• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

سلامة الخليج العربي
ضرورة وجودية للبنان..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
متى تنشّط الدولة إقتصادها
كي يتضاءل الإعتماد على الخارج؟

2026/10/18
- بحث
سلامة الخليج العربيضرورة وجودية للبنان..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:متى تنشّط الدولة إقتصادهاكي يتضاءل الإعتماد على الخارج؟

ليست سلامة الخليج العربي قضية إقليمية منفصلة عن الواقع اللبناني، وليست الحروب التي تشهدها المنطقة مجرد أحداث تتناقلها الشاشات وتتنافس وسائل الإعلام في تحليل نتائجها وتحديد المنتصر فيها والخاسر. إنها قضية تتصل مباشرة بمستقبل لبنان الاقتصادي والاجتماعي، وبقدرة مئات آلاف اللبنانيين على تأمين لقمة عيشهم، وباستقرار آلاف الأسر التي باتت تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على فرص العمل والتحويلات المالية القادمة من دول الخليج. فمنذ عقود طويلة، شكّلت دول الخليج العربي أحد أهم المساحات التي وجد فيها اللبنانيون فرصاً للعمل والإنتاج وتحقيق الاستقرار، في وقت عجزت فيه دولتهم عن توفير الحد الأدنى من الأمن الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها.

د. الياس ميشال الشويري

يعيش لبنان منذ عقود أزمة عميقة في تحديد علاقته بمحيطه العربي وبالتحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة. فبدلاً من أن يمتلك رؤية وطنية واضحة تنطلق من مصالح الدولة والمجتمع، كثيراً ما وجد نفسه أسير الانقسامات الداخلية والصراعات الإقليمية، حيث تتحول الأحداث الخارجية إلى مادة إضافية لتغذية الخصومات السياسية والطائفية. وفي خضم هذا الواقع، أصبح جزء من الخطاب العام يتعامل مع الحروب والأزمات من منظور المحاور والتحالفات والعداوات، من دون أن يمنح الاهتمام الكافي لما تعنيه هذه الأحداث بالنسبة إلى حياة المواطنين اليومية. وقد أدت الأزمات المتراكمة، ولا سيما الانهيار المالي والاقتصادي الذي بدأ عام 2019، إلى زيادة اعتماد شرائح واسعة من المجتمع اللبناني على العمل في الخارج والتحويلات المالية التي يرسلها المغتربون إلى أسرهم. وهكذا، لم يعد استقرار الدول التي يعمل فيها اللبنانيون مسألة خارجية يمكن مناقشتها بمعزل عن الداخل، بل أصبح عنصراً مؤثراً في قدرة الأسر على دفع الأقساط المدرسية والاستشفاء والسكن والغذاء وسائر النفقات الأساسية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب سلامة الخليج العربي أهمية خاصة في التفكير بمستقبل لبنان. فدول الخليج ليست مجرد أسواق اقتصادية بالنسبة إلى اللبنانيين، بل هي فضاءات للعمل والاستثمار والتعليم والخدمات المهنية، احتضنت أعداداً كبيرة منهم على مدى أجيال. وفي المقابل، أسهم اللبنانيون في قطاعات متعددة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول، مستفيدين من الفرص المتاحة ومقدمين خبراتهم وكفاءاتهم في مجالات الإدارة والهندسة والطب والتعليم والمصارف والتجارة والتكنولوجيا وغيرها. وقد نشأت بين الجانبين علاقات اجتماعية وإنسانية واقتصادية تتجاوز المصالح الآنية، وإن بقيت هذه العلاقات مرتبطة أيضاً بالظروف السياسية وبمدى الثقة المتبادلة واحترام القوانين والسيادة والمصالح المشروعة. لذلك، فإن حماية هذه العلاقة لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء دولة لبنانية قادرة على اتخاذ قراراتها باستقلالية، وعلى تجنب تحويل أراضيها ومؤسساتها إلى أدوات في صراعات الآخرين، وعلى إقامة علاقات متوازنة مع الدول العربية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. ومن هنا، يصبح الانتقال من الوعي الإعلامي إلى الوعي الوجودي مدخلاً ضرورياً لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية على أساس الإنسان وكرامته ومصالحه ومستقبله.

1. الوعي الإعلامي والوعي الوجودي في فهم الأحداث الإقليمية

تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية في الخلط بين معرفة الحدث وفهم معناه. فمتابعة الأخبار تمنح الإنسان معلومات عن التطورات العسكرية والسياسية والاقتصادية، لكنها لا تضمن بالضرورة إدراك الآثار التي يمكن أن تتركها تلك التطورات على حياته ومجتمعه. وقد أصبح الاستهلاك الإعلامي جزءاً من الحياة اليومية، حيث يتابع المواطن نشرات الأخبار والتحليلات والتعليقات والمناظرات، ثم ينتقل من حدث إلى آخر، ومن خلاف إلى خلاف، من دون أن تتكون لديه دائماً رؤية متكاملة تربط الوقائع الخارجية بمصالحه الفعلية. وهكذا، يتحول الخبر أحياناً إلى مادة للتأييد والرفض، ويصبح الموقف من الحدث امتداداً للموقف من الجهة التي نقلته أو من الطرف السياسي الذي يتبناه، بدلاً من أن يكون نتيجة دراسة هادئة لما يحمله من مخاطر وفرص.

أما الوعي الوجودي، فينطلق من سؤال مختلف تماماً. فهو لا يكتفي بالسؤال عمن انتصر ومن خسر، أو أي محور حقق تقدماً وأي محور تعرض للانتكاس، بل يسأل عن مصير الإنسان في ظل هذه التطورات. ماذا يحدث للعامل اللبناني إذا تراجعت الاستثمارات في الدولة التي يعمل فيها؟ وما مصير الأسرة التي تعتمد على راتب ابنها في الخارج؟ وكيف تتأثر قدرة الطالب على متابعة تعليمه إذا فقدت عائلته مصدر دخلها؟ وماذا يحدث للمريض الذي يعتمد على تحويلات أحد أقاربه لتغطية نفقات العلاج؟ إن هذه الأسئلة تنقل النقاش من التجريد السياسي إلى الواقع الاجتماعي، وتكشف أن الأحداث التي تبدو بعيدة جغرافياً قد تكون قريبة جداً من حياة المواطنين.

ولا يعني ذلك أن الوعي الإعلامي عديم القيمة أو أن متابعة الأخبار غير ضرورية، بل إن المطلوب هو تجاوز الاستهلاك السطحي للمعلومات نحو فهم أعمق للعلاقات بين السياسة والاقتصاد والمجتمع. فالإعلام يؤدي وظيفة مهمة في نقل الوقائع ومراقبة السلطات وتفسير التحولات، لكنه قد يتحول، عندما تطغى عليه الاستقطابات، إلى مساحة لإعادة إنتاج الانقسامات. والمطلوب من المواطن اللبناني أن يميز بين الخبر والتحليل والدعاية، وأن يقيّم الأحداث على أساس الوقائع والنتائج المحتملة، لا على أساس الانتماءات المسبقة وحدها.

إن الوعي الوجودي ليس دعوة إلى الخوف أو الانكفاء عن القضايا العربية، بل هو دعوة إلى المسؤولية في تحديد الأولويات. فمن حق اللبناني أن يهتم بقضايا المنطقة، وأن يتخذ مواقف سياسية وأخلاقية من الحروب والانتهاكات، لكن من واجبه أيضاً أن يدرك أن بلاده ليست في وضع يسمح لها بالاستهانة بأهمية الاستقرار الاقتصادي وعلاقاتها الخارجية. وكلما ازدادت هشاشة الداخل اللبناني، ازدادت الحاجة إلى خطاب عقلاني يربط المواقف السياسية بمصالح المجتمع، ويمنع تحويل الأزمات الخارجية إلى أعباء إضافية على المواطنين.

أمام OMT… طوابير تختصر حكاية بلدٍ بأكمله!

2. الخليج العربي بوصفه ركيزة من ركائز الصمود الاقتصادي اللبناني

احتل الاغتراب موقعاً أساسياً في التجربة اللبنانية الحديثة، إذ اضطر كثير من اللبنانيين إلى البحث عن فرص العمل خارج بلادهم نتيجة محدودية فرص الإنتاج المحلية، والأزمات السياسية والأمنية المتكررة، وضعف قدرة الدولة على توفير وظائف مستقرة. وكانت دول الخليج العربي من أبرز الوجهات التي استقطبت الكفاءات اللبنانية، بفضل توسع قطاعاتها الاقتصادية وتطور أسواق العمل فيها والحاجة إلى الخبرات المتخصصة في مجالات متعددة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الهجرة من خيار مهني لدى بعض الأفراد إلى عنصر بنيوي في الاقتصاد اللبناني، إذ أصبحت مداخيل العاملين في الخارج مصدراً مهماً لدعم أسرهم وتمويل استهلاكهم وتعليم أبنائهم وتغطية نفقاتهم الصحية والمعيشية.

وتتضح أهمية هذا الدور بصورة أكبر عند النظر إلى الأزمة المالية التي انفجرت في لبنان عام 2019. فقد تراجعت قيمة العملة الوطنية، وتدهورت القدرة الشرائية، وفقد كثير من المودعين إمكانية الوصول الطبيعي إلى أموالهم، فيما ارتفعت تكاليف التعليم والاستشفاء والسلع الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، أصبحت التحويلات المالية القادمة من المغتربين ذات أهمية استثنائية بالنسبة إلى كثير من الأسر، لأنها توفر دخلاً بالعملات الأجنبية أو بوسائل دفع أكثر قدرة على المحافظة على قيمتها الشرائية من المداخيل المحلية المتآكلة. وبذلك، أسهمت التحويلات في تخفيف جانب من آثار الانهيار، وإن لم تكن قادرة على معالجة جذوره أو تعويض غياب الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية.

ولا تقتصر أهمية هذه التحويلات على استهلاك الأسر، بل تمتد إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد. فالأموال التي تصل إلى لبنان تساهم في تمويل النشاط التجاري، ودعم المؤسسات الصغيرة، وتأمين السيولة، وتغطية بعض النفقات التعليمية والصحية، كما تساعد على بقاء شرائح اجتماعية واسعة فوق مستوى العوز الشديد. غير أن هذا الاعتماد يحمل في الوقت نفسه مؤشراً مقلقاً، لأنه يكشف عن ضعف قدرة الاقتصاد المحلي على توليد فرص العمل والدخل بصورة مستقلة ومستدامة. فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على دخل مواطنيها من الخارج تكون أكثر عرضة للتأثر بالأزمات التي تصيب أسواق العمل الخارجية، حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً في تلك الأزمات.

ومن هنا، ينبغي النظر إلى استقرار الخليج العربي بوصفه مصلحة اقتصادية لبنانية واضحة، من دون الوقوع في الاعتقاد أن التحويلات المالية وحدها تستطيع إنقاذ البلاد. فهذه التحويلات تخفف المعاناة، لكنها لا تبني بمفردها نظاماً اقتصادياً منتجاً، ولا تعيد الثقة إلى المصارف، ولا تصلح الإدارة العامة، ولا تضع حداً للفساد. إن الحل المستدام يقتضي الجمع بين المحافظة على العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج وتطوير الاقتصاد الوطني، بحيث يتمكن اللبنانيون من العمل في الخارج باختيارهم لا بدافع الاضطرار، ومن العودة إلى وطنهم إذا رغبوا في ذلك من دون أن يواجهوا انعدام الفرص أو انهيار القدرة الشرائية.

معركةُ اللبنانيّ لتأمين لقمة العيش

3. اللبنانيون في دول الخليج بين فرص العمل وكرامة الإنسان

تجاوزت العلاقة بين اللبنانيين ودول الخليج حدود العلاقة التقليدية بين العامل وصاحب العمل. فعلى مدى عقود، أسس لبنانيون كثيرون حياتهم المهنية والاجتماعية في دول الخليج، وأنشؤوا مؤسسات تجارية، وعملوا في الجامعات والمستشفيات والشركات والمصارف، وأسهموا في نقل الخبرات وتطوير الخدمات. وفي الوقت نفسه، حافظت أعداد كبيرة منهم على ارتباط وثيق بلبنان، سواء من خلال التحويلات المالية أو الزيارات أو الاستثمار أو مساعدة أفراد الأسرة. وقد أنتج هذا الواقع شبكة واسعة من الروابط الإنسانية والاقتصادية التي جعلت استقرار الخليج جزءاً من الحسابات المعيشية اليومية لمئات آلاف اللبنانيين، بدرجات متفاوتة.

ومن الضروري، في هذا السياق، الابتعاد عن تصوير العلاقة على أنها مجرد حاجة لبنانية إلى المال الخليجي. فالعلاقة تقوم أيضاً على مساهمة اللبنانيين في المجتمعات التي يعملون فيها، وعلى استفادة المؤسسات الخليجية من خبراتهم ومهاراتهم، وعلى مصالح متبادلة تتطلب احترام القوانين والأنظمة والسيادة. إن العامل اللبناني ليس مجرد مستفيد من فرصة عمل، بل هو إنسان يشارك في الإنتاج، ويؤدي مسؤولياته المهنية، ويقدم قيمة مضافة إلى المؤسسة التي يعمل فيها. ومن ثم، فإن الحفاظ على مصالح اللبنانيين في الخليج يتطلب الاعتراف بالطبيعة المتبادلة لهذه العلاقة، بعيداً عن لغة الامتنان المبالغ فيه أو لغة الاستعلاء التي تنكر حقوق الدول المضيفة ومصالحها المشروعة.

وفي المقابل، لا يجوز تجاهل هشاشة أوضاع بعض الأسر اللبنانية التي تعتمد بصورة شبه كاملة على دخل فرد واحد يعمل في الخارج. ففقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل أو ارتفاع تكاليف المعيشة أو تعطل النشاط الاقتصادي قد يؤدي إلى سلسلة من النتائج التي تتجاوز العامل نفسه، لتشمل أفراد الأسرة الذين يعتمدون عليه في لبنان. وقد يضطر الأب أو الأم إلى تأجيل علاج ضروري، أو سحب الأبناء من مدرسة أو جامعة، أو بيع ممتلكات، أو الاستدانة لتغطية النفقات. لذلك، فإن أي اضطراب اقتصادي واسع في دول الخليج يمكن أن يتحول، عبر قنوات العمل والتحويلات والتجارة والاستثمار، إلى ضغط اجتماعي مباشر داخل لبنان.

وتبرز هنا مسؤولية الدولة اللبنانية في حماية مصالح مواطنيها في الخارج، من خلال السفارات والقنصليات والخدمات القنصلية، ومتابعة قضاياهم القانونية والمهنية، وتوفير المعلومات الدقيقة حول حقوقهم وواجباتهم، وتعزيز قنوات التواصل مع السلطات المضيفة. كما تبرز أهمية بناء علاقة سياسية مستقرة مع دول الخليج، لأن العلاقات الاقتصادية لا تنمو في فراغ، بل تحتاج إلى مستوى من الثقة والاستقرار والاحترام المتبادل. ولا ينبغي أن يكون اللبناني العامل في الخارج ضحية للتجاذبات السياسية التي لا يملك السيطرة عليها، أو أن يجد نفسه مضطراً إلى دفع ثمن مواقف لا تعبّر بالضرورة عن مصالحه أو عن إرادة المجتمع اللبناني بأكمله.

حين يصبح الدواء عبئاً، والغذاء حلماً… إلى أين يمضي اللبناني؟

4. الحروب الإقليمية ومخاطر انتقالها إلى الحياة اليومية في لبنان

إن الحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والخليج لا يمكن اختزالها في خرائط العمليات العسكرية أو التصريحات السياسية أو الحسابات الاستراتيجية للأطراف المتنازعة. فكل حرب تحمل آثاراً تتجاوز ميدان القتال، إذ تؤثر في حركة الاستثمار والتجارة والنقل والطاقة والتأمين، وتنعكس على ثقة الأسواق وتوقعات المؤسسات والأفراد. وعندما تتصاعد التوترات في منطقة ذات أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي، فإن النتائج المحتملة قد تشمل ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، وتأجيل المشاريع الاستثمارية، وتشدد المؤسسات في قرارات التوظيف، وتراجع بعض الأنشطة الاقتصادية. وهذه الآثار لا تقع بالضرورة بصورة متساوية في جميع الدول، لكنها تفرض مخاطر ينبغي التعامل معها بجدية.

ويزداد الأمر أهمية بالنسبة إلى لبنان بسبب ضعف قدرته على امتصاص الصدمات الاقتصادية. فالدول التي تمتلك احتياطيات مالية قوية، ومؤسسات فاعلة، واقتصاداً متنوعاً، تستطيع عادةً مواجهة جزء من تداعيات الأزمات. أما لبنان، الذي يعاني من اختلالات مالية ومؤسساتية عميقة، فإن أي صدمة خارجية قد تزيد الضغوط على الأسر والشركات والخدمات العامة. وإذا ترافقت اضطرابات المنطقة مع تراجع فرص العمل أمام اللبنانيين في الخارج أو انخفاض التحويلات المالية، فقد تتفاقم المشكلات المرتبطة بالفقر والبطالة والهجرة وتراجع القدرة على تأمين الخدمات الأساسية.

وتشمل المخاطر أيضاً الجانب النفسي والاجتماعي. فالأسر التي تعيش على دخل يأتي من الخارج لا تتأثر فقط عندما ينخفض هذا الدخل فعلياً، بل قد تتأثر أيضاً عندما تشعر بأن مصدر رزقها مهدد. ويؤدي عدم اليقين إلى تأجيل قرارات الاستثمار والتعليم والسكن، ويدفع بعض الأسر إلى زيادة الادخار الاحترازي أو تقليص الإنفاق، ما قد ينعكس بدوره على الحركة الاقتصادية المحلية. كما أن المخاوف المرتبطة بالحروب قد تدفع أفراداً إلى اتخاذ قرارات متسرعة بشأن العودة أو السفر أو تغيير الوظائف، في وقت تكون فيه المعلومات غير مكتملة والظروف سريعة التغير.

ولا تعني هذه المخاطر أن كل تصعيد إقليمي سيؤدي حتماً إلى انهيار اقتصادي في الخليج أو توقف التحويلات إلى لبنان. فالتأثير يتوقف على طبيعة الأزمة ومدتها ومداها الجغرافي وردود الفعل السياسية والاقتصادية. لكن الوعي الوجودي يقتضي الاستعداد للسيناريوهات الممكنة من دون تهويل أو إنكار، وفهم أن الاستقرار الإقليمي ليس مسألة بعيدة عن حياة الناس. ومن هنا، تصبح حماية لبنان من انعكاسات الحروب مرتبطة بقدرته على منع استخدام أراضيه في صراعات الآخرين، وباعتماد سياسة خارجية متوازنة، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة المخاطر والتخفيف من آثارها.

أضرارٌ في المباني تكشف تداعيات الهجمات الحوثية على السعودية…

5. لبنان بين الانقسام الداخلي والمسؤولية الوطنية تجاه الخليج العربي

لا يمكن فهم هشاشة الموقف اللبناني تجاه التحولات الإقليمية من دون العودة إلى طبيعة النظام السياسي الداخلي. فقد عانى لبنان طويلاً من انقسامات طائفية وحزبية جعلت القضايا الخارجية امتداداً للصراعات المحلية، وأضعفت القدرة على صياغة سياسة خارجية تعكس مصالح الدولة والمجتمع. وفي كثير من الأحيان، لم يكن النقاش حول العلاقات مع الدول العربية قائماً على تقييم موضوعي لمصالح لبنان الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بل خضع لمنطق الولاءات والتحالفات والمنافسات السياسية. وقد أدى هذا الواقع إلى إرباك صورة لبنان الخارجية، وإلى إضعاف الثقة بقدرته على الالتزام بسياسة واضحة تحمي علاقاته العربية وتراعي في الوقت نفسه استقلال قراره الوطني.

ومن أبرز نتائج هذا الانقسام أن المواطن اللبناني قد يجد نفسه ممزقاً بين خطاب سياسي يضعه في قلب صراعات المحاور، وواقع اقتصادي يجعله يعتمد على فرص العمل والاستقرار في دول قد تتعرض لعلاقاتها مع لبنان إلى التوتر بسبب تلك الصراعات. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة التي تبرزها فكرة الوعي الوجودي: قد يصفق المواطن لخطاب سياسي يراه منسجماً مع انتمائه الحزبي، بينما تتأثر في الوقت نفسه قدرة أسرته على تأمين لقمة العيش بأي تدهور في العلاقات مع الدولة التي يعمل فيها أحد أبنائها. إن هذه المفارقة لا تُحل بتخوين المواطنين أو اتهامهم، بل بإعادة بناء النقاش العام على أساس المعلومات والمصلحة الوطنية والنتائج الفعلية للمواقف السياسية.

ولا يعني الدفاع عن سلامة الخليج العربي أن يتخلى لبنان عن استقلاليته أو عن حقه في اتخاذ مواقف سياسية مستقلة، بل يعني أن استقلال القرار الوطني يجب أن يقترن بتحمل المسؤولية عن نتائجه. فالدولة المستقلة هي التي تقرر سياستها وفق مصالح شعبها، لا تلك التي تسمح لقوى متعددة بأن تتصرف خارج مؤسساتها أو أن تجرها إلى مواجهات لا يملك المواطنون قرارها. كما أن احترام السيادة الخليجية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية يجب أن يقابله احترام السيادة اللبنانية وعدم التدخل في شؤون لبنان، ضمن إطار من العلاقات المتكافئة والقانون الدولي والمصالح المشتركة.

ومن هنا، يصبح المطلوب من القوى السياسية اللبنانية الاتفاق على مبادئ أساسية تحكم العلاقات الخارجية، وفي مقدمتها حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية الشرعية، وتعزيز سلطة الدولة على كامل أراضيها، ورفض استخدام لبنان منصة لتهديد الدول الأخرى، واحترام سيادة الدول العربية، والعمل على حل النزاعات بالوسائل الدبلوماسية. كما يتطلب الأمر تجنب الخطاب العدائي الذي يضر بمصالح اللبنانيين في الخارج، وعدم تحويل العمال والمغتربين إلى أدوات في المناكفات السياسية. إن بناء سياسة عربية متوازنة لا يتناقض مع استقلال لبنان، بل يعزز هذا الاستقلال من خلال تقوية الدولة وتوسيع خياراتها وحماية مواطنيها.

من صيرفة إلى أخرى… الدولار حاضر والليرة غائبة!

6. العلاقة اللبنانية الخليجية بين الذاكرة المشتركة والمصالح المستقبلية

تتمتع العلاقة اللبنانية الخليجية بامتداد تاريخي واجتماعي واقتصادي، وقد ساهمت الهجرة المتبادلة والروابط العائلية والتعاون المهني والتجاري في تعزيز التواصل بين المجتمعات. وقد وجد اللبنانيون في دول الخليج فرصاً ساعدتهم على تطوير قدراتهم المهنية وتحسين مستوى معيشتهم، بينما استفادت المؤسسات الخليجية من الخبرات اللبنانية في عدد من القطاعات. وأنتجت هذه التجربة تراكمات من العلاقات الشخصية والمهنية التي لا تختزلها التقلبات السياسية اليومية، وإن كانت تلك التقلبات قادرة على التأثير في البيئة التي تنمو فيها هذه العلاقات.

غير أن الاعتماد على الذاكرة الإيجابية وحدها لا يكفي لحماية المستقبل. فالعلاقات بين الدول تقوم على المصالح والثقة والاستقرار واحترام الالتزامات، وتحتاج إلى إدارة سياسية مسؤولة تحميها من الأزمات. ومن هنا، ينبغي للبنان أن يتعامل مع دول الخليج باعتبارها شركاء أساسيين في فضاء عربي أوسع، لا باعتبارها مجرد مصادر للتحويلات أو أطرافاً يمكن استدعاء دعمها عند الحاجة ثم تجاهل مصالحها عندما تتعارض مع حسابات بعض القوى المحلية. فالعلاقة الناضجة تقوم على التبادل والاحترام والوضوح، وتقتضي من لبنان أن يقدم نفسه دولة مسؤولة تحترم سيادة الآخرين وتلتزم بالقواعد التي تحكم العلاقات الدولية.

وفي هذا الإطار، يمكن للبنان أن يعمل على توسيع التعاون الاقتصادي مع دول الخليج في مجالات التعليم والصحة والتكنولوجيا والخدمات المهنية والسياحة والاستثمار، متى توافرت الظروف السياسية والأمنية والقانونية المناسبة. كما يمكن للجامعات اللبنانية والمؤسسات المهنية أن تطور برامج تعاون وتدريب وبحث مشترك، وأن تعزز الاعتراف بالكفاءات وتبادل الخبرات. ويمكن للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أن تستفيد من الروابط التجارية ومن خبرة المغتربين في بناء شراكات منتجة، شرط توافر بيئة لبنانية مستقرة وشفافة وقادرة على حماية الاستثمار والملكية والعقود.

وتبقى مسؤولية الدولة اللبنانية أساسية في هذا المسار، إذ لا يمكن تحميل المغتربين وحدهم مهمة إنقاذ الاقتصاد أو المحافظة على العلاقات الخارجية. فالمغترب يستطيع دعم أسرته والاستثمار في بلده، لكنه لا يستطيع بمفرده إصلاح القضاء أو الكهرباء أو الإدارة العامة أو النظام المالي. ولذلك، فإن إعادة بناء العلاقة اللبنانية الخليجية ينبغي أن تترافق مع إصلاحات داخلية تعيد الثقة بلبنان، وتضمن شفافية إدارة المال العام، وتحارب الفساد، وتحمي حقوق المستثمرين والمواطنين، وتوفر بيئة تسمح بتحويل التحويلات المالية من وسيلة لمواجهة الاستهلاك اليومي إلى فرصة لدعم الإنتاج والتنمية المستدامة.

من الخليج إلى لبنان… جسورُ تضامنٍ تتجاوز الحدود في زمن الأزمات

7. مسؤولية الإعلام اللبناني في بناء الوعي الوجودي

يحتل الإعلام موقعاً مؤثراً في تشكيل التصورات العامة حول الحروب والأزمات والعلاقات الخارجية. فهو لا ينقل الأحداث فحسب، بل يحدد أحياناً طريقة ترتيبها وتفسيرها، ويؤثر في طبيعة الأسئلة التي يطرحها الجمهور وفي الأولويات التي يوليها اهتمامه. وعندما يهيمن منطق المواجهة والاستقطاب على التغطية الإعلامية، يصبح المشهد السياسي أقرب إلى مباراة بين أطراف متنافسة، ويُختزل النقاش في تحديد المنتصر والخاسر، فيما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالنتائج الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. وفي لبنان، حيث يتداخل الإعلام مع الانقسامات السياسية والطائفية، قد تؤدي هذه الظاهرة إلى تعميق التباعد بين المواطنين، بدلاً من مساعدتهم على فهم المصالح المشتركة التي تجمعهم.

إن المطلوب ليس إعلاماً يروّج لموقف سياسي واحد أو يمتنع عن نقد الدول والسياسات، بل إعلاماً مهنياً يميز بين الوقائع والآراء، ويضع الأرقام في سياقها، ويشرح الآثار الاقتصادية للأحداث، ويستضيف الخبراء من دون تحويل المنابر إلى ساحات للتخوين والتعبئة. فعندما يتعلق الأمر بسلامة الخليج العربي، ينبغي أن يتناول الإعلام أثر التطورات الإقليمية على فرص العمل والتحويلات المالية والتجارة والاستثمار وأمن الطاقة، وأن يوضح كيف يمكن للأسر اللبنانية الاستعداد للمخاطر المحتملة، وما الذي تستطيع الدولة القيام به لحماية مصالح مواطنيها.

كما ينبغي أن يعيد الإعلام الاعتبار إلى الإنسان بوصفه محور النقاش. فخلف كل رقم يتعلق بالتحويلات المالية أسرة لها احتياجات والتزامات، وخلف كل تراجع في فرص العمل عامل قد يواجه فقدان مصدر رزقه، وخلف كل أزمة في العلاقات الدبلوماسية طالب أو مريض أو صاحب مؤسسة قد يتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إن عرض هذه الأبعاد لا يعني استغلال المعاناة الإنسانية، بل يعني إعطاء الأحداث معناها الكامل، بحيث لا تنفصل التحليلات السياسية عن الواقع الاجتماعي الذي يفترض أن تخدمه.

ويمكن للإعلام أن يؤدي دوراً تربوياً مهماً عبر نشر الثقافة الاقتصادية والسياسية، وتشجيع المواطنين على التحقق من المعلومات، وشرح الاختلاف بين المخاطر المحتملة والنتائج المؤكدة، ومواجهة الأخبار المضللة التي قد تثير الذعر أو تغذي الكراهية. كما أن الجامعات ومراكز الأبحاث تستطيع المساهمة في هذا المسار من خلال الدراسات المتعلقة بالهجرة والتحويلات والاعتماد الاقتصادي والعلاقات العربية. وبذلك، يتحول الإعلام من مساحة للاستهلاك اليومي للأحداث إلى أداة تساعد المجتمع على التفكير الاستراتيجي والاستعداد للمستقبل.

الصناعة المحلية… ركيزةُ إنعاش الاقتصاد اللبناني

8. من الاعتماد على الاغتراب إلى بناء اقتصاد لبناني قادر على الصمود

على الرغم من الأهمية الكبيرة لدول الخليج في حياة اللبنانيين، فإن الوعي الوجودي الحقيقي يجب ألا يتحول إلى دعوة للاعتماد الدائم على الخارج. فالمشكلة الأساسية لا تكمن في وجود ملايين الدولارات التي يرسلها المغتربون إلى أسرهم، بل في اضطرار عدد كبير من المواطنين إلى الاعتماد على دخل خارجي بسبب ضعف الاقتصاد المحلي وعدم قدرته على توفير فرص عمل لائقة ومستقرة. وإذا بقي لبنان عاجزاً عن بناء قاعدة إنتاجية متينة، فإن كل اضطراب في أسواق العمل الخارجية سيظل قادراً على التأثير في أمنه الاجتماعي، مهما بلغت قوة العلاقات التي تربطه بالدول المضيفة.

ويبدأ بناء القدرة على الصمود بإعادة هيكلة الاقتصاد على أسس إنتاجية، وتطوير القطاعات التي يستطيع لبنان المنافسة فيها، ومنها التعليم والصحة والخدمات المهنية والتكنولوجيا والصناعات ذات القيمة المضافة والزراعة الحديثة والسياحة المستدامة. ولا يعني ذلك أن جميع هذه القطاعات قادرة على التوسع فوراً أو أنها لا تواجه عقبات، بل يعني أن تنويع مصادر الدخل يقلل من الاعتماد المفرط على قطاع واحد أو سوق واحدة. كما أن تطوير البنية التحتية، وتحسين استقرار الكهرباء والاتصالات، وتحديث الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء، كلها شروط تساعد على جذب الاستثمار وتوسيع فرص العمل.

وتتطلب هذه العملية إصلاحاً مالياً ومصرفياً يعيد الثقة إلى النظام الاقتصادي ويحمي حقوق المودعين وفق إطار قانوني عادل وشفاف، إلى جانب وضع سياسة ضريبية أكثر إنصافاً، وتحسين إدارة الإنفاق العام، ومكافحة التهرب والفساد. فالمواطن الذي يرسل أمواله إلى أسرته في لبنان يجب أن يجد بيئة تحمي قيمة مدخراته وتشجع الاستثمار المنتج، لا نظاماً يجعل أمواله عرضة للضياع أو يحصر نشاطه في تغطية النفقات الاستهلاكية. ومن الضروري أيضاً دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات، وربط التعليم الجامعي والمهني بحاجات سوق العمل، وتعزيز البحث العلمي والابتكار.

وفي موازاة ذلك، ينبغي وضع سياسات اجتماعية تحمي الأسر الأكثر تعرضاً للمخاطر، من خلال تطوير أنظمة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتعليمية وبرامج الدعم الموجهة إلى المحتاجين. فالصمود لا يتحقق بمجرد زيادة الناتج الاقتصادي، بل يتطلب أن يشعر المواطن بأن المجتمع يمتلك آليات عادلة لحمايته عندما يفقد عمله أو يتعرض لمرض أو أزمة مفاجئة. ومن هنا، فإن استقرار الخليج يمكن أن يمنح لبنان مساحة للتنفس، لكنه لن يعوض عن غياب الدولة الفاعلة. والمطلوب أن يستفيد لبنان من علاقاته العربية والاغترابية لبناء اقتصاد أكثر استقلالية وقدرة على مواجهة الصدمات، لا أن يبقى رهينة لتقلبات لا يملك السيطرة عليها.

بيروت ودبي… شراكةٌ اقتصادية تتجاوز الحدود

9. السيادة اللبنانية والحياد الإيجابي وحماية المصالح العربية المشتركة

تفرض التحديات الإقليمية على لبنان إعادة التفكير في مفهوم السيادة الوطنية، لا باعتبارها شعاراً سياسياً يرفع عند الحاجة، بل باعتبارها قدرة فعلية للدولة على اتخاذ القرارات وتنفيذها وحماية أراضيها ومواطنيها. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم، أو التي تتعدد فيها مراكز القرار الأمني والعسكري، تواجه صعوبة في بناء علاقات خارجية مستقرة وفي إقناع شركائها بأنها قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وهذا الواقع لا يؤثر فقط في موقع لبنان السياسي، بل ينعكس أيضاً على الاقتصاد والاستثمار والسياحة والتجارة وفرص العمل في الخارج.

وفي هذا السياق، يمكن لمفهوم الحياد الإيجابي أن يشكل إطاراً للنقاش الوطني حول كيفية حماية لبنان من التحول إلى ساحة للصراعات الإقليمية، شرط أن يقترن بسيادة الدولة وبالتزاماتها القانونية والدولية، وألا يُستخدم لتبرير اللامبالاة تجاه الأزمات الإنسانية أو التخلي عن الحقوق المشروعة. فالحياد الإيجابي لا يعني الانقطاع عن العالم العربي أو تجاهل التهديدات التي تواجه الدول، بل يعني أن تكون السياسة اللبنانية منطلقة من مصلحة الدولة ومواطنيها، وأن تعمل على تسوية النزاعات بالوسائل الدبلوماسية، وأن ترفض استخدام أراضيها للإضرار بالدول الأخرى، مع التمسك بحق لبنان في الدفاع عن سيادته وفق القانون.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في العلاقة مع دول الخليج العربي، حيث يحتاج لبنان إلى استعادة الثقة عبر أفعال مؤسساتية واضحة، لا من خلال التصريحات وحدها. فاحترام سيادة دول الخليج، ومكافحة الأنشطة غير المشروعة التي قد تضر بأمنها، والالتزام بالقوانين المتعلقة بالتجارة والتهريب، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي ضمن الأطر القانونية، كلها عناصر يمكن أن تساعد على ترسيخ علاقات أكثر استقراراً. وفي المقابل، فإن العلاقات العربية المتوازنة يجب أن تقوم على احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، وعلى التعامل معه بوصفه دولة ذات مؤسسات ومواطنين ومصالح مستقلة.

إن نجاح هذه الرؤية يتطلب توافقاً وطنياً يتجاوز الاصطفافات الطائفية، ويعيد الاعتبار إلى الدستور والمؤسسات الشرعية والمصلحة العامة. فالمطلوب ليس أن يتبنى اللبنانيون جميعاً موقفاً سياسياً واحداً من كل قضية إقليمية، بل أن يتفقوا على قواعد تمنع الاختلاف من التحول إلى تهديد لأمن البلاد واقتصادها وعلاقاتها الخارجية. وعندما يصبح قرار الدولة واضحاً، وتصبح المؤسسات قادرة على تنفيذ سياساتها، تستطيع البلاد أن تدافع عن مصالحها بثقة أكبر، وأن تبني علاقات عربية تقوم على التعاون بدلاً من الارتهان والانقسام.

وداعٌ على أمل اللقاء… وقلوبٌ يثقلها فراق الأحبّة

10. سلامة الخليج العربي بوصفها قضية إنسانية واجتماعية ومستقبلية

إن النظر إلى سلامة الخليج العربي من زاوية لبنانية يكشف عن حقيقة أساسية، وهي أن الأمن ليس مفهوماً عسكرياً محضاً، بل يشمل أيضاً الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والصحي. فقد تكون الدولة بعيدة عن جبهات القتال، لكنها تتأثر باضطراب الأسواق أو تراجع فرص العمل أو ارتفاع الأسعار. وقد لا يشارك المواطن في اتخاذ القرارات السياسية التي أدت إلى الأزمة، لكنه يتحمل نتائجها من خلال انخفاض دخله أو ارتفاع نفقاته أو تراجع قدرته على التخطيط لمستقبله. لذلك، فإن مفهوم الأمن الوجودي الذي تطرحه فكرة المقالة يتجاوز بقاء الدولة ومؤسساتها إلى قدرة الإنسان على العيش بكرامة وأمان.

وبالنسبة إلى اللبنانيين، تتجسد هذه المسألة في العلاقة بين الاستقرار الإقليمي واستقرار الأسرة. فالأب الذي يعمل في الخليج ويساعد أبناءه على متابعة تعليمهم لا يرى في استقرار الدولة التي يعمل فيها مجرد عنوان سياسي، بل شرطاً لاستمرار التزاماته العائلية. والأم التي تعتمد على تحويلات ابنها لتغطية نفقات الاستشفاء لا تنظر إلى العلاقات العربية من زاوية الخطابات الحزبية، بل من زاوية قدرتها على تأمين العلاج. والشاب الذي يخطط لبناء مستقبله المهني في الخارج يحتاج إلى بيئة مستقرة تتيح له العمل والتطور والادخار. إن هؤلاء جميعاً يشكلون الوجه الإنساني للعلاقات الاقتصادية، ويؤكدون أن الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل أساس من أسس الحياة اليومية.

لكن المسؤولية الإنسانية لا تقتصر على اللبنانيين وحدهم، إذ إن أمن دول الخليج واستقرار مجتمعاتها ومصالح شعوبها يمثلان قيمة بحد ذاتهما، بصرف النظر عن حجم ما يستفيد منه اللبنانيون. فالمجتمعات الخليجية لها حق أصيل في الأمن والتنمية وحماية بنيتها التحتية ومؤسساتها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها. ومن ثم، فإن الدفاع عن سلامة الخليج لا ينبغي أن ينطلق من مصلحة لبنانية ضيقة وحدها، بل من الاعتراف بأن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة لجميع شعوبها، وأن الحروب التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية وتعرّض المجتمعات للخطر تترك آثاراً تتجاوز حدود الدول المتضررة مباشرة.

ومن هنا، فإن التضامن الحقيقي بين لبنان والخليج يتطلب بناء علاقات تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والالتزام بالقانون، وعلى رفض التهديدات التي تطال أمن المدنيين واستقرار المجتمعات. كما يتطلب الابتعاد عن لغة التشفي بالآخرين أو اعتبار أزماتهم مكاسب سياسية، لأن اضطراب دولة عربية قد ينعكس على دول أخرى عبر الاقتصاد والهجرة والتجارة والطاقة. وكلما أدركت المجتمعات العربية هذه الروابط، ازدادت قدرتها على مقاومة الخطابات التي تحول الأزمات إلى فرص لتصفية الحسابات، وعلى دعم الحلول الدبلوماسية التي تحمي الإنسان وتمنع اتساع دائرة الصراع.

11. الخاتمة

لقد أظهرت الأزمات اللبنانية المتلاحقة أن الاقتصاد الوطني لا يستطيع الاستمرار بصورة طبيعية عندما تفقد الدولة قدرتها على إدارة مواردها، وأن التحويلات المالية والاغتراب والعلاقات العربية أصبحت عناصر مهمة في صمود المجتمع. وفي هذا الواقع، فإن أي اضطراب يهدد فرص العمل أو الاستقرار في دول الخليج يمكن أن ينعكس على أسر لبنانية كثيرة، وأن يزيد من صعوبة تأمين التعليم والصحة والسكن والغذاء. ولذلك، فإن الانتقال إلى الوعي الوجودي يعني وضع الإنسان وكرامته وأمنه المعيشي في قلب التحليل السياسي، والنظر إلى الأحداث الخارجية من خلال آثارها الفعلية على المجتمع.

غير أن إدراك أهمية الخليج العربي لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لاستمرار اعتماد لبنان على الخارج، أو إلى دعوة للتخلي عن استقلاليته السياسية. فالعلاقة اللبنانية الخليجية تكون أكثر قوة واستدامة عندما تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة والتعاون والمصالح المشتركة، وعندما يمتلك لبنان دولة قادرة على حماية مواطنيها واتخاذ قراراتها وتنفيذ التزاماتها. ومن هنا، فإن المطلوب هو إصلاح النظام السياسي والاقتصادي، وتعزيز مؤسسات الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الشرعية، واعتماد سياسة خارجية مسؤولة تمنع استخدام لبنان منصة للصراعات الإقليمية، وتحمي علاقاته مع الدول العربية. كما ينبغي العمل على تنويع الاقتصاد المحلي وتطوير قطاعات الإنتاج والتعليم والصحة والتكنولوجيا، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، حتى تصبح التحويلات المالية عاملاً مساعداً على التنمية بدلاً من أن تبقى شرياناً اضطرارياً لتغطية نفقات الحياة اليومية.

وفي المحصلة، فإن سلامة الخليج العربي ليست مجرد عنوان في نشرة الأخبار، ولا قضية تُقاس أهميتها بما تحققه المحاور السياسية من مكاسب أو خسائر. إنها قضية ترتبط باستقرار منطقة كاملة، وبمصالح شعوبها، وبقدرة اللبنانيين على المحافظة على فرص العمل والروابط الإنسانية والاقتصادية التي نسجوها على مدى عقود. لكن حماية هذه المصالح تبدأ أيضاً من الداخل اللبناني، من استعادة الدولة لقرارها، ومن إنهاء الارتهان للانقسامات الطائفية، ومن بناء اقتصاد قادر على الإنتاج، ومن ترسيخ ثقافة سياسية تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية. إن الوعي الوجودي الحقيقي هو أن يفهم اللبناني أن أمنه لا ينفصل عن أمن مجتمعه، وأن مصلحته لا تنفصل عن مصلحة دولته، وأن استقرار الدول العربية الشقيقة لا ينبغي أن يكون مادة للتشفي أو المزايدة، بل أساساً للتعاون والتضامن. فلبنان الذي يريد أن يستعيد مكانته لا يستطيع أن يعيش على أزمات الآخرين، ولا أن يستهين باستقرارهم، بل عليه أن يبني معهم علاقات متوازنة تحفظ الكرامة والسيادة والمصالح المشتركة. وعندها فقط يصبح الانتقال من الوعي الإعلامي إلى الوعي الوجودي خطوة فعلية نحو استعادة الدولة اللبنانية لدورها، وتمكين المواطن من العيش بكرامة، وتحويل التضامن العربي من شعار سياسي إلى واقع اقتصادي واجتماعي وإنساني ملموس.

أخبار ذات صلة

محمد الماغوط:الوطن بخمس ليرات و العروبة بليرتين..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:المشكلة عندما يصبح المجتمع مستعداًلبيع الوطن بثمن بخس...
بحث

محمد الماغوط:
الوطن بخمس ليرات و العروبة بليرتين..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
المشكلة عندما يصبح المجتمع مستعداً
لبيع الوطن بثمن بخس...

16/10/2026

...

المقاومة أنواع، فما أفضلها؟د. الياس ميشال الشويري معقّباً:إنها مقاومة العيش الكريم...
بحث

المقاومة أنواع، فما أفضلها؟
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
إنها مقاومة العيش الكريم...

16/10/2026

...

لبنان الكبير بين حلمالمؤسّسين ومأساة الدولة ..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:ماذا لو نظرالطوباوي الياس الحويكإلى لبنان اليوم؟
بحث

لبنان الكبير بين حلم
المؤسّسين ومأساة الدولة ..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
ماذا لو نظر
الطوباوي الياس الحويك
إلى لبنان اليوم؟

12/10/2026

...

مقولة تصف مأزقاً لبنانياً إنسانياً:نعيش بين مطرقة الاستبداد السياسيو الاستحمار الديني..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:يجب كسْر العلاقة المرضيةبين الخوف و السلطة...
بحث

مقولة تصف مأزقاً لبنانياً إنسانياً:
نعيش بين مطرقة الاستبداد السياسي
و الاستحمار الديني..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
يجب كسْر العلاقة المرضية
بين الخوف و السلطة...

08/10/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
القارة العجوز هل أدركها الوَهَن؟أوروبا تئن من ضغط المعيشةو من باريس انطلقت المواجهة...

القارة العجوز هل أدركها الوَهَن؟ أوروبا تئن من ضغط المعيشة و من باريس انطلقت المواجهة...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups