في قراءة شاملة للواقع الاقتصادي الراهن، ورؤيته لمرحلة ما بعد الحرب، وخريطة الطريق التي تعتمدها الحكومة لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة، أكد وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني د. عامر البساط في حديث للزميلة “الإقتصاد و الأعمال” أن “إنهاء الحرب والإصلاح هما شرطان للاستثمار والنهوض”، وأن “الاستثمار والتصدير هما ركيزة أساسية لاقتصاد عصري ومُستدام”. أضاف: “أن الأولويات لم تتغيّر، بحيث أن العمل لا يزال يتمحور حول مشروع إعادة بناء اقتصاد جديد للبنان، يقوم على أسس حديثة بعيداً عن الاقتصاد الريعي، ويرتكز على الاستثمار والتصدير باعتبارهما الركيزة الأساسية لبناء اقتصاد عصري ومستدام “. تابع:”إن العمل لا يزال في مرحلة التخطيط، فيما يتمثل التحدي الأبرز في تأمين التمويل اللازم، نظرًا إلى الكلفة المرتفعة جدًا لعملية إعادة الإعمار”، لافتًا إلى أن “النقاش يتركز حاليًا على مصادر التمويل وآليات استخدام الأموال، ولم يصل بعد إلى المرحلة التنفيذية”. و عن تمويل إعادة الإعمار، قال:”أن بعض الخطوط العريضة بدأت تتبلور.فالنقاش يتمحور أولًا حول نموذج التمويل، وما إذا كان سيكون تمويلًا ثنائيًا أم متعدد الأطراف، كما يشمل البحث في آلية إدارة عملية إعادة الإعمار والجهة التي ستتولى الإشراف عليها “.
وفي معرض رده على سؤال، أوضح الوزير البساط أن “قدرة الدولة على التمويل ستكون محدودة في ظلّ الوضع الصعب للمالية العامة”، مشيرًا إلى “وجود قرار استراتيجي بعدم العودة إلى نموذج الاقتراض الكبير الذي كان معتمدًا في السابق ، و بدلا من ذلك، ارتأينا أن يكون الاعتماد الأساسي على القطاع الخاص، والقطاع الاستثماري، والاغتراب اللبناني”.
وعلى صعيد مسار تعافي الاقتصاد اللبناني بعد صدمَتَيْ الحرب والتضخم، أكد وزير الاقتصاد أن “انتهاء الحرب ووقف إطلاق النار يشكلان نقطة انطلاق أساسية نحو التعافي”. وقال إن “إعادة الإعمار تشكّل عاملًا محفزًا للنمو، إذ تساهم في إعادة تشغيل الشركات والمؤسسات التي توقفت عن العمل، وتحريك مختلف القطاعات المرتبطة بالبناء والخدمات والإنتاج”، موضحاً أن “هناك مجموعة من العوامل التي ستدعم هذا المسار، في مقدمتها عودة المغتربين، وإعادة الإعمار، واستئناف المؤسسات والشركات نشاطها “.وفي ما يتعلق بأولويات الإصلاح الاقتصادي ومدى ارتباطها ببرنامج الحكومة وصندوق النقد الدولي، أكد أن” لبنان لا يملك ترف تأجيل الإصلاحات”، مشيرًا إلى أن “جزءًا كبيرًا من المساعدات الخارجية أصبح مرتبطًا بتنفيذ إصلاحات واضحة على المستويات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية ، و أن العمل على هذا المسار لم يتوقف حتى خلال أشهر الحرب، وأن النقاشات مع صندوق النقد الدولي استمرت بصورة متواصلة، باعتبار أن الإصلاحات تشكّل أساس أي مسار لدعم الاقتصاد واستعادة الثقة ” .ثم أردف قائلا:” يبقى إصلاح القطاع المصرفي في مقدمة الأولويات، باعتباره الملف الأول الذي يطرحه المستثمرون والجهات الدولية، والمدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني وتمكين القطاع المصرفي من استعادة دوره في تمويل النشاط الاقتصادي “. أضاف أن “الإصلاحات لا تقتصر على القطاع المصرفي، بل تشمل أيضًا تعزيز استدامة المالية العامة، ومعالجة ملف التعثر في سداد سندات “اليوروبوند”، وإعادة بناء مالية عامة قادرة “. وعن معالجة الفجوة المالية، أكد وزير الاقتصاد وجود توافق واسع بين الحكومة ومصرف لبنان حول المبادئ الأساسية التي تحكم هذا الملف، مشيرًا إلى أن مسألة توزيع الخسائر شكّلت محور نقاش داخلي، كما كانت موضع بحث مع صندوق النقد الدولي. وأوضح أن هذا النقاش شهد تطورًا تدريجيًا مع مرور الوقت، ما ساهم في تقليص التباينات والوصول إلى قدر أكبر من التقارب في وجهات النظر.
وفي ما يرتبط بالإصلاحات المالية، أكد الوزير أن تحديث النظام الضريبي وتعزيز الاستدامة المالية يعتبران من الأولويات الأساسية في المرحلة المقبلة، موضحا أن النظام الضريبي اللبناني يحتاج إلى إعادة هيكلة بما يضمن عدالة أكبر في توزيع الأعباء، ويؤمن للدولة موارد أكثر استقرارًا، بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي اتسمت بها إدارة المالية العامة خلال السنوات الماضية.
وفي شأن إصلاح الإدارة العامة والمؤسسات، شدد البساط على أن الحوكمة تمثل حجر الأساس لأي مسار إصلاحي جدي، موضحًا أن إعادة بناء مؤسسات الدولة لا تقتصر على الإجراءات الإدارية، بل تتطلب تعزيز الرقابة، ورفع مستوى الكفاءة، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح، إلى جانب ترسيخ مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد.
و بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي خلال العام 2026، أكد الوزير أن تحديد موعد زمني نهائي يبقى سابقًا لأوانه، في ظلّ استمرار التحديات الأمنية وعدم اكتمال الصورة النهائية لحجم الأضرار وكلفة إعادة الإعمار.
وبالإنتقال إلى إمكانية عودة الاستثمارات العربية والخليجية إلى لبنان، أكد وزير الاقتصاد أن الاستقرار الأمني يشكل العامل الأول والأساسي لاستعادة ثقة المستثمرين، مشيرًا إلى أن جذب رؤوس الأموال يتطلب قبل كل شيء توفير بيئة مستقرة قادرة على طمأنة المستثمرين وتشجيعهم على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
وبالعودة إلى دور الاغتراب اللبناني في المرحلة المقبلة، أكد الوزير أنه يمثل أحد أهم الثروات الاقتصادية التي يمتلكها لبنان، مشيرًا إلى أن الدولة تستثمر لسنوات في بناء رأس المال البشري اللبناني من خلال التعليم والتدريب وتنمية المهارات، قبل أن ينتقل هذا الإنسان إلى أسواق العمل الخارجية ويسهم لاحقًا في دعم الاقتصاد عبر التحويلات المالية والنشاط الاقتصادي المرتبط بزياراته إلى لبنان.
وكشف أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من نموذج يعتمد على تحويلات المغتربين إلى نموذج يجعل منهم مستثمرين مباشرين وشركاء في التنمية الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بمستقبل العلاقات الاقتصادية اللبنانية – السورية، أكد الوزير أن المرحلة الحالية تشكل فرصة لإطلاق مسار جديد من التعاون بين البلدين، مشيرًا إلى وجود انفتاح متبادل ورغبة في تطوير العلاقة على أسس عملية تتجاوز الإطار التقليدي أو البروتوكولي.وأوضح أن الروابط الاقتصادية بين لبنان وسوريا تستند إلى عوامل جغرافية وتاريخية ومصالح مشتركة، لافتًا إلى أن كلا البلدين يدرك أهمية الآخر على المستوى الاقتصادي. أضاف أن “المستثمر اللبناني يمتلك مقومات تؤهله للعب دور مهم في السوق السورية، نظرًا إلى معرفته بطبيعة هذه السوق وخبرته في التعامل معها “.























































