” في ميزان العدالة” زاوية استحدثتها “تأمين ومصارف” وكان يُحرّرها المحامي سرمد بو شمعون. كانت يومها المحاكم اللبنانية تعمل بنتظام وكان “العمل القانوني”، اذا جاز التعبير، يسير بشكل طبيعي، قبل ان تضطرب الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان ويشهد العالم “جائحة كوفيد” التي شلّت الكثير من القطاعات ولا سيما القانوني منها. وخلال تصفحنا الصحف العربية وما تضمنّت من أخبار تأمينية، وجدنا أن جريدة “الإمارات اليوم” خصًّت زاوية قانونية لعرض هذا النوع من القضايا المرتبطة بقطاع التأمين. ومن المقالات التي استوقفتنا علاج حامل اللأمتعة سقط من ارتفاع طابقَيْن، وكان يملك بوليصة تأمين، فأدى هذا السقوط الى الزام العامل والمؤسسة التي يعمل بها وشركة إدارة الملفات الصحية بسداد المبلغ المتوجب على المستشفى بالتضامن. فإلى هذا التحقيق الذي أعدّه الصحافي خوده للصحيفة الإماراتية…
قضت المحكمة المدنية الابتدائية في دبي ألزمت «حامل أمتعة»، كما المؤسسة التي يعمل بها وشركة إدارة الملفات الإستشفائية، بالتضامن، سداد مبلغ مليون و61 ألفاً و500 درهم، إلى أحد المستشفيات، بدل قيمة علاج طارئ استمر لأشهر للمدعى عليه الأول بعد سقوطه من ارتفاع طابقين، إلى جانب 10 آلاف درهم تعويضاً.
وتعود تفاصيل القضية كما روتها الإمارات اليوم، إلى دخول المدعى عليه الأول أحد المستشفيات، في أواخر 2024، في حالة صحية حرجة، إثر سقوطه من ارتفاع طابقين، حيث استقبلته المنشأة الطبية عبر قسم الطوارئ، وباشرت فوراً تقديم الإسعافات الأولية والإنعاش اللازم، التزاماً بواجبها القانوني في علاج الحالات الطارئة دون النظر إلى القدرة المالية أو التغطية التأمينية.
وبحسب التقارير الطبية، تعرّض المريض تقول الصحيفة، لإصابات خطيرة، شملت كسراً مفتتاً في عظم الفخذ اليسرى، وكسراً في الرضفة، إلى جانب مضاعفات تمثلت في جلطة رئوية واضطرابات صحية أخرى، ما استدعى تدخلاً جراحياً عاجلاً وإيداعه وحدة العناية المركزة لفترة طويلة امتدت لأشهر حتى استقرار حالته وخروجه من المستشفى.
وخلال هذه الفترة بلغت قيمة الخدمات الطبية المقدمة له أكثر من مليون درهم، موزعة بين الإقامة في غرف المرضى والعناية المركزة، والإجراءات الجراحية، والأدوية، من دون أن يتم سداد أي جزء منها من قِبل أي من الأطراف.
وأقامت المنشأة الطبية دعواها مطالبة بإلزام المريض، وشركة إدارة الملفات الإستشفائية، وصاحب العمل، بسداد كامل المبلغ، استناداً إلى مسؤوليتهم المشتركة عن تكاليف العلاج، وقدمت مستندات تضمنت التقارير الطبية، والفواتير، ومراسلات إلكترونية تثبت موافقة الشركة التي يعمل بها على العلاج.
وخلال النظر بالدعوى، دفعت شركة إدارة الملفات الإستشفائية (TPA) بعدم صفتها، باعتبارها وسيطاً إدارياً وليست شركة التأمين، كما تمسكت برفض التغطية استناداً إلى تفسيرها للحالة، فيما دفع صاحب العمل بعدم وجود علاقة تعاقدية مباشرة مع المستشفى، وأن التأمين هو الملزَم بالسداد. لكن المحكمة أوضحت في حيثيات حكمها أن شركة الـ TPA تكون مسؤولة بالتضامن، مع شركة التأمين، عن تنفيذ الالتزامات تجاه الغير، متى باشرت إدارة المطالبة وقررت رفضها، ما يجعل اختصامها صحيحاً، ويُرتب مسؤوليتها عن أي خطأ في تقدير التغطية.
كما أكدت أن القواعد المنظمة للضمان الصحي تُلزِم بتغطية الحالات الطارئة حتى استقرار الحالة الطبية، بغض النظر عن أسباب الإصابة، باعتبار أن حماية حياة الإنسان مقدمة على القيود التعاقدية، وهو ما يُسقِط الدفع برفض التغطية في هذه المرحلة.
وأشارت المحكمة إلى أن مسؤولية صاحب العمل تنشأ مباشرة من القانون، الذي يوجب عليه تحمل تكاليف العلاج الطارئ للمكفول في حال عدم وجود تغطية فعالة أو رفضها، مؤكدة أن التزامه لا يقتصر على العلاقة التعاقدية، بل يمتد إلى الالتزامات القانونية المرتبطة برعاية المكفول.
وتناولت المحكمة مسألة المراسلات الإلكترونية، مؤكدة أن البريد الإلكتروني الصادر من موظف الشركة، حتى وإن لم يكن مديراً، يُعد حجة قانونية متى صدر في إطار عمله المعتاد، خصوصاً مع ثبوت اعتماد المستشفى عليه واستمرار العلاج بناءً عليه، وهو ما يشكل التزاماً ملزماً للشركة وفق مبدأ “الوكالة الظاهرة”.
وبعد ندب خبير حسابي، ثبت للمحكمة صحة المديونية وقيمتها، وعدم وجود أي سداد سابق، واطمأنت إلى تقريره الذي جاء مؤسساً على أسس فنية سليمة.
وأكدت المحكمة أن امتناع المدعى عليهم عن سداد تكاليف علاج حالة طارئة يُعد إخلالاً بالالتزام القانوني، ويشكل خطأً يوجب المسؤولية، خصوصاً مع ثبوت الضرر الذي لحق بالمستشفى نتيجة حبس سيولة مالية كبيرة لفترة طويلة. كما قدرت المحكمة التعويض المستحق عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بالمدعية بمبلغ 10 آلاف درهم، مشيرة إلى أن الضرر تمثل في الأعباء المالية والتكاليف الإدارية وتأخر استيفاء المستحقات، فضلاً عن الأثر المعنوي المرتبط بذلك. وانتهت المحكمة إلى إلزام المدعى عليهم بالتضامن بسداد كامل قيمة العلاج، والتعويض، والفائدة القانونية، تأكيداً على أن علاج الحالات الطارئة لا يجوز أن يتحول إلى عبء غير مستحق على مقدم الخدمة الصحية.

























































