النقيب الشاعر مع رفيقيه الورقة والقلم
يكفي أن يُطلق عليه لقب “نقيب الأوادم” حتى نُدرك الخسارة الكبيرة التي مُنيَ بها قطاعا التعليم والتربية في لبنان برحيل الشاعر أنطوان السبعلاني. ويكفي كذلك أن يوصف بـ “الشريف” لنعرف سرّ هذه المحبة التي كانت تحوط به من زملاء وأحبّاء ومتابعين لأدبه وشعره. ويبقى الأهمّ: يكفي أن تقرأ سيرته الذاتية وما حصل معه بعد قصيدة نظمها عنوانها “المعلّم الأجير” التي تسبّبت في صرفه من الخدمة من مدرسة الفرير التي تخرّج منها ودرّس فيها وفي غيرها من المدارس والجامعات حتى تعي كم أن كلمته كانت نافذة ومؤثرة وأقوى من سلاح فتّاك، والاّ كيف نفهم أن النقيب السبعلاني خضع لمحاكمة دامت 17 عاماً وتطوّع للدفاع عنه سبعون محامياً؟ أما نحن، وإذا كان لا بدّ من توصيف هذا الشاعر الكبير الذي رحل، قبل أيام، عن 91 عاما، فلن نرى أفضل من عبارة “الشاعر الثائر” في وجه كلّ من يحاول النيْل من كرامة المعلّم ومن الرسالة النبيلة التي يؤدّيها طوال حياته.

وتشاء الصدفة أن يكون أحد نجلَيْ النقيب الراحل، الرئيس التنفيذي لشركة “بنك أسورانس” الرائدة في هذا المجال لجمعها بين القطاعَيْن التأميني والمصرفي السيد بيار السبعلاني، ومن هنا توسّعت دائرة الاهتمام بهذا الحدث المؤلم، ولكنه ايضاً المنعش للذاكرة ولنضال مدرّس ثانوي وجامعي لم يشأ أن يكون ذليلاً يسعى وراء المال والجاه بل أن يكون شخصية تدخل التاريخ الفكري والنضالي والتعليمي من الباب الواسع.
في السيرة الذاتية للفقيد النقيب أنطوان السبعلاني (تولّد 1935) أنه ولد في سبعل قضاء زغرتا وتعلّم في مدرسة الأخوة في طرابلس وأنه بدأ التعليم عام 1956 في عدة مدارس في عاصمة الشمال، الى أن صُرف من الخدمة عام 1984. عندها انتقل الى جامعة القديس يوسف مدرّساً مادة الأدب العربي التي نال فيها إجازة عام .1964 وبعد ست سنوات، انتُخب نقيباً للمعلمين وكان له شرف تأسيس فرع للنقابة في كل محافظة لبنانية. ومع أن مؤلفاته، وعددها 10 كتبها أو نظمها بين 1971 و2010 ومنها “خبز ومطر”، “صلاة فلسطينية”، “وجع الخيام النقابي”، الاّ أن قصيدته “المعلم الأجير” كانت هي القنبلة الأدبية والفكرية والقانونية الفاعلة والمحرّكة وجدان الوطن، قنبلة دام صداها المدويّ 17 عاماً ولم يَطْوِ التاريخ صفحتها ولا أطفأ جذوتها، إذ كلما أُثيرت قضية ما للمعلمين، كانت العودة الى هذه القصيدة شبيهة بعودة الروح الى الجسد.

ونظراً الى المداميك الراسخة التي بنى عليها الشاعر قصيدته التي تعني كلّ معلّم وكلّ من يمارس مهنة شريفة، تطوّع للدفاع عن الشاعر الكبير 70 محامياً من أبرزهم الدكتور محمد الجسر نجل المفتي الأسبق لطرابلس الشيخ نديم الجسر الذي رُشّح ذات يوم لرئاسة الجمهورية نظرا للصفات العديدة التي كان يتمتع بها ويفتقرها من أرادوا الترشح لهذا المنصب. وعن هذه المرحلة قال لنا نجله خبير التأمين بيار السبعلاني (مع العلم أنه درس الهندسة المدنية ونال شهادة فيها من جامعة القديس يوسف) “ان والدي أعدّ كتاباً كاملاً عن هذه القصيدة التي استوحاها من العلاقة مع مدرسة الفرير التي درّس فيها 12 عاماً، ثم علّم فيها حوالي ثلاثة عقود من الزمن في المدرسة نفسها في طرابلس ونقصد بها مدرسة الفرير. وبما أنه كان عضواً في نقابة المعلمين، ومن ثم نقيباً لها، فكان من الطبيعي أن يُدافع عنها وعن المعلّم ليس بحكم الموقع الذي وصل اليه وانما لانفطاره على الدفاع عن المظلومين لا سيما أولئك الذين يفنَوْن حياتهم لبناء أجيال مثقفة وواعية، بدليل أن دفاعه عن المعلمين، أدّى الى صرفه من المدرسة وكذلك من مدارس أخرى ومن الجامعة اليسوعية أيضا التي كان يُدرّس فيها، جرّاء القرار الظالم الصادر عن الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الذي اتهم النقيب السبعلاني بأنه يدافع عن مطالب محقّة للمعلمين، مع العلم ان كل الأحكام التي صدرت، جاءت لصالحه.

والمضحك المبكي أنه صُرف من المدرسة من دون نيله تعويض السنوات الثلاثين وربما أكثر بسبب هذه القصيدة التي خصّص لها كتاباً كاملاً تحدّث فيه عن أوجاع المعلّم والظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشونها والمستمرة حتى اليوم. ويقول نجله أيضاً ان الدعاوى التي رُفعت دامت 17 عاماً و كانت العدالة دائماً الى جانبه من 1985 حتى العام 2000، وقد رافقه في هذه المرحلة سبعون محامياً هم جميعا طلابه على رأسهم الدكتور محمد الجسر، نجل مفتي طرابلس الأسبق نديم الجسر.
لقد امضى أيامه الأخيرة، تابع نجله، بالهدوء والسكينة، وكان يُنظم، بين وقت وآخر، قصائد نثرية وشعرية ولكن “الأحبّ اليه كان حفيده أنطوان ابني الذي نظم فيه قصيدة عنوانها “الصغيران” وفيها يقول:

يوماً فيوماً يكبرُ هذا الصغيرُ ونصْغرُ
عَجباً لطِفلٍ رَدَّنا في العُمْرِ شَوْطاً يُذْكرُفَكأنَّ عُمْريَ عُمْرُهُ أوْ بعضَ شيءٍ أكبرُ
قالوا جُنِنْتُ بحبِّهِ ونعمْ جُنِنْتُ.. وأكثرُ!
طِفلٌ أميرٌ آمِرٌ يُومي إليَّ… فأحْضرُيَمشيْ.. فنَمشيْ خلفَهُ في خَطْوِهِ نَتعثَّرُ
نُمضيْ نَهَاراتٍ مَعاً يلهوْ بنا لا نضْجرُ
وإذا يَنامُ بِبيْتنا نَنْسى نَنامُ … ويَسْهرُ!
لِنَظلَّ نَحنُ عبيدَهُ ويَظلَّ فينا يأمرُ
بَينيْ وبينَ أميرِنا في القولِ شِعرٌ يُؤثرُ
يُوحيْ فَنكتبُ … لا قَصيدَ بِغيرِهِ لا مِنْبرُ
أنا ما حَبَبْتُ كحُبِّهِ … منْ قالَ: إنِّيَ أُنْكرُ؟
انطوان السبعلاني
يبقى أن نُشير الى أن رئيس الجمهورية انتدب الى تمثيله في مأتم الراحل، وزيرة السياحة لورا الخازن لحود، لوجود وزيرة التربية ريما كرامي خارج لبنان. وفي الكلمة المرفقة مع وسام المعارف المذهّب الذي سيُسلّم بعد أيام، تقدّم الرئيس من العائلة الكريمة بتعازيه الحارة، ومثله فعلت وزيرة السياحة.


























































