في منطقة لا يتجاوز سكانها 8 إلى 9 في المئة من سكان العالم، تتجمع قرابة نصف الاحتياجات الإنسانية العالمية. هذا هو الرقم الذي تختصر به منظمة الصحة العالمية المشهد الصحي والإنساني في إقليم شرق المتوسط، حيث يحتاج نحو 117 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، ويواجه 80 مليوناً مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، فيما بلغ عدد النازحين والأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية أو المساعدة نحو 60.4 مليوناً. وبين النزاعات المسلحة والكوارث المناخية والأوبئة وتراجع قدرة الأنظمة الصحية، تدخل المنطقة مرحلة شديدة التعقيد، مع 13 حالة طوارئ صحية مصنفة على مستوى حاد أو ممتد و48 تفشياً مرضياً نشطاً في مختلف دول الإقليم.
وتكشف الأرقام أن الأزمة لم تعد محصورة في جبهة واحدة أو دولة واحدة، بل أصبحت شبكة متداخلة من المخاطر الصحية والإنسانية. ففي تموز 2026 وحده، وثقت منظمة الصحة العالمية 19 هجوماً على الرعاية الصحية في أربع دول من الإقليم، أي أكثر من نصف الهجمات الـ36 التي سجلت عالمياً خلال الشهر نفسه. وأسفرت هذه الاعتداءات عن ثلاثة قتلى و15 جريحاً، وطالت العاملين الصحيين والمرضى والمنشآت الطبية ووسائل النقل والمستلزمات والمستودعات. ورغم أن العدد انخفض مقارنة بالأشهر السابقة بالتزامن مع تراجع الهجمات المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط بعد اتفاقات وقف إطلاق النار، فإن استمرار الاعتداءات يؤكد أن الهدنة لا تعني بالضرورة عودة القطاع الصحي إلى الأمان.
وفي قلب هذه الصورة يقف لبنان أمام واحدة من أثقل الأزمات الصحية والإنسانية. فبحسب التقرير، سجل لبنان منذ الثاني من آذار 4,335 وفاة و12,281 إصابة، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً 352,793 شخصاً في السادس من آب، وكان 22,800 منهم موجودين في مراكز إيواء جماعية في العاشر من آب، بينما بدأ 834,651 شخصاً بالعودة إلى مناطقهم الأصلية. ومع ذلك، بقيت ثلاثة مستشفيات و24 مركزاً للرعاية الصحية الأولية مغلقة، ما يعكس حجم الضغط الذي تركته الأزمة على البنية الصحية وقدرتها على استعادة نشاطها بصورة كاملة.
وفي مواجهة هذا الواقع، عززت منظمة الصحة العالمية استعداد القطاع الصحي اللبناني للتعامل مع الإصابات الجماعية والطوارئ، فدربت نحو 5,400 من العاملين في 125 مستشفى على إدارة الإصابات الجماعية والرعاية الرضّية، وقدمت مستلزمات خاصة بالصدمات، كما دعمت إعادة تشغيل المختبر المركزي للصحة العامة، بما فيه المختبر المرجعي الوطني للأمراض الناشئة والمتجددة. كذلك نشرت ثلاثة ممرضين لتعزيز الترصد والكشف المبكر والوقاية من العدوى ومكافحتها وتطبيق اللوائح الصحية الدولية، فيما تعاونت مع وزارة الصحة العامة على نشر مواد توعوية في مراكز الإيواء حول الوقاية من الأمراض المعدية والمياه والغذاء الآمن والإسهالات والتهاب الكبد A والتهابات الجهاز التنفسي والحصبة وداء الكلب. وتبقى إحدى أبرز التحديات في لبنان تحديد الاحتياجات الصحية للعائدين في المناطق التي يصعب الوصول إليها، إضافة إلى التقاط الشكاوى والمؤشرات الصحية الصادرة عن المجتمعات المحلية.
وتشير المنظمة إلى أن الاستجابة المنسقة في لبنان وصلت بحلول نهاية تموز إلى ما يقدّر بنحو 1.2 مليون شخص، بينهم أكثر من 485 ألفاً استفادوا من تدخلات صحية، فيما استفاد أكثر من 1.3 مليون شخص من دعم يتعلق بالمياه والصرف الصحي والنظافة. وعلى صعيد الأدوية، ظل نحو 90 في المئة من الأدوية المدرجة على القائمة الأساسية لأدوية الأمراض غير السارية لدى وزارة الصحة العامة متوافراً، لكن استمرار الاضطرابات الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن وتأخر عمليات التسليم يهدد استقرار سلسلة الإمداد مستقبلاً.
ولا تتوقف المخاطر اللبنانية عند الإصابات والنزوح. فقد سجل نظام الترصد خلال الأسابيع 27 إلى 30 نحو 33 إشارة وبائية، جرى التحقق من جميعها خلال 24 ساعة واستكمال التحقيق فيها. وكانت الأحداث المرتبطة بالغذاء في صدارة الإشارات، تلتها أمراض الإسهال الحادة والتعرض لداء الكلب. وفي إطار الاستجابة، دربت منظمة الصحة العالمية 237 من العاملين الصحيين على إدارة حالات داء الكلب وعضات الحيوانات. كما شاركت المنظمة ووزارة الصحة ووزارة الزراعة في تدريب حول خطط الاستجابة الطارئة متعددة القطاعات لسلامة الغذاء، وأُعدت إرشادات لمفتشي سلامة الغذاء والمطابخ الجماعية.
أما على صعيد الصحة النفسية، فتظهر الأزمة اللبنانية وجهاً آخر لا يقل خطورة عن الإصابات الجسدية. فقد شارك نحو 90 شخصاً يمثلون 57 منظمة في أربع ورش لتحديد الجهات التي تقدم الخدمات ومواقعها، وكشفت العملية عن ثغرات في الخدمات. كما أدى أحد اللقاءات الوطنية إلى ارتفاع مستوى الثقة الذاتية في التنسيق من 36 في المئة إلى 60 في المئة، لكن أنظمة الإحالة المجزأة وضعف القدرة على التنسيق بقيا من أبرز التحديات. وهذا يعني أن آثار الأزمات لا تنتهي بانتهاء القتال أو عودة النازحين، بل تمتد إلى الصحة النفسية وإلى قدرة المؤسسات على توفير رعاية متواصلة للمتضررين.
وفي إيران، تسببت الهجمات بين 27 حزيران و24 تموز في 59 وفاة وأكثر من 666 إصابة. واضطر مستشفى الشهيد باقري في الأهواز إلى الإخلاء المؤقت في 15 تموز بسبب الوضع الأمني في محيطه، فنُقل جميع المرضى البالغ عددهم 211 مريضاً، قبل أن تستأنف الخدمات بعد ست ساعات. وفي إطار الاستجابة، وفرت منظمة الصحة العالمية 16 مجموعة لجراحة الإصابات والطوارئ، وتم تسليم خمس من أصل ست وحدات للطاقة بهدف إعادة تشغيل قدرات المستشفيات، فيما وصلت تدخلات الدعم النفسي والاجتماعي إلى نحو 15 ألف عامل صحي.
وفي العراق، أفادت المنظمة بسقوط نحو 20 قتيلاً و32 جريحاً نتيجة غارات جوية في 29 تموز، في وقت أظهر النظام الصحي نقصاً خطيراً تمثل في عدم وجود مخزونات وطنية من عدد من الأدوية الأساسية. كما أدى الضغط المرتبط بموسم الأربعين إلى زيادة الطلب على الخدمات الصحية على طرق الحج، في حين دعمت منظمة الصحة العالمية الاستعدادات من خلال توفير 65 حقيبة للصدمات وتعزيز نقاط الدخول والترصد والتنسيق عبر الحدود بين العراق وإيران، إلى جانب نشر أكثر من ألف سيارة إسعاف وألفي مركبة دعم.
وفي سورية، استمرت أعمال العنف المحلية ومخاطر المتفجرات والقيود على الحركة، بينما بقي نحو 15 ألف شخص من النازحين من السويداء في مواقع وملاجئ داخل درعا. ويواجه القطاع الصحي نقصاً في الأدوية والوقود ووسائل التشخيص والنقل اللازم للإحالات الطبية. وفي المقابل، شهدت سورية حركة عودة واسعة؛ فمنذ كانون الأول 2024 وحتى 23 تموز 2026 عاد نحو 1.75 مليون لاجئ سوري و1.97 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم، لكن العودة نفسها تفرض ضغوطاً جديدة على الخدمات الصحية في ظل الصعوبات الاقتصادية والنقص في الموارد. وقد أرسلت منظمة الصحة العالمية خلال تموز 695.2 طناً مترياً من المستلزمات الطبية والمخبرية ومستلزمات المياه والصرف الصحي والنظافة إلى مختلف أنحاء البلاد، فيما جرى التحضير لتدريب إضافي على إدارة الإصابات الجماعية في 20 مستشفى.
وفي غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، تواصل المنظمة العمل على تعزيز خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، فيما يجري تطوير اتفاق مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بهدف تعزيز قدرات هذه الخدمات في غزة، عبر التدريب ودمج الدعم النفسي في الخدمات الصحية والخطوط الهاتفية والخدمات المجتمعية. كما اكتمل تدريب مدربين على التدخلات النفسية في الضفة الغربية، ونُفذ تدريب مماثل في غزة.
وفي الأردن، بقيت الخدمات الصحية الأساسية مستمرة من دون انقطاع، فيما واصلت منظمة الصحة العالمية دعم الاستعدادات الطارئة. أما قطر فسجلت إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، نتيجة سقوط حطام، بينما تعرضت منشآت توليد الكهرباء وتحلية المياه في الكويت لأضرار أدت إلى حرائق وتوقفات مؤقتة، قبل أن تسمح إجراءات الطوارئ باستمرار الخدمات الأساسية.
ولا تأتي الحروب وحدها بالتهديد. ففي أفغانستان وباكستان، أظهرت الأمطار الموسمية والفيضانات المفاجئة أن المناخ نفسه أصبح لاعباً رئيسياً في الأزمات الصحية. ففي أفغانستان تسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات في 29 وفاة و129 إصابة وأربعة مفقودين حتى 30 تموز، وأثرت في ما لا يقل عن 300 أسرة في الشرق، وألحقت أضراراً بالمنازل والطرق وشبكات المياه والأراضي الزراعية، فيما دمرت منشأة صحية خاصة وأدت انقطاعات الكهرباء ونقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى تعطيل عمليات الاستجابة. كما زادت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه من مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه. وفي باكستان، أدت الأمطار والرياح الموسمية إلى 155 وفاة و468 إصابة، بينها 73 وفاة لأطفال و156 إصابة بين الأطفال، فيما تضرر 1,345 منزلاً، دُمر 913 منها بالكامل، وأصيبت 37 منشأة صحية بأضرار جزئية لكنها بقيت عاملة.
وفي السودان، تبدو الصورة أكثر قسوة، إذ تتقاطع الحرب مع الأوبئة والجوع والفيضانات. فقد سجلت البلاد تفشيات متزامنة للكوليرا وحمى الضنك والملاريا والحصبة والدفتيريا وشلل الأطفال، مع بروز الكوليرا كأحد أخطر التهديدات، خصوصاً في كردفان. وبين 8 أيار و3 آب، سجل السودان 2,399 حالة كوليرا و215 وفاة في 15 محلية بست ولايات، بمعدل إماتة بلغ 8.9 في المئة. كما سجلت البلاد منذ بداية العام 22,442 حالة حمى ضنك و42 وفاة، و3,118 حالة التهاب كبد E و38 وفاة، إضافة إلى 287 حالة اشتباه بالتهاب السحايا و25 وفاة.
وفي مواجهة هذه الأزمات، دعمت منظمة الصحة العالمية خدمات الرعاية الصحية في السودان عبر 14 مستشفى وأربعة مرافق للرعاية الأولية و18 عيادة متنقلة و27 مركزاً للتثبيت، فيما سجلت العيادات المتنقلة المؤقتة 113,849 استشارة خلال تموز. كما دعمت علاج 2,631 طفلاً دون الخامسة يعانون سوء تغذية حاداً ومضاعفات طبية، وسلمت 20.93 طناً مترياً من الإمدادات الطارئة بقيمة 258,161 دولاراً إلى 16 ولاية.
أما الصومال، فيواجه مزيجاً من النزوح والجفاف والأمراض المعدية وسوء التغذية. فقد سجلت البلاد نحو 15,800 حالة كوليرا وإسهال مائي حاد خلال الأسابيع 1 إلى 30، مع ارتفاع الحالات من نحو 200 في الأسبوع 27 إلى 817 في الأسبوع 30. كما سجلت قرابة 18,500 حالة اشتباه بالحصبة ونحو 7,200 حالة حمى ضنك، إضافة إلى نحو 2,200 حالة دفتيريا، بينما بلغ عدد حالات الإسهال الدموي نحو 5,900 وحالات الملاريا المؤكدة 5,400. وفي الجانب الغذائي، أظهر تحليل الأمن الغذائي أن معدل سوء التغذية الحاد العالمي بلغ متوسطاً قدره 15.1 في المئة، مع وجود 1.88 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، بينهم 493 ألفاً يعانون سوء التغذية الحاد الشديد.
وفي الفترة بين كانون الثاني وحزيران، جرى فحص أكثر من 2.79 مليون طفل في الصومال، واكتشاف 200,614 حالة سوء تغذية حاد شديد. وارتفع عدد المقبولين في مراكز التثبيت من 3,053 في كانون الثاني إلى 4,835 في حزيران، فيما تلقى 23,447 طفلاً يعانون سوء تغذية حاداً شديداً معقداً العلاج في 57 مركزاً، بمعدل تعافٍ بلغ 96.3 في المئة ومعدل وفاة 0.94 في المئة. لكن نقص التجهيزات الغذائية العلاجية وقدرات مراكز التثبيت والتمويل لا يزال يهدد استمرارية الاستجابة.
وفي العراق، يبرز مرض حمى القرم والكونغو النزفية كخطر موسمي مستمر. وبحلول نهاية تموز، سجلت البلاد 284 حالة مؤكدة مختبرياً و24 وفاة، بمعدل إماتة بلغ 8.5 في المئة. واستحوذت محافظة ذي قار على 36 في المئة من الحالات، فيما شكل الذكور 74 في المئة منها، وكان البالغون بين 25 و44 عاماً الفئة العمرية الأكثر إصابة. ورغم انخفاض الحالات من 114 في حزيران إلى 65 في تموز، بقي الانتقال الموسمي للمرض مستمراً.
وفي سورية، سجل تفشٍ لالتهاب المعدة والأمعاء والإسهال المائي الحاد في منطقة مصياف بمحافظة حماة 1,159 حالة بين 11 و31 تموز، حيث جرى التعرف على الإشريكية القولونية والسالمونيلا، بينما استُبعدت الكوليرا، وربطت السلطات الصحية التفشي بتلوث المياه وعدم كفاية الكلورة. وفي ملف الحصبة، سجلت سورية حتى الأسبوع الثلاثين 1,439 حالة مشتبه بها و515 حالة مؤكدة مختبرياً و39 حالة مرتبطة وبائياً وخمس وفيات، مع انخفاض الحالات بنسبة 53 في المئة عن الأسبوع السابق، فيما بقيت حلب ودير الزور الأكثر تأثراً. وفي الأردن، تم تسجيل أكثر من 600 حالة حصبة منذ شباط في عشر محافظات، وكانت معظم الحالات خفيفة إلى متوسطة من دون وفيات.
أما إيران، فإلى جانب تداعيات الحرب، تواجه أيضاً حمى الضنك، إذ جرى تحديد 1,024 حالة بين 19 آذار و1 آب، بينها 976 حالة محلية و20 حالة مستوردة من باكستان في منطقة جامعة تشابهار للعلوم الطبية، فيما كانت إيران قد سجلت في عام 2025 ما مجموعه 1,227 حالة، بينها 1,124 حالة محلية. وتعمل منظمة الصحة العالمية على توفير فحوص سريعة للكوليرا والضنك والملاريا، إلى جانب الأدوية والمبيدات وشبكات الأسرة المعالجة بالمبيدات، رغم أن الوضع الأمني والتغيرات داخل وزارة الصحة أدت إلى تأخير بعض عمليات التخليص والإمداد.
ولا ينفصل هذا المشهد الصحي عن أزمة الغذاء. ففي السودان، وصل عدد الأطفال الذين أُدخلوا إلى مراكز تثبيت سوء التغذية الحاد الشديد المعقد إلى 18,034 طفلاً بحلول نهاية تموز، مع معدل تعافٍ بلغ 91 في المئة، فيما دعمت المنظمة علاج 2,631 طفلاً خلال الشهر نفسه. وفي الصومال، لا يزال نقص الغذاء العلاجي وقدرات مراكز التثبيت والتمويل من أكبر الفجوات التي تعيق الاستجابة.
وتكشف سلاسل الإمداد الطبية بدورها حجم المعركة اللوجستية. فقد تلقت منظمة الصحة العالمية في السودان 56 طناً مترياً من الإمدادات الطارئة بقيمة 968,570 دولاراً، وسلمت 20.93 طناً بقيمة 258,161 دولاراً إلى 16 ولاية. وفي الصومال، وزعت خلال تموز 162 مجموعة طوارئ ووحدات بلغ وزنها الإجمالي 5.38 أطنان على 16 منشأة صحية. وفي سورية، أرسلت المنظمة 695.2 طناً من المستلزمات الطبية والمخبرية ومستلزمات المياه والصرف الصحي والنظافة خلال الشهر. وعلى المستوى الإقليمي، سلم مركز منظمة الصحة العالمية للوجستيات الخاصة بالطوارئ الصحية العالمية ما يقارب 625,400 دولار من الأدوية والمستلزمات إلى عشر دول في تموز، فيما تجاوزت قيمة ما تم تسليمه إلى 45 دولة منذ بداية عام 2026 عشرة ملايين دولار، مع الحفاظ على ما بين 60 و70 في المئة من مستوى العمليات الذي كان قائماً قبل الأزمات عبر ممرات برية تمر من عُمان والسعودية والأردن وسورية وتركيا.
لكن الأزمة الصحية لا تنفصل عن أزمة المناخ. ففي السودان، أثرت فيضانات تموز على 11,837 شخصاً في 2,077 أسرة عبر 23 محلية في سبع ولايات، وألحقت أضراراً بـ237 منزلاً و118 مرحاضاً و25 منشأة صحية، ما رفع مخاطر الكوليرا وحمى الضنك والملاريا بسبب تلوث مياه الفيضانات وتضرر شبكات الصرف الصحي. وفي العراق، اقتربت درجات الحرارة من 50 درجة مئوية خلال موسم الأربعين، وسُجل نحو 500 استشارة مرتبطة بالحرارة خلال فعالية جماهيرية في السماوة، وسط مخاوف إضافية مرتبطة بنقص المياه والصرف الصحي والتصريف. وفي الصومال، تسببت السيول في أضرار للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة، بينما استمرت ضغوط الجفاف في أجزاء من البلاد. أما لبنان، فتواجه صحته العامة ضغوطاً مرتبطة بالحر الشديد وشح المياه وأمن الطاقة وتلوث الهواء والفيضانات، ما دفع المنظمة وشركاءها إلى تطوير معايير لمنشآت صحية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ ومواد لمراقبة جودة المياه.
وفي جانب لا يقل أهمية، تكشف الاستجابة عن ضرورة حماية المتضررين من الاستغلال والانتهاكات داخل البيئات الإنسانية نفسها. ففي السودان، دربت منظمة الصحة العالمية 241 شخصاً في تموز على الوقاية من الاستغلال والانتهاك والتحرش الجنسي، بينما واجهت فجوات في التدريب والتحقق من مدونات السلوك وآليات الإحالة والثقة المجتمعية. وفي الصومال، دُمجت إجراءات الوقاية في تقييمات المخاطر وتدريب العاملين وحملات إذاعية وطنية. وفي لبنان، دربت المنظمة ووكالات الأمم المتحدة 350 موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية على الوقاية من الاستغلال والانتهاك والمساءلة أمام السكان المتضررين، ودعمت آليات الشكاوى والحماية وأنظمة الضمان. وفي سورية، أتاحت الأنشطة المدعومة قنوات للإبلاغ عن الاستغلال والانتهاك لنحو 6,890 شخصاً، فيما تلقى 130 مشاركاً من منظمات دولية ومحلية تدريباً على المقاربات التي تضع الناجين في مركز الاستجابة.
أما الصحة النفسية، فتظهر في التقرير باعتبارها أزمة داخل الأزمة. ففي إيران، وصلت برامج الدعم النفسي والاجتماعي إلى نحو 15 ألف عامل صحي من خلال التدريب ودعم الأقران والاستشارات والإحالات. وفي سورية، تلقى 60 من العاملين الصحيين تدريباً على الرعاية النفسية، كما وفرت أدوية نفسية تكفي لنحو 3,696 دورة علاجية شهرياً، لكن النقص في الاختصاصيين والأدوية والتغطية الجغرافية والتمويل المستدام لا يزال قائماً. وفي العراق، نُفذت تدريبات في الصحة النفسية في جميع المحافظات، بينما أدمج الأردن خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في مبادرة الممر الطبي، بما يشمل دعم الأطفال الذين تم إجلاؤهم من غزة وعائلاتهم.
وفي لبنان، لا تزال الحاجة إلى الصحة النفسية كبيرة، لكن التحدي الأساسي يكمن أيضاً في تنظيم الخدمات نفسها وتنسيقها. أما على المستوى الإقليمي، فقد اكتملت عملية جمع والتحقق من بيانات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، تمهيداً لتحليل الاتجاهات والفجوات وأنماط الخدمات التي ستساعد في التخطيط المستقبلي.
وفي مواجهة هذه الصورة المعقدة، حددت منظمة الصحة العالمية أربع أولويات رئيسية للمرحلة المقبلة: تعزيز الاستعداد للإسراع في الاستجابة لتصعيد النزاعات والمخاطر الموسمية وتخزين الإمدادات مسبقاً، والحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية وقدرات الطوارئ والإصابات والإحالة في المناطق الأكثر تعرضاً، والسيطرة على التفشيات ذات الأولوية عبر التطعيم والترصد والمختبرات والاستجابة السريعة، وتعزيز التنسيق والوصول الإنساني وتعبئة الموارد لسد فجوات الاستجابة وضمان استمرارية الرعاية. كما يجري إعداد تمارين لتحديد المخاطر في قطر والإمارات والصومال ومصر بهدف تحديد المخاطر ذات الأولوية ونقاط الضعف والقدرات المتاحة.
لكن المال يبقى الحلقة الأضعف. فنداء منظمة الصحة العالمية الخاص بأزمة الشرق الأوسط يحتاج إلى 30.3 مليون دولار، لم يكن قد وصل منه سوى 10.5 ملايين دولار، أي 35 في المئة، تاركاً قرابة 20 مليون دولار غير ممولة. وفي الصومال، لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاحتياجات والاستجابة الصحية الإنسانية البالغة 80 مليون دولار 21 في المئة، بينما كان نداء المنظمة البالغ 16.1 مليون دولار ممولاً بنسبة 47.3 في المئة، مع إغلاق أكثر من 500 منشأة صحية، بينها نحو ثلث منشآت ولاية الجنوب الغربي. وفي إيران، بلغ العجز ثلاثة ملايين دولار من أصل 7.2 ملايين مطلوبة، أي 42 في المئة. وفي السودان، لم يصل سوى 13.8 مليون دولار من أصل 97.7 مليوناً مطلوبة، أي 14.1 في المئة فقط، بينما بقي 85.9 في المئة غير ممول. أما سورية، فبلغ تمويل الاحتياجات الصحية البالغة 292 مليون دولار نحو 21 في المئة، فيما كان نداء منظمة الصحة العالمية ممولاً بنسبة 35 في المئة، مع تأثر 117 منشأة أو خدمة صحية، وتوقف 28 في المئة منها بالكامل وعمل 72 في المئة بطاقة مخفضة.
وفي السودان، أطلقت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الاتحادية خلال تموز مبادرة وطنية لفرق الطوارئ الطبية، ووضعت خريطة طريق للتنسيق وفق معايير المنظمة، فيما تلقى 60 من العاملين الصحيين تدريباً لتعزيز الكشف المبكر والإبلاغ والاستجابة. وفي الصومال، نفذت المنظمة وشركاؤها تدريباً استمر خمسة أيام في مقديشو لـ40 مشاركاً من ست ولايات اتحادية، بهدف تعزيز القدرة على التعامل مع الأخطار المتعددة وإدارة الطوارئ والعمليات الميدانية.
وهكذا ترسم منظمة الصحة العالمية صورة لشرق متوسط لم تعد أزماته قابلة للفصل بين الحرب والمرض والجوع والمناخ والنزوح. ففي المنطقة نفسها التي تستنزفها النزاعات، تتكاثر الأمراض المعدية، وتتعرض المستشفيات للهجمات، وتتضرر شبكات المياه والصرف الصحي، وتزداد موجات الحر والفيضانات، بينما تتراجع الموارد المالية المطلوبة لإبقاء الأنظمة الصحية واقفة على قدميها.
والرسالة الأهم في تقرير المنظمة أن الاستجابة الصحية لم تعد مجرد علاج للجرحى أو توزيع للأدوية بعد وقوع الكارثة. إنها سباق مع الزمن لبناء أنظمة تستطيع الصمود قبل الكارثة وأثناءها وبعدها. فالمستشفى الذي يبقى مفتوحاً وسط الحرب ليس مجرد مبنى طبي، والمختبر الذي يستمر في العمل وسط انهيار الخدمات ليس مجرد منشأة، والدواء الذي يصل إلى طفل في منطقة نزاع ليس مجرد صندوق إمدادات؛ إنها كلها خطوط دفاع أخيرة عن حياة المدنيين.
وفي لبنان تحديداً، تبدو المعادلة أكثر إلحاحاً: بلد يواجه آثار النزوح والإصابات والضغط على المستشفيات وسلاسل الإمداد، لكنه في الوقت نفسه يحاول إعادة بناء قدرته على الترصد والاستجابة والوقاية والحفاظ على توافر الأدوية. وبينما بدأت أعداد كبيرة من النازحين بالعودة إلى مناطقهم، فإن عودة الناس لا تعني انتهاء الأزمة الصحية، بل تفتح ملفاً جديداً عنوانه: كيف ستستطيع المجتمعات العائدة الحصول على الخدمات الصحية والمياه الآمنة والأدوية والدعم النفسي في مناطق ما زالت تعاني من آثار الحرب؟
إن أرقام منظمة الصحة العالمية لا تقدم مجرد حصيلة لشهر مضطرب، بل تكشف تحولاً أوسع في طبيعة الطوارئ الصحية في الشرق الأوسط. 117 مليون إنسان يحتاجون إلى المساعدة، 80 مليوناً يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، 60.4 مليوناً في حالة نزوح أو بحاجة إلى الحماية، 48 تفشياً مرضياً نشطاً، و19 هجوماً على الرعاية الصحية خلال شهر واحد. خلف كل رقم إنسان، وخلف كل منشأة مغلقة مجتمع كامل ينتظر عودة الخدمات، وخلف كل فجوة تمويلية احتمال بأن يتحول الخطر القائم إلى كارثة أكبر.
وفي النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط لا يواجه أزمة صحية واحدة، بل منظومة أزمات تتغذى كل واحدة منها من الأخرى. الحرب تخلق النزوح، والنزوح يفاقم سوء التغذية، وتدمير البنية التحتية يرفع مخاطر الأمراض، والمناخ يزيد هشاشة المجتمعات، ونقص التمويل يضعف قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة، ثم تأتي الأوبئة لتضيف طبقة جديدة من المعاناة.
لهذا، فإن المعركة الصحية في المنطقة ليست فقط مع الأمراض والرصاص والفيضانات والحرارة، بل مع الوقت أيضاً. وكل يوم تتأخر فيه الإمدادات أو تتوقف فيه منشأة صحية أو تتسع فيه فجوة التمويل قد يعني أن أزمة قابلة للاحتواء تتحول إلى مأساة يصعب احتواؤها. وبينما تواصل منظمة الصحة العالمية وشركاؤها العمل على إبقاء الخدمات الأساسية قائمة، يبقى السؤال الأكبر أمام المجتمع الدولي: هل سيصل التمويل والدعم قبل أن تتحول الأزمات الصحية المتعددة في الشرق الأوسط إلى أزمة إنسانية أكبر من قدرة الأنظمة على احتوائها؟
وتشير المنظمة بوضوح إلى أن حماية الصحة في أوقات الحرب والكوارث ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل ضرورة أساسية لاستمرار الحياة. وفي منطقة دفعت ثمناً هائلاً من النزاعات والنزوح والفقر والأوبئة، قد يكون الاستثمار في المستشفيات والمختبرات والمياه الآمنة واللقاحات وسلاسل الإمداد والصحة النفسية اليوم، أقل كلفة بكثير من دفع ثمن انهيارها غداً.
























































