في تطور يعكس تصاعد المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، بدأت كبرى شركات التأمين البحري العالمية فرض قيود جديدة على تغطية مخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، في خطوة قد تزيد من الضغوط على حركة صادرات النفط العالمية وترفع كلفة الشحن والتأمين في واحدة من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وبحسب ما نقلته صحيفة Financial Times، أبلغ عدد من أبرز شركات التأمين المتخصصة في مخاطر الحروب ضمن سوق لويدز في لندن الوسطاء البحريين أنها لن توفر تغطية تأمينية جديدة للشحنات المنقولة على متن السفن التي ترتبط بالسعودية بأي شكل من الأشكال أثناء عبورها البحر الأحمر، وذلك عقب الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون على ناقلات نفط في المنطقة.
ولا يقتصر القرار على السفن التي ترفع العلم السعودي، بل يشمل أيضاً سفناً ترفع أعلام دول أخرى لكنها سبق أن رست في موانئ سعودية أو لها ارتباطات تشغيلية أو تجارية بالمملكة، وهو ما يعكس تشدداً غير مسبوق في تقييم المخاطر التأمينية.
وتأتي هذه التطورات في وقت اكتسب فيه البحر الأحمر وميناء ينبع السعودي أهمية استثنائية لصادرات النفط، بعدما أصبح خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى غربها الوسيلة الرئيسية لنقل الخام إلى البحر الأحمر، في ظل استمرار القيود والمخاطر التي تحيط بمضيق هرمز. ويُقدَّر أن هذا المسار قادر على نقل ما يصل إلى خمسة ملايين برميل من النفط يومياً، أي الجزء الأكبر من صادرات المملكة التي كانت تبلغ قبل اندلاع الحرب نحو سبعة ملايين برميل يومياً.
وفي مؤشر إضافي على ارتفاع مستوى القلق، كشفت مصادر في قطاع الوساطة البحرية أن بعض شركات التأمين لا تكتفي برفض إصدار وثائق جديدة، بل تستعد أيضاً لإلغاء بعض وثائق التأمين السارية الخاصة بسفن مرتبطة بالسعودية، بعدما تعرضت ناقلتا النفط السعوديتان “إنسيليا” (Encelia) و**”ليلى” (Layla)** لهجمات أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها.
ويرى خبراء في قطاع التأمين أن السعودية بدأت تدخل ضمن قائمة الدول التي ينظر إليها مكتتبو التأمين باعتبارها أكثر عرضة للمخاطر في البحر الأحمر، إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل، وهي الدول التي كانت سفنها تتحمل بالفعل أقساط تأمين أعلى نتيجة التهديدات الأمنية المستمرة.
وجاء هذا التشدد بعد تحذير أصدرته جماعة الحوثي المدعومة من إيران، أعلنت فيه أن السفن التي تتعامل مع الموانئ السعودية قد تصبح أهدافاً للهجمات أينما كانت ضمن نطاق عملياتها العسكرية، الأمر الذي دفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم المخاطر بشكل فوري.
ولم تقتصر تداعيات هذه التطورات على قطاع التأمين فحسب، بل بدأت تنعكس أيضاً على حركة الملاحة البحرية. فقد اضطرت عدة سفن تحمل شحنات نفط سعودية إلى تغيير مساراتها والعودة لتسلك الطريق الأطول عبر البحر الأبيض المتوسط ورأس الرجاء الصالح، تجنباً للعبور في البحر الأحمر، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة كبيرة في مدة الرحلات وكلفتها التشغيلية.
كما لجأت بعض السفن إلى إجراءات استثنائية لتقليل احتمالات استهدافها، من بينها الناقلة Merbabu المملوكة لشركة يونانية، والتي كانت تنقل نحو 700 ألف برميل من النفط الخام من ميناء ينبع إلى الهند، حيث قامت بإغلاق أجهزة تحديد الموقع (GPS) أثناء عبورها مضيق باب المندب القريب من السواحل اليمنية، في محاولة للحد من إمكانية تعقبها.

ويؤكد خبراء التأمين البحري أن استمرار الهجمات في البحر الأحمر قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع أقساط التأمين على مخاطر الحرب، فضلاً عن زيادة تكاليف النقل البحري وأسعار الطاقة عالمياً، خاصة إذا اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل المزيد من ناقلات النفط والبضائع.
ويرى مراقبون أن قطاع التأمين البحري يقف اليوم أمام اختبار بالغ الصعوبة، إذ بات مطالباً بالموازنة بين توفير الحماية التأمينية واستيعاب المخاطر الأمنية المتزايدة، في وقت أصبحت فيه الجغرافيا السياسية عاملاً رئيسياً في تحديد أسعار التأمين وشروطه.
وإذا استمرت الهجمات والتوترات في البحر الأحمر دون حلول سياسية أو أمنية، فمن المتوقع أن تتوسع القيود التأمينية لتشمل مزيداً من السفن والمسارات البحرية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على التجارة الدولية، ويزيد الضغوط على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، ويجعل تكلفة التأمين أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل البحري خلال المرحلة المقبلة.

























































