في قاعة متميزة في بيت جبري
د. غالب خلايلي
حفلت الحلقات الماضية بكثير من المعلومات والانطباعات عن رحلة الشام، لكن العجيب هو اختلاف ردود أفعال القراء، فالمادة نفسها تثير فرح نفر، وحزن آخر، وقد لا تثير أي رد فعل عند الباقين، حتى من قبيل القلب الأحمر أو الإبهام المرفوع، وهذا يعود بتقديري إلى الزمن المعطى للقراءة وعمقها، واختلافها بين قارئ وآخر، وكذا مزاجه وحالته النفسية عند الاطلاع، وخلفيته الثقافية عن الموضوع المطروح، فإما أن يثير اهتمامه، أو لا يخلق عنده أية مشاعر إذ فقد الاهتمام بكل شيء في دنياه، أو على العكس انغمس فيها حتى الثمالة (أو غرق)، فما عادت عنده الحماسة لغير الماديات.
أجواء آب الحارة تقطع الأنفاس
هذا هو شعور الناس في دمشق وحلب ولبنان والأردن بل وفي كندا وبريطانيا، حسب تواصلي مع الأهل والأصدقاء، يزيد الشعور بالحمّى انقطاع الكهرباء والماء، لاسيما في بلاد تحاذي البحر مثل بيروت، لتلعب الرطوبة العالية دورها في زيادة الأعباء الجسدية والنفسية. ومع كل هذه الحمى يبقى هناك صباح ساحر ذو نسمات منعشة ندية، وملجأ معقول في الظل في عز الظهيرة، ناهيك عن لطف الجو وربما برده في الجبال، التي قد تجود عليك بماء بارد لذ للشاربين من ينابيع صافية.
لكن كلّ ما يقال عن الحمى في الشام لا يشبه صحراء الخليج بشيء، تلك التي لا تُحتَمل حتى ساعة واحدة، ولولا توافر الظروف التبريدية المناسبة هناك، لاستحالت الحياة. أما الأسوأ عالميا فهو اندلاع الحرائق الضخمة في الغابات، كما حدث في أميركا وكندا واليونان وغيرها، فمنظر السعير رهيب، وإن بدا بألوان جذابة.

جولة تراثية جديدة في ربوع الشام
دعاني صديقي الدكتور سليم الدبس الى جولة في ميادين طفولته وشبابه التي يعشقها عشق متيم. نعم، الشام تجري في عروقه بأجمل مما وصف نزار قباني:
هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ إنّي أحبُّ وبعضُ الحبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي لسالَ منهُ عناقيدٌ وتفّاحُ
قريباً من باب توما في آخر منطقة القصاع، أوقف صديقي سيارته بعد جولة بحث طويلة وصلت إلى باب شرقي ثم العودة مجددا لإيجاد موقف.
وباب توما هو أحد أبواب دمشق السبعة. سُمّي بهذا الاسم نسبة للقدّيس توما أحد رسل المسيح عليه السلام الإثني عشر، ويقع في الجهة الشمالية الشرقية من دمشق القديمة. بُني أول مرة في عهد الرومان وأُعيد بناؤه في زمن الملك الناصر داوود 1228 م.كانت جولتنا مساء الأحد الثاني من آب 2026، في جو معقول. تجاوزنا باب توما مشيا، لننعطف نحو اليمين في طريق مستقيم مليء بالبشر، ينتهي بحمّام البكري القديم الشهير، أحد أشهر الحمامات الشعبية الأثرية في دمشق القديمة، ويقع في جادة النحوي بمنطقة باب توما شرقي حي القيمرية. يعود تاريخ بنائه إلى العصور الإسلامية (المملوكية أو العثمانية المبكرة)، ويُعد معلماً تراثياً عريقاً يعكس فن التراث الدمشقي التقليدي.

ثم يتعرّج الطريق يسرة فيمنة، في طرق ضيقة، فإذا نحن في أزقة القيمرية التي تبدو في مهرجان بشري مزركش أعظم مما ابتدأنا به، فعلى جانبي الزقاق محلات فيها ما لذ وطاب من الطعام والمخبوزات والحلويات والمرطبات، وفيها أيضا اللوحات الجميلة، والكتب. آه، الكتب، أي والله، تلك التي بت لا أصادفها إلا في أماكن نادرة.
وفي الطريق “كافيهات” ومطاعم في بيوت عربية قديمة، وفنادق صغيرة حولت تلك البيوت إلى منامات تستقبل ضيوف الشام، وما أكثرهم في هذا الوقت، على الرغم من حمى الطقس، فترى أشكال الناس رجالا ونساء وأطفالا في أجمل حللهم، بعضهم يحمل شرائح البطاطا المقلية الشهية مع رب البندورة (الكتشب)، وبعض يحمل الشاورما أو الكرواسون المحشي بالشوكولاته أو الجبن..، ومآكل عجيبة أخرى، لكن أشهاها كبّة مشوية وأخرى مقلية عند سيدة بسيطة مليئة تدعى أم أحمد، يقوم زوجها المائل إلى النحف بشيها أمامك في فناء قديم مفتوح على الشارع، ويناولك إياها بطبق كرتوني صغير بعد أن يغمرها بدبس الرمان، وبأسعار معقولة (نحو دولار للقرص)، ولك أن تجلس في حوش داخلي بلا أي ترتيب، على طرفه شجرة تعلوها قطة، ومنه مخرج الى حارة ضيقة معتمة، لكنه يمتلئ بالرجال والنساء والصبايا والشبان والأطفال الذين يتلذذون بالكبة الشامية.
والقيمرية هي أحد أعرق أحياء دمشق القديمة، تقع داخل سور المدينة التاريخية. سُمي الحي نسبة إلى المدرسة القيمرية التي بناها الأمير الأيوبي ناصر الدين الحسين بن عبد العزيز القيمري الكردي في القرن الثالث عشر (1252 م). وتشير روايات أخرى إلى أن التسمية تعود إلى شخصية تاريخية أو شيخ يُدعى “قيمر” عاصر الفتوحات الإسلامية.

مقهى النوفرة وبيت جبري
وفي نهاية الزقاق تجد نفسك أمام مقهى النوفرة الشهير على اليسار الذي يغص بالناس رجالا ونساء من عشاق الأراجيل ومحبي القهوة والشاي، فيما يستمتع بعضهم بحديث الحكواتي في الداخل الحار قليلا، والمعبأ بالدخان، فيما الحكواتي بلباسه التراثي ولهجته الشامية العتيقة مستمر في أدائه المميز، وحكايته الغرائبية، يهتم بها نفر، فيما يجلس أغلب الزبائن رجالا ونساء في مكان مفتوح، ينفخون دخانهم الكثيف.
ومقهى النوفرة هو أحد أشهر المقاهي الشعبية وأقدمها في دمشق. سُمي نسبة إلى نافورة ماء (نوفرة) كانت تتدفق بماء غزير في بحرة مجاورة، وتم الحفاظ على الاسم حتى بعد توقفها. يقع بالقرب من الجامع الأموي الكبير عند باب جيرون. يعود تأسيسه إلى عام 1669م. يحافظ المقهى على طابعه التراثي القديم وأثاثه البسيط منذ قرون، وتديره عائلة الرباط منذ نحو قرن.

فإن جلست في المقهى رأيت حركة دائبة على درج عال يوصلك على الفور إلى الجامع الأموي، والأسواق القريبة منه كالحميدية والبزورية.
وإن بحثت بين الأزقة القريبة وجدت مطعما تراثيا جميلا يدعى بيت جبري، يتم الدخول إليه من باب عادي لا يلفت النظر، مع أنه أحد أعرق البيوت التراثية، ويعود لعائلة جبري العريقة. بني في قلب دمشق القديمة عام 1737م، وتميز بعمارته الشرقية الأصيلة والزخارف والفسيفساء، وقد تحول إلى مطعم ومركز ثقافي. تبلغ مساحة البيت 1200 متر مربع ويضم 23 غرفة، ويمتاز بهندسته الرائعة.

المدرسة النورية الكبرى
قريبا من الحميدية، وفي منطقة تدعى سوق الخياطين تقع المدرسة النورية التي أنشأها نور الدين زَنْكي أو (الشهيد) عام 567هـ. وهي من أهمِّ المدارس التاريخية التي ما تزال قائمةً إلى اليوم، في بناء جميل. قال عنها الرحَّالة ابن جبير: «من أحسن مدارس الدنيا مظهرا مدرسة نور الدين، وهي قصر من القصور الأنيقة ينصب منه الماء من شاذوران وسط نهر عظيم، ثم يمتد في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر».
[الشاذروان: لفظ معرب مأخوذ من الفارسية (شوذر) ومعناها الإزار. يُسمى “تأزيراً” لأنه يحيط بأسفل البناء إحاطة الإزار للجسم].
هذا وقد سُمي بانيها نور الدين زنكي بـ “الشهيد” لأنه توفي متأثراً بالحمى والذبحة الصدرية ولم يمت مقتولاً في المعركة، لكن العلماء والناس لقبوه بذلك تقديراً لصدق نِيّته في الجهاد، وحسن رباطه، وموته وقلبه معلق بتحرير المسجد الأقصى، إضافة إلى سيرته العطرة في العدل والزهد.
ها قد انتهت رحلتنا الممتعة اليوم، مع عودتنا مشيا إلى حيث ابتدأنا.
دمتم بخير
دمشق 6 آب 2026































































