خلاصة الشرح
في الحياة التي نعيشها بصخب، حِكَمٌ عديدة، أحياناً نتوقّف عندها، وأحياناً نمرّ عليها مرور الكرام. د. غالب خلايلي، الطبيب والكاتب، والكثير المتنقّل الى حدّ يُمكن وصفه بـ “الرحالة”، يستشكف كما الفضولي، يُصوّر ليقرن القول بالمشهد، يُدوّن في الذاكرة وعلى الورق وعندما يعود الى حيث يقيم ينكب على الكتابة لتطهير الصورة الأدبية. في ما يلي مشهدان وحكمتان.
د. غالب خلايلي
الحكمة الأولى- عن مؤتمر حديث في طب الأطفال
حضرتُ ذات يوم مؤتمراً جميلاً في طبّ الأطفال، وكان يومه الأول ظريفاً ومفيداً وغنياً بالمعلومات التي تُعطى برويّة، بحيث يفهم المستمع ما يطرح، ويُعطى فرصة للسؤال والاستفسار، والعادة أن المحاضِر يسابق الزمان بسرعة إلقائه بل تسارعه في برنامج مزدحم حتى لينام كلّ من في القاعة، أو يهرب إلى صالون القهوة والشاي (والسناك، إن بقي شيء منه) أو صالة عارضي الحليب المجفف والأدوية الذين يتبارون بعروض الأناقة والحيوية والأدوية لاجتذاب زبائن جدد (لم يملّوا بعدُ من التكرار)، أو حتى زبائن قدماء يعرفون كيف تُحلب النملة، ولا يملّون من حلبها، حتى لو جفت ضروع الزمان.
لكن، مع جمال المؤتمر المخصص لأطباء الأطفال أولاً، كانت لي عليه مآخذ:
أولها أنني عرفتُ بخبره متأخراً جداً (قبل أيام فحسب) مع أنه في منطقتي نفسها وليس في غير قارة، وتعلمون أن التحضير لمؤتمر يأخذ أشهراً طويلة من الإعداد، لكن معرفتي أتت -وللأسف- لا من زملاء الاختصاص الذين لا يحصى عددهم، والذين عرفت كثيراً منهم خلال أربعة عقود، ولا من مندوبي شركات الأدوية حديثي السنّ الذين أعرف معظمهم منذ الولادة، ويفترض مع تعدّد وسائل التواصل والعدد الهائل من الرسائل كل يوم أن أكون من أول العارفين، لا أقول أولهم ولا أقول المحاضرين، لأن ملكة المحاضرة عندي وُئدت تماماً خلال عملي في عيادة رتيبة (مهما صخبت حالاتها)، وساعدت في وأدها (محاضرات) دعائية متكرّرة حتى الثمالة غايتها الترويج لمنتج ما (يعني قُتلت أفئدتنا ونحن نسمع عن هذا الحليب أو ذاك وميزاته الخارقة، أو نسمع عن مصادرها من البقر والماعز المدلّلة أكثر من بني البشر، ومراعيها النموذجية الخضراء، المريحة للبصر، والخالية من الهرمونات والمبيدات والمعالجات المورّثية)، وأنا بطبعي أمقت التجارة، ولهذا -مع موت فكرة المحاضرة- استفاقت عندي ملكة الكتابة تعويضاً وعلاجاً.

وثانيها أنه خُصّصت عدة قاعات للمحاضرات في آن، أي إنّ الحاضر مخيّر بواحدة فحسب، ولا يستطيع الاستفادة الكاملة من كل ما يتم الحديث عنه (أحياناً ترى خمس قاعات أو ست)، وعلى كل حال هذا منطقي إذا عرفنا أن الاختصاص واسع جداً، والاهتمامات متعدّدة، ومن ثم لا يمكن لمعظم الحاضرين، الذين أتى عدد منهم لقضاء يوم سياحي أو لتجميع ساعات تعليم ضرورية من أجل تجديد الترخيص، أن يلمّ بكل ما يقال أو حتى يفهمه.
وثالثها أنك تلحظ عدداً كبيراً من المُشرفين والمُعدّين، ينافس بعضهم بعضاً بل ينافس عددَ الحاضرين أحياناً، وعدد منهم متكرّر ذاته في كل مؤتمر، إذ أدرك تلك الصناعة الرائجة، مما يظن المرء معه أن الزملاء يعدّون لمؤتمر يمتد عشرة أيام على الأقل، علماً أنني شخصياً لا أحب المؤتمرات الطويلة، فهي متعبة، خاصة أن كثيراً منها استعراضي وسياحي أكثر منه علمياً، وإن كان كثيرون يحبون تلك الصفات خاصة القادمين من بلاد بعيدة، كما يحبها باحثون يعشقون برامج التواصل ويوثّقون حتى كل فنجان قهوة. في عقدي السابع (وحتى قبله) يتعبني بحقّ سفر يوم، لأقضي يومين بعده كي أرتاح وأستعيد كامل طاقتي. هذا ما أعطانيه الله من قدرات، والناس طاقات.
ورابعها أنك تجد متحمّسين من المحاضرين المتفننين بلغة العلم، ويُبدون أنهم مستعدون للتعاون المستقبلي بشؤون مرضى مشتركين بحيث لا يضيعون في زحام المستشفيات و (روتينها)، لكن ما إن تدخل عالمهم الخاص حتى تجد أن معظمهم يشكو دهره، وربما الكآبة، بلا سبب مقنع، ومن ثم يصعب أن تتواصل معه في أي من المجالين الواقعي والافتراضي.
وخامسها أنك لا تجد ملخصاً وافياً لما سيقال (قبل المؤتمر) أو قيل (بعده) ويصلح أن يكون مرجعاً لمن فاته الحضور، لكنك واجدٌ بالتأكيد عدداً كبيراً من الصور التذكارية التي التقطتها كاميرات الحاضرين وكاميرات احترافية تتحرك في المؤتمر يميناً ويساراً وأماماً وخلفاً بحركات لافتة، كأنها توثق حفل توزيع جوائز نوبل.
لا أريد الاستزادة بموضوع تكاليف المؤتمر، ولا موضوع الطعام والشراب، فأنا على العموم شخص راضٍ يقنع بأي شيء.
خلاصة الأمر: كن أفلاطون أو أبقراط أو ابن النفيس، وكن من كنت، لن تأتي أهميتك المعاصرة إلا من خلال المبيعات.
الحكمة الثانية- عن غلاف واق لشاشة الهاتف
من طبعي منذ الطفولة الحرص على أغراضي مرتبة نظيفة فتدوم عمراً، ومن ذلك هاتفي الذي يبدو حتى بعد سنوات جديداً، إذ أشتري له غطاء مناسباً بسيطاً، وألصق فوق شاشته واقياً شفافاً في محل مختص، فإن وقع الهاتف لسبب أو لآخر، وهذا وارد جداً حتى لمن ليس عنده أطفال أشقياء، لا تنكسر شاشته أهم ما فيه.
وقد حدث أن آخر واقٍ شفاف جُرح جروحاً كثيرة، حتى بتّ لا أرى الشاشة في شمسنا الصاخبة، فقلت أبدلها، وتحينت الفرصة للذهاب إلى مول مبرّد رائع، ليعود هاتفي جديداً.

ويا فرحة ما تمّت..
فبعد دقائق فقط، كنت في مكتب صرافة مشهور من أجل دفع فاتورة إنترنت عجزتُ عن دفعها بواسطة هاتفي!!. طلبت الموظفة الآسيوية ملائكية الوجه رقم الحساب (الشبكي)، ثم طلبت هاتفي لتتأكد من الرقم الطويل فأعطيتها إياه، وإذ التهيت مع شاب لطيفٍ أنيق أتى ليسلم عليّ، مذكّراً بنفسه أنه كان مريضي يوم كان طفلاً، فأسعدني اللقاء به إذ تذكرت كل تفاصيل عائلته الطيبة، حتى إذا ما ودّعني، عدت إلى هاتفي لأستلمه، فإذا بشاشته مجروحة ثلاثة جروح عميقة، ولأكتشف أن صاحبة الوجه الصبيح ذات أظافر شيطانية كما مشارط الجراحين.
والخلاصة أيها الأحباب: اعملوا مسحاً شاملاً لمن يتولّى أموركم، فحلاوة الوجه وطلاوة اللسان لا تكفيان للحكم.
دمتم بخير.
العين في 12 أيار 2026

























































