هناك مطبوعات تُقرأ ثم تُنسى، وهناك مطبوعات تتحوّل إلى جزءٍ من ذاكرة الشعوب. أما مجلة “طبيبك” فتنتمي بلا شك إلى الفئة الثانية. فهي ليست مجرد مجلة طبية توقفت عن الصدور، بل صفحة مضيئة من تاريخ الصحافة العربية والتثقيف الصحي، وإحدى العلامات الإعلامية التي سبقت عصرها بعقود، حتى بات اسمها مرادفاً للمعرفة الطبية الموثوق بها في بيوت ملايين العرب.
واليوم، وبعد توقفها عن الصدور منذ سنوات بسبب الظروف السياسية والأمنية التي عصفت بلبنان وسورية والمنطقة، يُعرض امتياز مجلة “طبيبك” للبيع، ليس كمشروع تجاري فحسب، بل كإرثٍ ثقافي وطبي وصحافي نادر، يحمل في صفحاته سبعين عاماً تقريباً من تاريخ الوعي الصحي العربي، ويمنح مالكه (الجديد) فرصة امتلاك واحدة من أشهر العلامات الإعلامية التي عرفها العالم العربي.
بدأت الحكاية عام 1956 عندما أسس الطبيب الدكتور صبري القباني مجلة “طبيبك”، واضعاً نصب عينيه هدفاً بسيطاً في ظاهره، عظيماً في مضمونه: أن تصبح المعرفة الطبية حقاً لكل إنسان، لا حكراً على الأطباء والجامعات. وسرعان ما تحولت إلى أول مجلة طبية اجتماعية واسعة الانتشار باللغة العربية، لتدخل كل بيت تقريباً، وتصبح من المجلات العربية القليلة التي كانت توزّع في معظم الدول العربية بلا استثناء تقريباً.

لكن نجاح “طبيبك” لم يُدوِّ لأنها كانت تتحدث عن الأمراض والأدوية فقط، بل لأنها خاطبت الإنسان بلغته. فقد أدرك الدكتور صبري القباني، قبل أن يصبح مفهوم “التثقيف الصحي” شعاراً تتبناه المنظمات الدولية، أن المجتمع العربي كان يعيش حالة من الجهل القسري في كثير من القضايا الصحية، وفي مقدمتها الصحة الجنسية، وصحة الأسرة، والتربية الصحية، والأمومة والطفولة، فاختار أن يفتح تلك الملفات بلغة علمية رصينة، بعيدة عن الإثارة، وقريبة من عقل القارئ.
ففي زمنٍ كان مجرد الحديث عن الجنس يُعد من المحرّمات الاجتماعية، كسرت “طبيبك” حاجز الصمت، وقدّمت إجابات علمية دقيقة عن أسئلة كان الناس يخجلون من طرحها حتى على أقرب المقرّبين. ولم يكن الهدف إثارة الفضول، بل حماية الإنسان من الجهل والخرافة والمعلومات المغلوطة. ولهذا السبب، أصبح باب الأسئلة والأجوبة داخل المجلة من أكثر الصفحات انتظاراً لدى القراء، ورُسّخت مكانتها باعتبارها مرجعاً طبياً موثوقاً به سبق عصره بعشرات السنين.
ولم تقتصر المجلة على الطب العلاجي، بل كانت مدرسة متكاملة في الثقافة الصحية، إذ تناولت تاريخ الطب، والتغذية، وصحة المرأة، وتربية الأطفال، والوقاية من الأمراض، والنظافة العامة، وأحدث الاكتشافات الطبية العالمية، بلغة مبسّطة جعلت القارئ يشعر بأن الطبيب يجلس إلى جانبه، لا خلف مكتب أو في عيادة مغلقة. لذلك لم يكن غريباً أن تستقطب المجلة نخبة من كبار الأطباء والمثقفين العرب، ومن بينهم الدكتور عبد السلام العجيلي الذي كانت له زاوية شهرية يخصّصها لمقال أدبي طبي أو طبي أدبي، إضافة إلى أسماء طبية وعلمية بارزة كثيرة، بينها الدكتور غالب خلايلي الذي واصل حمل رسالة التوعية الصحية عبر صفحاتها ومن ثم عبر دوريات عربية عدة، بينها مجلة “تأمين ومصارف”.

ولعل الأرقام وحدها تكشف حجم هذه الظاهرة الإعلامية. ففي العراق وحده كانت مبيعات المجلة تلامس ثمانين ألف نسخة، فيما تشير شهادات صحافية إلى أن توزيعها في ذروة انتشارها اقترب من تسعين ألف نسخة، وهو رقم يكاد يكون خيالياً إذا ما قورن بسوق النشر العربي في تلك الحقبة. أما في سورية، فكانت أعداد المجلة تختفي من المكتبات خلال وقت قصير من وصولها، بينما كانت ليبيا والجزائر والسعودية ودول الخليج والأردن ولبنان تستقبلها بشغف مماثل، حتى غدت “طبيبك” ضيفاً دائماً على مكتبات الأُسر العربية.
وكان لوسائل التوزيع في ذلك الزمن دورها أيضاً في صناعة هذه الشهرة، إذ كانت الخطوط الجوية العربية السورية تنقل الأعداد الجديدة إلى مختلف العواصم العربية، لتصل المجلة إلى قرائها في وقت كان إيصال المطبوعات بين الدول عملية معقدة ومكلفة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الذي كانت تحظى به.
بعد وفاة المؤسس الدكتور صبري القباني، انتقلت الراية إلى نجله الدكتور سامي القباني، أحد رواد جراحة القلب المفتوح في سورية والعالم العربي، والذي لم يكتفِ بإنجازاته الطبية الكبيرة، بل واصل رسالة والده في نشر الثقافة الصحية، فحافظ على هوية المجلة ومكانتها، وأدارها لسنوات طويلة حتى أصبحت “طبيبك” مؤسسة معرفية أكثر منها مجلة دورية.

ومع تعاقب الأزمات السياسية والحروب التي ضربت المنطقة، تنقّلت المجلة بين بيروت ودمشق بحسب الظروف، محافظةً على حضورها رغم كل التحديات، إلى أن فرضت الظروف الاقتصادية والأمنية توقفها عن الصدور، وهو توقف لم يكن نتيجة تراجع دورها أو انصراف قرائها عنها، بل نتيجة واقع فرض نفسه على قطاع النشر بأكمله.
واليوم، يقف مالك امتياز المجلة أمام قرار ليس سهلاً. فهو لا يعرض للبيع مجرد اسم تجاري، بل تاريخاً كاملاً من الثقة والاحترام. ويقول إن بيع امتياز “طبيبك” يشبه بيع لوحة أصلية لبيكاسو أو ليوناردو دافنشي؛ فقيمة اللوحة ليست في ألوانها، بل في تاريخها ورمزيتها، وكذلك الأمر بالنسبة لهذه المجلة التي شكّلت وجدان أجيال كاملة من القراء العرب.
ويرى أن أمام المالك الجديد أكثر من طريق لإحياء هذا الإرث. فبإمكانه إعادة إصدار المجلة بحلتها الكلاسيكية التي أحبها القراء، مع تطوير محتواها بما يواكب العصر ويحافظ في الوقت نفسه على روحها الأصيلة. ويمكنه تحويلها إلى منصة ثقافية وصحية عربية رائدة تجمع بين المطبوع والرقمي دون التفريط بهويتها التاريخية. كما يمكن أن يؤسس متحفاً يحمل اسم “طبيبك”، تُعرض فيه أعدادها النادرة ووثائقها وصورها وأغلفتها، إلى جانب تنظيم ندوات ومحاضرات حول تاريخ الطب العربي والإعلام الصحي و الدور الذي لعبته “طبيبك”في هذا المجال، لتبقى الرسالة حية في ذاكرة الأجيال.

في زمنٍ تتزاحم فيه المنصات الرقمية وتختفي مئات المواقع الإلكترونية كل عام، تبقى العلامات التي صنعت التاريخ قليلة جداً. و”طبيبك” واحدة من تلك العلامات التي لم تَبْنِِ شهرتها بالإعلانات، بل بثقة القارئ. تلك الثقة التي لا تُشترى، بل تُبنى عبر سنوات طويلة من المصداقية.
لذلك فإن من يشتري “طبيبك” اليوم، لا يشتري أرشيفاً من الأوراق الصفراء، بل يقتني اسماً محفوراً في الذاكرة العربية، وعلامة إعلامية سبقت عصرها، ورسالةً ساهمت في رفع مستوى الوعي الصحي لملايين البشر، يوم كان الوصول إلى المعلومة الطبية الصحيحة حلماً، لا ضغطة زر.
ولهذا، فإن البحث عن مالك جديد لهذه المجلة ليس مجرد إعلان بيع، بل هو دعوة للحفاظ على جزء أصيل من التراث الطبي والإعلامي العربي، حتى يبقى هذا الاسم الكبير حاضراً في المستقبل، كما كان حاضراً في ذاكرة الماضي.
ولمن يرى في هذا الإرث مشروعاً يستحق أن يستمر، يمكن التواصل مع مالك الامتياز على الرقم:
+961 3 302 414

























































