يؤدّي القسم
أما وقد أقسم اليمين أمام رئيس الجمهورية جوزف عون، كما هي الأصول القانونية المتبعة، ومن ثم تسلّم مهماته الرسمية في مصرف لبنان المركزي من الحاكم بالإنابة د. وسيم منصوري، فإن د. كريم سَعيْد، الحاكم الجديد، تلّقف كرة نار الأزمات المالية والإقتصادية وأكبّ عليها لعلاجها، وهذه المرة ليس على الورق،كما هي عادة الاكاديميين، وإنما عملياً وعلى أرض الواقع، ذلك أن الآمال الكبيرة المعلٌّقة عليه قد تتبخّر سريعاً، أن لم يبادر، وضمن مهل محدودة، الى اجتراع ما يُشبه العجائب لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، خصوصاً ما يرتبط بموضوع ودائع المواطنين التي تنتظر الإفراج عنها، والا تكون الحاكمية، عن قصد أو غير قصد،قد قضت على العهد، وهو لا يزال ينزع آلاف الألغام المزروعة في لبنان و منذ سنوات، ولم ينجح أحد في هذه المهمة. ذلك ان حاكمية مصرف لبنان، راهنا، تكتسب أهمية استثنائية لكون الحاكم الجديد، إلى جانب رئيسَيْ الجمهورية والحكومة، اللذين توليا مهامهما حديثاً،يشكلون معا، عنصراً أساسياً من تركيبة «لبنان الجديد» المفترض أن يشهد تطبيق الإصلاحات المطلوبة دولياً لمساعدته على النهوض من أزمته المالية والاقتصادية المتواصلة منذ العام 2019.

ويُعتبر «الحاكم»، كما هو معروف، مهندس السياسات النقدية للبلد والمولج مع أعضاء المجلس المركزي، تنظيم القطاع المصرفي والإشراف عليه، لذلك ستكون له مهام أساسية في ملف إعادة هيكلة المصارف، والتواصل والتفاهم مع المؤسسات المالية والدولية على خطة النهوض.
و من المعروف ان 6 شخصيات تعاقبت على حاكمية مصرف لبنان الذي تأسّس عام 1963 ، هم تواليا: فيليب تقلا، ميشال خوري، أدمون نعيم، رياض سلامة ووسيم منصوري (بالإنابة). وتولّى سلامة المنصب لـ30 عاماً قبل أن يتمّ توقيفه في سبتمبر الماضي بشبهة «اختلاس أموال عامة من البنك المركزي وصرف نفوذ وتبييض أموال وإثراء غير مشروع»، خلال توليه مهام الحاكم، وتحويل هذه الأموال إلى الخارج. وهو لا يزال موقوفاً حتى تاريخه.

جدير بالذكر أن حاكم المصرف المركزي يُعيّن لمدة ست سنوات بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المالية ويوافق عليه ثلثا أعضاء مجلس الوزراء، باعتباره من القضايا المدرجة ضمن الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور، والتي تتعلق بتعيين موظفي الفئة الأولى. ودرجت العادة على أن يكون حاكم المصرف المركزي من حصة رئيس الجمهورية على الصعيد المعنوي. أما على الصعيدين الدستوري والقانوني، فإن مجلس الوزراء هو صاحب الصلاحية في التعيين، ووزير المالية هو الجهة المخوَّلة اقتراح الاسم.
فماذا ينتظر الحاكم من مهمات؟ عن هذا السؤال،يُعدّد الخبراء التالي:
-استعادة صدقية مصرف لبنان وسلطته، السعي لإعادة بناء الثقة، إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيع الخسائر بما يراعي مبادئ التسلسل الهرمي للمطالبات، حماية الأصول العامة، معالجة أزمة الودائع، التعاون مع صندوق النقد الدولي، رفع اسم لبنان من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، مكافحة الاقتصاد غير المشروع، وهو جهد مشترك بين المصرف المركزي والحكومة، والمؤسسات المالية، والقطاع الخاص، وضع حد للاقتصاد النقدي أو ما يُعرف بـ«اقتصاد الكاش» الذي يفتح الباب واسعاً أمام عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرّب الضريبي.

لا شك أن مهمة الحاكم الجديد صعبة وشاقة. ومن يعرفه يقول أنه “قدّ الحمل” (باللغة الدارجة) بل أكثر، ويراهنون على نجاحه سريعاً، وهو ما يتمنّاه جميع اللبنانيين-لكن هؤلاء أصبحوا مثل توما، أحد رسل السيد المسيح الإثنا عشر، الذي قال عبارته الشهيرة: “اذا لم أبصر أثر المسامير في يدَيْ المسيح وأضع اصبعي في مكانها و في جنيه، لن أؤمن”، وانتهى الشك عندما ألزمه السيد المسيح بما يريحه من الشك الذي سرعان ما انقلب الى إيمان راسخ بالقيامة، وقد جذب كثيرين الى الكنيسة.