التوترات في المنطقة وتزايد مخاطر الملاحة البحرية، كما مخاطر التنقّل جواً، طرحا تساؤلات حول مدى جاهزية قطاع التأمين للتعامل مع تداعيات الأحداث الجارية، سواء على مستوى تأمين الممتلكات أو على صعيد التأمين البحري. تأتي هذه التساؤلات في وقت تشهد فيه أسواق التأمين العالمية تشدّدًا ملحوظًا في شروط التغطيات وارتفاعًا في تكاليف مخاطر الحرب، ما يضع الشركات أمام واقع تأميني أكثر تعقيدًا.
صحيح أن التغطية التأمينية المتعلقة بمخاطر الحرب ما زالت متوافرة إلا أنها تخضع لشروط خاصة، لأنها في الأساس مستثناة من الوثيقة التأمينية الا اذا شملتها تغطية عبر خاصة ضمن البوليصة، وقد يختار البعض شراء هذه الإضافة فيما يرى آخرون عدم تضمينها. ربما للسعر المرتفع، خصوصاً إذا حصلت هذه الأخاية في الفترة “الحارة”، اي في عزّ اندلاع الحرب، كما الحال حالياً..
وما ينطبق على الممتلكات ينطبق على قطاع التأمين البحري، الذي يحتاج الى تغطيات إضافية خاصة بمخاطر الحرب. وتجدر الإشارة ضمن هذا الإطار، أن شركات إعادة التأمين تقوم عادة بإعادة تقييم الحالة من خلال الإكتواريين العاملين معها، بحيث تتجه إلى تقليص أو سحب بعض التغطيات في حال تصاعد نطاق الحرب واتساع المخاطر.
وفي تقرير لوكالة «بلومبيرغ» أن شركات التأمين العالمية رفعت أقساط مخاطر الحرب على السفن العابرة للممرات الحساسة في المنطقة، علماً أ، ثمة شركات قررت السير في إتجاه تقليص الطاقة الاستيعابية للتغطية أو فرض شروط أكثر صرامة، تحسبًا لاحتمال اتساع رقعة النزاع. وأشار التقرير إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى زيادة إضافية في تكاليف الشحن والتجارة، في حال استمرار التوترات أو امتدادها جغرافيًا.

وفي مقابلة أجرتها صحيفة “الأيام”، قال رئيس مجلس إدارة شركة «ويليس البحرين»، يونس جمال “أن غالبية شركات التأمين في البحرين توفّر وثائق متخصصة تغطي الأضرار الناجمة عن الاضطرابات والأحداث الجيوسياسية، شريطة حصول المؤمن له مسبقًا على التغطية المناسبة”. موضحاً أن “الأضرار التي تصيب الأبنية والممتلكات نتيجة الأحداث الجارية تكون مشمولة بالتعويض إذا كانت مدرجة ضمن ما يُعرف بتغطية «الاضطرابات السياسية»، وهي إضافة اختيارية على وثائق التأمين التقليدية، ولا تُعد جزءًا تلقائيًا منها”، مبيّناً أيضاً “أن هذه الوثيقة تغطي الخسائر الناتجة عن أعمال الإرهاب والتخريب والشغب والإضرابات، إضافة إلى مخاطر الحرب والحرب الأهلية والثورات، وذلك وفقًا للشروط والاستثناءات المحددة”. كذلك، أشار إلى “أن تقييم الأضرار يتمّ عبر خبراء متخصصين يتولون تحديد السبب المباشر للضرر وتقدير حجم الخسائر، بما في ذلك تكاليف الإصلاح وإعادة الإعمار وتعويض خسائر توقف الأعمال، علماً أن سوق التأمين البحري تشهد حاليًا موجة تشدد وارتفاع في التكاليف، مع تصاعد التوترات في المنطقة واحتمالات اتساع المخاطر على طرق الملاحة، ولا سيما في الممرات الحساسة المرتبطة بتجارة الطاقة مثل مضيق هرمز”.
يُذكر أن التحذيرات الدولية من اضطرابات محتملة في حركة الشحن، ما دفع شركات التأمين وإعادة التأمين إلى إعادة تقييم درجة المخاطر في بعض المناطق. وتشير معطيات السوق إلى أن بعض شركات إعادة التأمين بدأت تقليص أو سحب تغطية «مخاطر الحرب» في مناطق تُصنّف عالية الخطورة، في خطوة تعكس انتقال القطاع من مرحلة رفع الأسعار إلى مرحلة تشديد شروط القبول التأميني، بما يشمل فرض إخطار مسبق قبل الإبحار أو تطبيق أقساط إضافية لكل رحل. كذلك تستعد شركات التأمين لتفعيل بنود «إشعار الإلغاء» في حال تفاقم الأوضاع، مع توقعات بأن تكون الزيادات أكثر حدة على السفن العابرة للمضائق الاستراتيجية، الأمر الذي قد يدفع بعض شركات الشحن إلى تعديل مساراتها أو إعادة جدولة رحلاتها لتفادي مناطق التوتر.
يُشار هذا الى ان «المناطق عالية المخاطر» تُدار عبر قوائم تصدرها جهات سوقية متخصصة في لندن، تحدد النطاقات الجغرافية ذات «المخاطر المعزّزة»، وهو ما يؤثر مباشرة على شروط التغطية وحدود المسؤولية والالتزامات التعاقدية. وتشمل هذه القوائم، في بعض الحالات، مياه الخليج والمناطق المتاخمة لها، ما يفسر القفزات السريعة في الأقساط فور ارتفاع منسوب التهديدات.
من جهة أخرى، وعلى مستوى التسعير، أشارت تقديرات وسطاء دوليين بحسب “بلومبرغ” إلى أن أقساط مخاطر الحرب قد ترتفع خلال أيام من مستويات تقارب 0.125% إلى نحو 0.2% من قيمة السفينة لعبور واحد في نطاق الخليج، ما يعني أن سفينة بقيمة 100 مليون دولار قد تتحمل تكلفة تأمين إضافية تصل إلى 200 ألف دولار للرحلة الواحدة في بعض الحالات.
وتنعكس هذه التطورات على حركة التجارة عبر مسارين رئيسين؛ أولهما زيادة مباشرة في تكلفة الشحن نتيجة ارتفاع أقساط التأمين، وثانيهما تأثير غير مباشر من خلال تأخير الرحلات أو تغيير المسارات وارتفاع زمن العبور، ما يزيد من تكاليف التخزين والتمويل ويؤثر في أسعار بعض السلع المستوردة.
وفي الإطار التعاقدي، برزت أهمية تحديث بنود عقود النقل البحري لمواكبة المتغيرات، بما يمنح أطراف العقد وضوحًا أكبر حول تعريف «المنطقة عالية المخاطر» وآلية احتساب تكاليف التأمين الإضافية وتوزيعها بين المالك والمستأجر. وبالنسبة لدول الخليج، فإن استمرار ارتفاع تكاليف التأمين البحري —خصوصًا على الشحنات المتجهة إلى الموانئ الخليجية أو العابرة عبرها، قد يؤدي إلى زيادة كلفة الاستيراد والتصدير.
























































