديثة، فإذا برهط من أصدقائهم يشتري مثلها أو أغلى منها (كسر عظم)، وفي العام التالي يستبدلون بها السيارة الأحدث، وهكذا دواليك حتى تتغير الحال، ويكون المآل إلى سيارة تمشي بالكاد، أو حتى إلى المواصلات العامة.
في حديث لي مع صديق قديم يعمل محامياً، قال لي ذات مرّة: “الحاجة إلى الطبيب تكاد تكون معدومة، ربما مرة في العمر، بينما الحاجة إلى المحامي حاجة شبه دائمة”.
لا بد أن صديقي الطيب الغارق حتى أذنيه بالأوراق والمرافعات متأثّر بمهنته المليئة بالمشاكل، ولا يعرف بالتأكيد معنى طب الأطفال. إنه يقيس الأمور على ما اعتاد عليه، بحيث تصبح زيارة الطبيب أمراً غير ذي بال، أو كأنه عيد، السلوك الذي سوف أتناوله بعد قليل.
بين وقت وآخر أراجع ملفات مرضاي التي كادت تبلغ عشرين ألفاً في نحو ثلاثة عقود. أستطيع التأكيد بأن نسبة الذين أتوا مرة واحدة أو مرتين خلال أعوام طويلة أكثر من 95%، فيما نسبة ضئيلة بحدود 3% تراجع الطبيب خمس مرات إلى عشر خلال سنوات، أما النسبة الباقية 1-2% فهي من نصيب أولئك الملتزمين بمراجعة الطبيب منذ الولادة إلى البلوغ، وحتى ما بعد البلوغ أحياناً، فكم راجعتني صبايا وشبان وهم في الجامعة، وكانوا من مرضاي عبر زمن طويل، وأنا أتذكرهم وعائلاتهم حتى من غير ملفات.
إن نسبة من المرضى الملتزمين يتوقفون عن المراجعة عندما يبلغون، فهم يستحون من القدوم إلى عيادة أطفال، كما أن نسبة من العائلات التي تكاثر أولادها وكانت تأتي لأي سبب في وليدها الأول والثاني، صارت عندها خبرة واسعة، وراحت تشتري المضاد الحيوي وحدها، وقد تصفُه لجيرانها، على أساس أن جوهر الطب هو المضاد الحيوي!. قد ينجح المسعى في حالات، لكن المشكلة لا بد آتية في يوم ما، عندما لا تنجح قصة (صابت خابت). كما إن نسبة من المرضى تتوقف عن المراجعة عندما تتراجع الحالة المادية وتزداد الالتزامات، خاصة عند وجود خيارات أخرى مجانية تقدم كل شيء دون مقابل، وهكذا يستتب الأمر لسنة أو لسنوات، حتى تحدث مشكلة ما تجعل الناس يتذكرون طبيبهم الأول.

لا مشكلة في كل ذلك، فالدنيا أرزاق وقناعات، لكن مما يسوء الطبيب الأول هو أن يعالجَ المريضَ طبيبٌ آخر ثم يكون الأول هو المستشار عند حدوث طارئ لمريض لا يستطيع أن يكلم طبيبه الآخر، أو أن يستشار الأول هاتفياً -في حالة أخرى- لساعة أو ساعات من قبل أناس يعرفهم في بلد بعيد، وعندما يعودون لا يتذكّرونه بالمرة ويعتمدون غيره، والثالثة عندما يأتي مريض إليه في مشكلة معقدة، وعندما تحلّ يخرج واعداً بتحويل المبلغ الذي عليه، ثم لا يفي بوعده، ولو بعد أعوام.
أما أسوأ ما يمكن أن يمر به طبيب، فهو أن يعالج كل أطفال عائلة ما منذ ولادتهم حتى بلوغهم، عشرات المرات لكل طفل، خلال عشرين عاما، ثم تنتهي تلك العلاقة فجأة بجفاء شديد، لسبب طبي لا يفهمه الأهل، ولا يستطيع الطبيب توضيحه لهم لأنهم أغلقوا قلوبهم وآذانهم وهواتفهم، ظانين السوء به بعد ثقة السنين. المسألة معقدة بعض الشيء لعلني أستطيع توضيحها في مقال. ومثل ذلك السوء يشعر به الطبيب عندما يتنكّر له مرضاه في لقاء عابر في الشارع أو غير عابر، وقد عالجهم صغاراً وكبروا ونفش ريشهم.
ولله في خلقه شؤون.
قصصنا مع مرضانا لا تنتهي.. كما قالها لي العزيز الراحل عبد السلام العجيلي، رحمه الله، وخاصة المتباهون منهم زوراً وبهتاناً بقولهم: “دكتورنا”.
العين في 22/10/2026

























































