بعد سنوات طويلة بقيت خلالها مصفاة طرابلس شاهداً صامتاً على مرحلة كانت فيها المدينة عاصمةً لصناعة النفط في شرق المتوسط، عاد هذا الملف إلى الواجهة بقوة مع الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى العراق، حيث برزت إعادة إحياء المصفاة وخط أنابيب النفط العراقي – اللبناني كأحد أبرز الملفات الاقتصادية المطروحة على طاولة المباحثات. وبينما ينظر البعض إلى المشروع على أنه فرصة تاريخية لإنعاش الاقتصاد اللبناني، يرى آخرون أن الطريق لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالتحديات السياسية والمالية والأمنية.
فالزيارة إلى بغداد لم تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية أو البحث في استمرار تزويد لبنان بالوقود، بل حملت معها رؤية أوسع تقوم على إعادة لبنان إلى خريطة الطاقة الإقليمية، عبر إحياء خط أنابيب كركوك – طرابلس، وإعادة تشغيل مصفاة طرابلس بعد توقفها منذ أكثر من أربعة عقود. وقد شارك في الزيارة عدد من الوزراء المعنيين بالطاقة والمالية، فيما أكدت المصادر الرسمية أن ملف الطاقة كان في صدارة النقاشات بين الجانبين.
وتاريخياً، لم تكن مصفاة طرابلس مشروعاً عادياً. فقد أنشئت في أربعينيات القرن الماضي لتكون المحطة النهائية لخط أنابيب النفط القادم من حقول كركوك العراقية، والذي كان يمتد لمسافة تقارب ألف كيلومتر وصولاً إلى الساحل اللبناني. وكانت المصفاة تستقبل مئات آلاف البراميل يومياً، قبل أن تتوقف تدريجياً مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ثم يتوقف الخط بالكامل في أوائل الثمانينيات نتيجة المتغيرات السياسية والأمنية في المنطقة.
اليوم، يبدو أن الظروف الإقليمية تعيد هذا المشروع إلى دائرة الاهتمام. فالعراق، الذي يسعى إلى تنويع منافذ تصدير نفطه بعيداً عن الخليج العربي ومضيق هرمز، يرى في الساحل اللبناني منفذاً استراتيجياً نحو البحر المتوسط والأسواق الأوروبية، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية التي تجعل أي بديل لطرق التصدير التقليدية ذا أهمية متزايدة. وفي المقابل، يجد لبنان في هذا المشروع فرصة لاستعادة أحد أهم أصوله الاقتصادية المعطلة منذ عقود.
ولا تقتصر الفكرة على إعادة ضخ النفط عبر الأنبوب القديم، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل مصفاة طرابلس، وتطوير خزانات التخزين، وإنشاء وحدات جديدة للتكرير والبتروكيماويات، على أن تبدأ المرحلة الأولى بنقل النفط العراقي عبر الصهاريج إلى طرابلس، ريثما تنتهي أعمال إصلاح خط الأنابيب الذي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب في سوريا. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن إعادة تأهيل الأنبوب قد تستغرق نحو ثلاثة عشر شهراً إذا توفرت الظروف السياسية والتمويل اللازم، فيما تُقدَّر الجدوى الاقتصادية للمشروع بأكثر من مليار دولار سنوياً.
أما الكلفة، فهي تبقى من أكثر الملفات تعقيداً، إذ لم تصدر حتى الآن أرقام رسمية نهائية. إلا أن خبراء الطاقة يقدّرون أن إعادة تأهيل الأنبوب، وتحديث المصفاة، وبناء منشآت حديثة للتكرير والتخزين قد تتطلب استثمارات تصل إلى عدة مليارات من الدولارات، بحسب حجم الأعمال المطلوبة والمعايير البيئية والتكنولوجية التي ستُعتمد. غير أن مؤيدي المشروع يرون أن هذه الكلفة يجب النظر إليها باعتبارها استثماراً طويل الأجل، لا مجرد نفقات إنشائية، نظراً للعائدات الاقتصادية التي يمكن أن يحققها للبنان لعقود مقبلة.

فإذا عاد المشروع إلى العمل، فإن لبنان سيستفيد على أكثر من مستوى. أولاً، ستتحول طرابلس مجدداً إلى مركز إقليمي لتخزين النفط وتكريره وتصديره، ما يعيد إليها دورها التاريخي كمحور للطاقة في شرق المتوسط. وثانياً، سيوفر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات الهندسة والصيانة والخدمات اللوجستية والنقل والصناعات البتروكيماوية. كما سيؤدي إلى تنشيط مرفأ طرابلس، وزيادة حركة الشحن البحري، وتحفيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية الخاصة، بما يعزز التنمية في شمال لبنان الذي عانى لعقود من التهميش الاقتصادي.
كذلك، قد يحقق لبنان إيرادات مستدامة من رسوم العبور والتخزين والتكرير، فضلاً عن تخفيض جزء من كلفة استيراد المشتقات النفطية إذا أصبحت عمليات التكرير تتم محلياً بدلاً من الاعتماد الكامل على المنتجات المستوردة. كما أن امتلاك منشآت تخزين كبيرة يمنح البلاد هامشاً أفضل في إدارة احتياطاتها النفطية خلال الأزمات العالمية.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم التحديات. فنجاح المشروع يرتبط باستقرار الأوضاع الأمنية في العراق وسوريا ولبنان، وبالتوافقات السياسية الإقليمية، إضافة إلى تأمين التمويل الضخم اللازم، وإجراء إصلاحات إدارية وتشريعية تعيد ثقة المستثمرين. كما أن أي تصعيد أمني أو تعثر سياسي قد يعيد المشروع إلى نقطة الصفر، كما حدث مرات عديدة خلال العقود الماضية.
ومن الناحية البيئية، فإن إعادة تشغيل مصفاة يعود تاريخها إلى أكثر من سبعين عاماً تفرض ضرورة تحديثها بالكامل وفق أحدث المعايير الدولية للحد من الانبعاثات والتلوث، خصوصاً أن صناعة التكرير باتت تخضع اليوم لمتطلبات بيئية أكثر تشدداً مما كانت عليه في القرن الماضي.
وتأتي أهمية المشروع أيضاً في توقيته. فالعالم يعيش مرحلة إعادة رسم لخريطة الطاقة، مع البحث عن طرق تصدير أكثر أمناً ومرونة، فيما تتنافس موانئ شرق المتوسط على جذب الاستثمارات النفطية واللوجستية. وإذا تمكن لبنان من استثمار موقعه الجغرافي وبنيته التحتية بعد تطويرها، فقد يستعيد جزءاً من دوره الذي فقده منذ عقود، بدلاً من أن يبقى مجرد مستورد للطاقة.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تتحول الوعود إلى مشاريع على الأرض؟ فاللبنانيون اعتادوا سماع خطط كبيرة لم ترَ النور، إلا أن الظروف الحالية تمنح هذا المشروع زخماً مختلفاً، نتيجة تقاطع المصالح اللبنانية والعراقية، والحاجة الإقليمية إلى منافذ جديدة للطاقة.
وفي حال نجحت الحكومتان في ترجمة ما تم تداوله خلال زيارة نواف سلام إلى اتفاقات تنفيذية واضحة، وتأمين التمويل والإصلاحات المطلوبة، فقد تستعيد مصفاة طرابلس مكانتها كأحد أهم المشاريع الاقتصادية في لبنان، وتتحول من منشأة مهجورة إلى رافعة للنمو وفرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني. أما إذا بقي المشروع أسير التجاذبات السياسية والتأخير الإداري، فإن المصفاة ستظل رمزاً لفرص ضائعة، وسيبقى لبنان خارج التحولات الكبرى التي تعيد رسم مستقبل الطاقة في المنطقة.


























































