في زمن أصبحت فيه الحرب قادرة على تغيير كلفة رحلة بحرية كاملة خلال ساعات، لم يعد التأمين البحري تفصيلاً مالياً يضاف إلى فاتورة الشحن، بل تحوّل إلى جزء من أمن التجارة وسلاسل الإمداد نفسها. فالسفينة قد تكون جاهزة للإبحار، والبضاعة موجودة في المرفأ، والمشتري ينتظر وصولها، لكن غياب التغطية التأمينية أو ارتفاع كلفتها إلى مستويات غير اقتصادية يمكن أن يجعل الرحلة بأكملها موضع إعادة نظر.
من هنا تأتي الخطوة السعودية الجديدة التي قد تكون من أكثر التحركات التأمينية أهمية في المنطقة خلال عام 2026: إنشاء الوعاء السعودي للتأمين البحري ضد أخطار الحرب للبضائع والسفن، بمبادرة وطنية تجمع بين الدعم الحكومي وقدرات قطاع التأمين الخاص، بهدف إبقاء التغطية متاحة عندما ترتفع المخاطر إلى مستويات تضغط بقوة على الأسواق العالمية لإعادة التأمين. وقد أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن الوعاء يمثل آلية وطنية متخصصة لتعزيز قدرة سوق التأمين على التعامل مع مخاطر الحرب البحرية ودعم استمرار التجارة وسلاسل الإمداد، فيما أكدت «إعادة السعودية» في 10 أيلول 2026 تعيينها قائداً للوعاء.
والتوقيت ليس تفصيلاً. فالمنطقة دخلت مرحلة أصبحت فيها كلفة المخاطر البحرية نفسها عاملاً مؤثراً في حركة التجارة والطاقة. ففي 9 أيلول، نقلت «رويترز» عن مسؤول في شركة بترول الإمارات الوطنية «إينوك» أن كلفة التأمين على بعض الشحنات باتت تصل إلى نحو 6% من قيمة الحمولة، فيما وصلت علاوة مخاطر الحرب في بعض الحالات إلى 10% من قيمة الشحنة، بعدما كانت هذه العلاوة شبه معدومة قبل اندلاع الحرب الأخيرة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في تكلفة عبور ناقلات النفط لمضيق هرمز، فيما بدأت بعض الجهات بإعادة النظر في طرق النقل أو في هيكلية إدارة أساطيلها ومخاطرها.
وهنا تحديداً تظهر فلسفة الوعاء السعودي. فالمملكة لا تنشئ بديلاً عن سوق التأمين البحري التقليدي، ولا تطلب من الشركات أن تتعامل مباشرة مع الوعاء للحصول على الوثيقة. بل إن الوعاء يعمل كآلية توفر طاقة استيعابية إضافية لشركات التأمين المرخصة، بحيث يحصل المؤمن له على التغطية من خلال الشركات المشاركة، وفق الشروط والإجراءات المعتمدة. وبمعنى آخر، فإن الوعاء هو طبقة دعم وقدرة استيعابية خلف السوق، وليس شركة تأمين تقليدية تنافس شركات التأمين القائمة.
والحماية التي يفتحها هذا الترتيب ليست مقتصرة على جسم السفينة. فالهيئة السعودية للتأمين أوضحت أن الوعاء يشمل تأمين البضائع المنقولة بحراً وبراً وجواً «Cargo»، وتأمين أجسام السفن «Hull»، ومسؤوليات المستأجرين «Charterers’ Liability»، إضافة إلى تغطيات الحماية والتعويض «P&I». وهذه النقطة بالذات تعطي المبادرة وزناً اقتصادياً كبيراً، لأن الخطر لا يقع على السفينة وحدها، بل يمتد إلى البضائع وأصحابها والمشغلين والمسؤوليات الناشئة عن عمليات النقل.
كما أن نطاق المستفيدين أوسع من مجرد السفن التي تحمل العلم السعودي. فالهيئة تقول إن الوعاء يستهدف الشركات والأنشطة ذات الصلة بالمصالح السعودية في مختلف الممرات المائية، بما فيها البحر الأحمر والخليج العربي، ويشمل المصدرين والمستوردين ومالكي السفن ومشغليها وشركات الشحن والنقل البحري والقطاعات المرتبطة بسلاسل الإمداد في المملكة، إلى جانب الناقلات القادمة إلى الموانئ السعودية أو المغادرة منها، وفق شروط الأهلية والتغطية المعتمدة.
لكن في قلب هذه المنظومة يقف اسم واحد واضح حتى الآن: الشركة السعودية لإعادة التأمين «إعادة السعودية» Saudi Re. فقد أعلنت الشركة رسمياً في 10 أيلول تعيينها قائداً للوعاء، فيما أوضحت هيئة التأمين أن «إعادة السعودية» ستتولى إدارة الوعاء والعمليات والتنسيق التشغيلي مع شركات التأمين ذات العلاقة. ويعمل الوعاء تحت إشراف هيئة التأمين ومن خلال لجنة فنية تضم ممثلين عن الجهات وأصحاب المصلحة الرئيسيين، ومن بينهم وزارة المالية وبنك التصدير والاستيراد السعودي «Saudi EXIM» وقطاع التأمين، مع لجان فرعية متخصصة للمسائل الفنية.
وهنا يصل الملف إلى السؤال الذي يهم سوق التأمين مباشرة: من هي شركات التأمين المشاركة؟
حتى الآن، وبحسب المعلومات الرسمية المنشورة، لم تعلن هيئة التأمين قائمة تفصيلية بأسماء جميع شركات التأمين المشاركة في الوعاء. البيانات الرسمية تتحدث عن مشاركة شركات التأمين وعن استفادة المؤمن لهم من الوعاء من خلال الشركات المشاركة، لكنها لا تسمي حتى تاريخ إعداد هذا التقرير جميع الأعضاء واحداً واحداً. ولذلك فإن نسب أسماء شركات محددة إلى الوعاء في هذه المرحلة سيكون تجاوزاً لما أعلنته الجهات الرسمية، خصوصاً أن هناك أوعية تأمينية سعودية أخرى تضم شركات مختلفة، ولا يجوز الخلط بينها وبين الوعاء الجديد الخاص بأخطار الحرب البحرية.
وهذا الأمر مهم أيضاً عند الحديث عن القدرة المالية للوعاء. فحتى الآن لا يوجد إعلان رسمي يحدد سقف الطاقة الاستيعابية الإجمالية للوعاء بالدولار أو الريال، ولا الحد الأقصى للتغطية لكل سفينة أو شحنة، ولا إجمالي رأس المال المخصص لتحمل أخطار الحرب. لذلك، فإن القول إن الوعاء يمتلك مثلاً قدرة بمليارات الدولارات سيكون رقماً غير موثق في الوقت الراهن.
لكن غياب رقم معلن لا يعني غياب القوة المالية وراء المبادرة. فالشركة التي اختيرت لقيادة الوعاء تمتلك قاعدة مالية ورأسمالية قوية. وبحسب التقرير السنوي لـ«إعادة السعودية» لعام 2025، بلغ هامش الملاءة 336% وفق متطلبات هيئة التأمين، مقابل 292% وفق مقياس S&P، بينما تحملت الشركة في الوقت نفسه تصنيف قوة مالية عند A- من S&P، ورفعت «موديز» تصنيف القوة المالية التأمينية إلى A2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، عاكسة تحسن الرسملة والملف التشغيلي والانضباط في الاكتتاب.
والأرقام الأحدث تعطي صورة أكثر وضوحاً عن حجم «إعادة السعودية». ففي النصف الأول من 2026، بلغت إيرادات التأمين نحو 1.262 مليار ريال، مقابل 738.2 مليون ريال في الفترة المقابلة من 2025، فيما بلغت الأقساط المكتتبة إجمالاً نحو 3.293 مليار ريال بزيادة 58% على أساس سنوي. أما صافي الربح العائد للمساهمين فبلغ 161.56 مليون ريال، بزيادة 83.6% عن 88 مليون ريال تقريباً في النصف الأول من العام السابق، وبلغ إجمالي حقوق المساهمين نحو 2.36 مليار ريال في نهاية الفترة.
أما في نهاية 2025، فقد بلغ إجمالي أصول «إعادة السعودية» نحو 4.64 مليار ريال، وحقوق المساهمين نحو 2.19 مليار ريال، وسجلت الشركة صافي ربح عائداً للمساهمين بنحو 140 مليون ريال، فيما بلغت أقساطها المكتتبة إجمالاً نحو 2.9 مليار ريال. كما تشير الشركة في تقريرها إلى أنها تعتمد في إدارة رأس المال على الحفاظ على مستويات لا تقل عن 125% من رأس المال الاقتصادي المطلوب ومن متطلبات الملاءة المحددة، بما يعكس نهجاً احترازياً في إدارة رأس المال والمخاطر.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية: هامش ملاءة «إعادة السعودية» البالغ 336% لا يعني أن الوعاء السعودي لديه قدرة تعادل 336% من قيمة السفن أو البضائع المؤمن عليها. فالملاءة مؤشر تنظيمي ومالي على قدرة شركة التأمين أو إعادة التأمين على الوفاء بالتزاماتها مقارنة بمتطلبات رأس المال، وليست سقفاً للتغطية. كما أن الوعاء نفسه ليس مجرد ميزانية «إعادة السعودية»، بل ترتيب تشاركي بين القطاعين العام والخاص وشركات التأمين، وبالتالي فإن قدرته النهائية ستتحدد وفق هيكل المشاركة والاحتفاظ وإعادة التأمين وحدود الاكتتاب والتراكمات وشروط التغطية التي ستُعتمد.
وهذه النقطة بالذات شديدة الحساسية في أخطار الحرب. ففي التأمين العادي، قد يكون من الممكن توزيع الخطر على عدد كبير من الوثائق والمناطق والأحداث. أما في الحرب البحرية، فإن حدثاً واحداً يمكن أن يضرب عشرات السفن والشحنات في الممر المائي نفسه خلال فترة قصيرة، ما يخلق ما يسمى تراكم الأخطار. وإذا كانت السفن كلها تمر في المنطقة ذاتها، فإن الخطر لا يصبح مجرد عدد كبير من الوثائق، بل احتمال وقوع خسائر مترابطة في وقت واحد.
لذلك، فإن قوة أي وعاء من هذا النوع لا تُقاس فقط بحجم رأس ماله، وإنما بقدرته على توزيع الخطر وإعادة تأمينه وإدارته، وبالحدود التي يضعها للاكتتاب وبنوعية الأخطار التي يقبلها وبحجم الاحتفاظ الذي يبقى داخل السوق المحلية مقابل ما يتم نقله إلى معيدي التأمين الدوليين.
وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل إنشاء الوعاء السعودي أكثر من مجرد خطوة تأمينية. فالهيئة تقول صراحة إن المبادرة تهدف إلى الحد من تأثير تقلبات أسواق التأمين وإعادة التأمين العالمية وتعزيز مرونة السوق المحلية وضمان استمرار توافر التغطية عندما ترتفع مستويات المخاطر. بمعنى آخر، تريد السعودية أن تقلل من تعرض تجارتها بالكامل لتقلبات شهية الأسواق الدولية في لحظة قد تقرر فيها شركات إعادة التأمين العالمية رفع الأسعار أو تقليص الطاقة الاستيعابية أو تشديد شروط التغطية.
والبعد الاقتصادي هنا بالغ الأهمية. فإذا ارتفعت كلفة تأمين السفينة والبضائع إلى مستويات تجعل الرحلة غير مجدية اقتصادياً، فإن التأثير لا يتوقف عند شركة التأمين أو مالك السفينة. تنتقل الكلفة إلى المستورد والمصدر، ثم إلى سلاسل التوزيع، وقد تنعكس في النهاية على أسعار السلع. ولهذا تربط هيئة التأمين بين الوعاء وبين استمرارية سلاسل الإمداد وتوافر السلع في السوق المحلية واستقرار الأسعار، كما تربطه مباشرة بموقع المملكة كمركز لوجستي عالمي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الوعاء جزءاً من استراتيجية اقتصادية أوسع. السعودية لا تريد فقط أن تكون لديها موانئ وطرق وسكك ومناطق لوجستية؛ بل تحتاج أيضاً إلى البنية المالية والتأمينية التي تجعل هذه المنظومة قادرة على العمل عندما تتعرض المنطقة لصدمات جيوسياسية. فالسفينة التي لا تجد تأميناً مناسباً قد لا تبحر، والبضاعة التي تصبح كلفة تأمينها مرتفعة جداً قد تتغير وجهتها، والشركة التي لا تستطيع حماية أصولها قد تؤجل عملياتها.
واللافت أن المملكة اختارت في هذه المرحلة نموذجاً يجمع الدعم الحكومي مع القدرة الفنية والرأسمالية للقطاع الخاص، بدلاً من تحويل كامل الخطر إلى الدولة. وهذا يضع «إعادة السعودية» في موقع محوري، لكن في الوقت نفسه يجعل نجاح الوعاء مرتبطاً بكفاءة منظومة المشاركة بأكملها، وليس بقوة شركة واحدة فقط.
والأرقام الأخيرة لـ«إعادة السعودية» تجعل اختيارها مفهوماً من زاوية القدرة الفنية. فالشركة لا تدخل هذه المهمة من موقع لاعب جديد في إعادة التأمين، بل من موقع معيد تأمين وطني يتمتع بهامش ملاءة مرتفع وتصنيفات ائتمانية قوية ونمو واضح في أعماله. وفي النصف الأول من 2026 وحده، ارتفع صافي ربحها العائد للمساهمين بأكثر من 83%، بينما نمت أقساطها المكتتبة 58%.
لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تظهر التفاصيل التشغيلية الكاملة: كم ستكون الطاقة الاستيعابية؟ ما الحدود لكل سفينة؟ ما حدود تغطية البضائع؟ ما نسبة الاحتفاظ داخل السوق السعودية؟ كم سيعاد تأمينه خارجياً؟ وما هي الشركات السعودية التي ستدخل فعلياً في الوعاء؟
هذه الأسئلة لم تحصل بعد على إجابات رقمية كاملة في الإعلانات الرسمية المتاحة، ولذلك فإن الحكم على القوة النهائية للوعاء سيكون مبكراً قبل صدور شروط الاكتتاب والطاقة الاستيعابية وأسماء المشاركين وحدود التغطية.
ومع ذلك، فإن الرسالة الاستراتيجية واضحة جداً: السعودية لا تريد أن تجد تجارتها البحرية نفسها في موقع المتلقي السلبي لتقلبات سوق التأمين العالمي في كل مرة تشتعل فيها حرب أو يتعرض ممر بحري استراتيجي للخطر. إنها تبني طبقة وطنية إضافية من الحماية، يكون فيها التأمين جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي، وسلسلة الإمداد، والقدرة اللوجستية.
وفي لحظة تصل فيها كلفة التأمين على بعض الشحنات في المنطقة إلى نسب يمكن أن تلتهم جزءاً كبيراً من هامش الربح، يصبح إنشاء هذا الوعاء أكثر من قرار تنظيمي أو مالي؛ إنه محاولة لجعل التجارة تستمر حتى عندما تصبح الحرب أغلى من أن تُؤمَّن بسهولة.
وإذا نجحت السعودية في تحويل هذا الوعاء من مجرد آلية لتوفير الطاقة الاستيعابية إلى منصة وطنية متطورة لإدارة أخطار الحرب وإعادة توزيعها عالمياً، فقد يصبح المشروع نموذجاً إقليمياً جديداً: دولة لا تكتفي بحماية سفنها وبضائعها، بل تبني حول تجارتها درعاً تأمينياً قادراً على الصمود أمام تقلبات الحرب والأسواق في آن واحد. أما حجم هذا الدرع وقوته الفعلية، فسيحسمهما ما ستكشفه المرحلة المقبلة من أسماء المشاركين، وحدود التغطية، وترتيبات إعادة التأمين والطاقة الاستيعابية الفعلية للوعاء.
ملاحظة تحريرية مهمة: تعمّدتُ عدم اختراع أسماء شركات مشاركة أو رقم لقدرة الوعاء، لأن الجهات السعودية الرسمية لم تنشر حتى الآن قائمة نهائية بهذه الشركات أو رقماً إجمالياً للطاقة الاستيعابية. وهذا، برأيي، يجعل المقال أقوى مهنياً وأكثر أماناً صحافياً.
























































