د. غالب خلايلي
قارب شهر تشرين الأول/أكتوبر على الانتهاء، وما زال الجو في الخليج حاراً ورطباً، وإن بدأت نسمات لطيفة تظهر في الليل، وتستمر حتى الصباح. إنّ مثل هذا الجو ما زال يستدعي تكييفاً على مدار الساعة، وحتى -معه- قد تحتاج إلى تبديل ملابسك المبللة مرة أو عدة مرات، لا سيما عقب العودة إلى المنزل، من مشي أو عمل، بل وبعد الاستحمام أيضا.
أما الجديد في برنامجي، فهو أنني قررت -بناء على دراسة حركة المرضى- إضافة السبت إلى يوم عطلتي الأسبوعية الجمعة، وكم وجدته رائعاً يوم السبت، إذ غدوتُ أكثر حرية في راحتي وحركتي.
حركة المؤتمرات الطبية في الإمارات لا تنقطع، وقد سبق أن حدثتكم عن مؤتمر الأمراض العصبية عند الأطفال في أبو ظبي الشهر الفائت، وها نحن أولئك اليوم، زوجتي وأنا، في فندق موفنبيك البستان في دبي، لحضور المؤتمر الدولي السادس في طب الأطفال (ICP6)، بناء على دعوة كريمة من منظميه.
استيقظنا مبكرين صباح السبت 24 أكتوبر 2026، فائق الرطوبة، وبعد إفطار خفيف، توجهنا من العين (دار الزين) إلى الفندق المذكور في دبي (دار الحي)، التي بدت أبراجها العالية في الصباح سديمية، لكنها راحت تتضح شيئاً فشيئاً مع تقدمنا إليها، ونحمد الله أن مكان الفندق واقع في الجهة القريبة التي نعرفها من دبي، قريباً من مطارها الدولي الرائع، ومع متابعتي تعليمات زوجتي الصارمة على غوغل، وصلنا مبتغانا على الرغم من أعمال طرق غير قليلة، تجعلنا والبرنامج في حيص بيص.

موفنبيك “النورس يلتقط طعامه”:
ها نحن أولئك في الفندق الذي عرفناه قديماً قبل نحو ثلاثة عقود باسم (البستان)، وقد تطور كثيراً إلى حد الإدهاش بعد أن صار في عهدة سلسلة الفنادق Mövenpick، على غرار معظم فنادق دبي الفاخرة، تلك التي نتعب بالوصول إليها، ولكننا نشعر براحة فائقة بمجرد الوصول.
على أن لهذا الفندق في أحد فروعه القريبة أيضاً ذكرى غالية عليّ، تعود إلى شهر آب/ أغسطس من عام 2012، ففيه كان عرس ابنتي الأولى في جو بهيج استطعتُ بالكاد أن أمنع دموعي من الانهمار متأثراً بالأغاني التراثية الفلسطينية، وبانتقال ابنتي إلى حياتها الجديدة.
كان لا بد لي والحال هذه أن أتساءل عن معنى هذا الاسم الغريب للفندق، لأجدَ أنه علامة تجارية سويسرية منذ عام 1948، وأن كلمة موفنبيك ألمانية الأصل، مشتقة من كلمتين Möve طائر النورس، وpicken أي يلتقط (وهي طريقة النورس السريعة في التقاط طعامه).
ومع أن اليوم هو عطلة نهاية الأسبوع، إلا أننا وجدنا بسهولة موقفاً لسيارتنا، لنتوجه إلى باب الفندق حيث يستقبلك موظفوه بكل الترحاب، ويوجهونك إلى قبو تنزل إليه بدرج طويل نحو قاعات ضخمة جميلة يتداخل بعضها ببعض، تحتضن كبرى شركات الأدوية في العالم، ولا عجب فتلك هي دبي المدهشة التي تعد واحدة من أشهر المدن العالمية على غرار نيويورك ولندن.
فنجان قهوة عقب مسيرة ساعة ونصف لا يضير، بل يفتح الذهن على الإنصات للمحاضرين في قاعة ضخمة أخرى مزودة بكل ما يلزم.

مع الزملاء من كل مكان:
ينتهي فصل من الفصول، ونخرج جميعاً إلى البهو الواسع، بل قل الأبهاء الثلاثة التي تعمر بشركات الأدوية وموظفيها الشبان الوسيمين وموظفاتها الشابات الجميلات في أبهى الحلل، وكثير منهم كما اكتشفت من سوريا الحبيبة، وتساءلت في سرّي: لماذا لا ينوّرون لنا مدينة العين؟ العين ليست بعيدة كثيراً، وفيها جامعة الإمارات العربية المتحدة وكلية الطب، وكليات أخرى، وعدد كبير من المستشفيات والمراكز الطبية يفوق حاجة الناس، ومع ذلك لا نراهم مثلما كانوا يفعلون من قبل، يوم كنا نحار بما يعطوننا إياه من أدوية وعلب حليب وهدايا ناعمة لطيفة، ساعات حائط ومفكرات (لم يعد أحد ينظر إليها اليوم) وأقلام… أذكر أنني لو أردت افتتاح مخزن حليب قبل ربع قرن لأمكنني ذلك، كما أذكر أنني كنت أعاني في تصريف ذلك الحليب، فقلة تحتاجه أينما سألنا. واليوم، لعلني المقصود بقلة الزيارات، وبالطبع لا أرى هجمة المندوبين على الأماكن الكبيرة الشهيرة، حيث أعلى المبيعات. أذكر مثلا أن آخر علبة حليب وصلتني قبل أكثر من سنتين، مع بروتوكول استلام وتسليم، وآخر علبة دواء كانت قبل سنوات، عدا بعض إرذاذ الماء المملح ( Normal Saline) الذي كان يصلني من مندوب هندي لطيف، بل والأجمل من ذلك أن تلك الشركات ما عادت تقبل بيعي بعض الحقن الضرورية، كما كانت تفعل، مما يجعلني أطلبها من الصيدليات العادية، بأسعار عالية.
مع المعلمة الدكتورة سحر إدلبي:
وأنا أمسك بصحنٍ لوضع بعض قطع البطيخ والشمام فيه، جاء زميل يناديني إلى لقاء شخصية عزيزة على معظم خريجي مستشفى الأطفال الجامعي بدمشق، وأعني الأخت المعلمة الدكتورة سحر إدلبي. تركت صحني وتوجهت إلى حيث يحتفي بها أطباء المؤتمر وبعض الزملاء، وبدا لي، من الحديث، أنني كنت أنظر تجاهها دون أن أميزها من بعيد، أو دون أن أنتبه بسبب شرودي في أمور وأمور. كانت الدكتورة سحر، الطبيبة السورية الوحيدة المشاركة في المؤتمر والقادمة من دمشق، وقد أنهت لتوها محاضرتها عن مرض غدي كظري نادر عند الأطفال. وكان لقاء سعيداً جداً، ناديت بعده زوجتي التي كانت تجلس في مكان قصي، للسلام عليها، ولتنفتح بعد ذلك الأحاديث العائلية، لا سيما عن توزع الأولاد في بقاع العالم. وفي الوقفة ذاتها صادف وجود الدكتور المختص بالخدج والولدان د. محمد خليل، وقد تكرّم بدعوتي إلى مؤتمر مستشفاه (كند) السادس في العين في 13 نوفمبر القادم، في فندق دانات العين، المعروف سابقاً باسم انتركونتيننتال.
بعدئذ توجهنا إلى بعض شركات الأدوية، لنعود منها إلى المحاضرات، أذكر منها محاضرة الدكتور ابن الأردن الشقيق وليد أبو حمور عن التهاب السحايا بالسحائيات، أخطر مرض يمكن أن يسمع به طبيب، لسرعة سيره وفاجع أمره، فالوفيات به قد تتجاوز 10% من الحالات، ولهذا دعاه إخوتنا السودانيون (أبو فرّار)، والفرّار هو المنجل الذي يحصد الحشائش والقمح.. وقد ذكر المحاضر وباءين حديثين الأول في عُمان، والثاني في بريطانيا، وركز على أهمية التطعيم الحديث به، الذي تبين أن معظم الحاضرين من الأطباء غير محصنين به.

اجتماع على الغداء:
قاعة كبيرة جدا ضمت كل الضيوف الذين بدَوا لي أكثر ممن كانوا في قاعة المؤتمر. الطعام طيب ولا شك، وعمال الفندق آتون ذاهبون لملء الأوعية التي استهلكت. وقد كان نصيبي مجموعةُ خضروات مع متبلاتها بإشراف زوجتي، ثم لفافتا جبن، وقليل من الأرز الأصفر الذي رافق ما سمّوه المنسف الأردني، والذي سبحت في لبنه الشهي بعض قطع لحم، إذ يبدو أن هذه الأكلة التراثية محبوبة كثيرين.
والجدير بالذكر أنني اجتمعت مع زميلة كبيرة وقت المؤتمر، الأخت الدكتورة منى الرفاعي، ومع زميلين كبيرين، الأخ الدكتور أيمن الكتبي، والأخ الدكتور أمير طليمات، وعدد من الزملاء الجدد.
لقاء مع سيدتين لطيفتين بريطانية وإيرلندية:
ها قد انتهى الغداء نحو الثالثة والنصف عصراً.. وكان لا بد من العودة إلى قاعة المحاضرات.
وفيما كنت عابراً، لفتت نظري سيدتان شقراوان ناضجتان تحزمان بضاعتهما من الحليب، بنيّة مغادرة القاعة، وقد غادرت معظم شركات الأدوية والحليب. كانت السيدتان في الطور الأخير قبل الرحيل. وكانت بعض علب الحليب الجاهز معهما قد لفتت نظري وأنا أتجول، إذ لم أعرفها من قبل، على الرغم من أن رأسي مزدحم بمعلومات الحليب المجفف (بقراً وماعزاً.. وربما فِراساً وأتناً) وأشكاله التي تبدو بلا نهاية.
عرّفت السيدتين بنفسي، البريطانية Mrs Siobhan Fotheringham والإيرلندية Patricia Russel وكان أن استقبلتاني أجمل استقبال، وكأنها آتيتان للتو لا مغادرتَيْن، وشرحتا لي بهدوء وروية عن الحليب البريطاني الذي يعرّفان الأطباء به، منه ما هو بقري ومنه ما هو مَعْزي (من الماعز)، ناهيك عن إسهاماتهما في الأعمال الخيرية في كثير من البلدان المحتاجة.
والحق أن هاتين السيدتين أعادتا لي ذكرياتي الدافئة عن بريطانيا في بورموث ومانشستر ولندن، في بلد حسن التنظيم والإدارة، جميل التعامل مع الناس من الدكّان الصغير إلى المتجر الكبير إلى المكتبات الغنية الكبيرة، إلى المتاحف الأكبر والأغنى، فشكرتهما كثيراً، ثم ودعتهما على أمل اللقاء فيما بعد.
العودة إلى قاعة المؤتمر ثم العودة إلى العين:
بعد وداعي السيدتين المذكورتين رحتُ آخذ بعض القهوة مع الحليب، منعاً للغفو الشائع بعد الغداء، وتوجهت إلى قاعة المحاضرات. كانت نحو الرابعة والربع عصراً. الحاضرون الآن أقل من ربع الحاضرين في الصباح، وقد غادر معظمهم. جلستُ نحو ساعة أستمع إلى المحاضرات، ولما آنستُ نعاساً وتعباً مفاجئاً قررت العودة إلى العين قبل غروب الشمس.
الطريق إلى العين أسهل نوعاً ما، وإن ضعنا قليلاً عند الخروج، بسبب ارتباك غوغل معنا. بعد نحو ربع ساعة استلمنا الطريق الذي فاجأني بحق. في الماضي كان المخرج إلى العين خالياً يمنة ويسرة، إلا من محطة بترول هنا وهناك. الآن يبدو معقداً بتفرّعات كثيرة، والأهم بعدد هائل من المباني الحديثة والأبراج العالية، وكأن مدينة جديدة تنشأ هناك.
ومع استئناسنا بالطريق الذي عرفناه لعقود، ارتاحت أنفسنا، ورحنا نستعيد اللحظات الدافئة مع كل من قابلناهم، حتى وصلنا إلى البيت.
دمتم بخير
العين في 26 تشرين الأول 2026





















































