• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

المقاومة أنواع، فما أفضلها؟
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
إنها مقاومة العيش الكريم...

2026/10/16
- بحث
المقاومة أنواع، فما أفضلها؟د. الياس ميشال الشويري معقّباً:إنها مقاومة العيش الكريم...

ليست المقاومة الحقيقية مجرّد قدرة على حمل السلاح، أو مواجهة عدوّ، أو رفع الشعارات، أو الادّعاء بامتلاك الحقيقة الوطنية. فالمقاومة، في معناها الإنساني العميق، هي قدرة الإنسان على الدفاع عن حقّه في الحياة، وصون كرامته، وحماية حريّته، وتأمين لقمة عيشه، والتمسّك بأمل بناء مستقبل أفضل لأبنائه. ومن هذا المنطلق، تكتسب العبارة القائلة إن “المقاومة الوحيدة التي نجحت في لبنان هي مقاومة العيش الكريم” معنى يتجاوز الجدل السياسي التقليدي، لتصبح دعوة إلى إعادة تعريف الوطنية والمقاومة والنجاح من منظور المواطن اللبناني الذي يريد أن يعيش في وطنه من دون خوف أو إذلال أو حرمان. فلبنان الذي طالما تغنّى أبناؤه بحريته وثقافته وتنوّعه، يجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة: وطن يمتلك طاقات بشرية وثقافية وعلمية كبيرة، لكنه يعجز عن ضمان أبسط مقوّمات الحياة لكثير من مواطنيه. وبين شعارات الانتصار وواقع الانهيار، وبين الوعود السياسية ومعاناة الناس، تبرز مقاومة العيش الكريم بوصفها معركة استعادة الدولة، وتحرير المواطن من الفقر والتبعية والخوف، وإعادة الاعتبار إلى العمل والعلم والقانون والمواطنة. وهي مقاومة لا تستهدف فئة لبنانية بعينها، ولا تختزل الأزمة في سبب واحد، بل تواجه كل منظومة تجعل الإنسان وسيلة لخدمة الزعيم أو الحزب أو الطائفة، بدلاً من أن تجعل الدولة أداة لخدمته وحماية حقوقه.

د. الياس ميشال الشويري

عندما ننظر إلى تاريخ لبنان الحديث، نكتشف أن البلاد عرفت أشكالاً متعددة من المقاومة والصمود والتضحيات، بعضها ارتبط بمواجهة الاحتلال والاعتداءات الخارجية، وبعضها الآخر ارتبط بالدفاع عن الحريات أو مواجهة الظلم الاجتماعي والسياسي. ولا يجوز إنكار التضحيات التي قدّمها اللبنانيون في محطات تاريخية مختلفة، كما لا يجوز اختزال تاريخ بلد كامل في تجربة سياسية أو عسكرية واحدة. لكن السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه اليوم هو: ما المعيار الذي نعتمده للحكم على نجاح أي مقاومة؟ هل يكفي أن تعلن حركة سياسية تحقيق انتصار عسكري أو أن ترفع شعار الدفاع عن الوطن، أم ينبغي أن يُقاس النجاح أيضاً بما يحققه للإنسان من أمن واستقرار وحرية وازدهار؟ إن المقاومة التي لا تنعكس نتائجها على حياة المواطنين، ولا تحمي مؤسسات الدولة، ولا تضمن استقرار الاقتصاد، ولا تتيح للشباب بناء مستقبلهم في وطنهم، تظلّ موضع مساءلة وطنية وأخلاقية مهما كانت شعاراتها جذابة. فالانتصار الذي لا يمنع انهيار العملة، ولا يحمي المدّخرات، ولا يوفّر فرص العمل، ولا يضمن التعليم والاستشفاء، لا يمكن اعتباره انتصاراً كاملاً في ميزان الحياة اليومية.

ومن هنا، لا تعني مقاومة العيش الكريم استبدال مقاومة بأخرى على مستوى الشعارات، بل نقل النقاش الوطني من صراع الهويات والولاءات إلى صراع الأفكار والسياسات والنتائج. إنها مقاومة الفساد والمحاصصة، ومقاومة تحويل الطائفة إلى بديل عن الدولة، ومقاومة إخضاع المواطن للزعيم مقابل خدمة أو وظيفة أو مساعدة، ومقاومة التطبيع مع الفقر والفساد والهجرة القسرية وانعدام المساءلة. إنها أيضاً مقاومة ثقافية وفكرية وأخلاقية، لأنها تبدأ من رفض اعتبار الذلّ قدراً، أو الفشل نتيجة حتمية للتنوّع اللبناني، أو الولاء السياسي بديلاً عن الكفاءة. وفي لبنان الذي يعيش أزمات مالية ومؤسساتية واجتماعية متشابكة منذ سنوات، يصبح العيش الكريم مشروعاً وطنياً متكاملاً، لا مطلباً اقتصادياً محدوداً. فالمواطن لا يحتاج إلى دولة تمنحه امتيازاً لأنه ينتمي إلى طائفة معينة، بل إلى دولة تضمن له حقّه لأنه مواطن؛ ولا يحتاج إلى زعيم يتكرّم عليه بالخدمة، بل إلى مؤسسات تعمل وفق القانون؛ ولا يحتاج إلى وعود جديدة بالانتصار، بل إلى نتائج ملموسة في حياته ومستقبل أولاده.

1. من مقاومة الشعارات إلى مقاومة العيش الكريم

تتطلّب مناقشة مفهوم المقاومة في لبنان التمييز بين المقاومة بوصفها حقاً في الدفاع عن الأرض والسيادة، وبين تحويل هذا المفهوم إلى هوية سياسية دائمة تُستخدم لتبرير خيارات السلطة أو إعفاء أصحاب القرار من المساءلة. فالدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن الإنسان الذي يعيش فيه، ولا يمكن فصل السيادة عن قدرة الدولة على حماية مواطنيها وضمان حقوقهم. وإذا كانت المقاومة، في أحد معانيها، رفضاً للخضوع والاحتلال والظلم، فإنها تصبح متناقضة مع غايتها عندما يتحوّل المواطن نفسه إلى أسير للفقر والخوف والتبعية، أو عندما يُطلب منه تحمّل أعباء لا يشارك في تقريرها. فالوطن ليس أرضاً مجرّدة فحسب، بل هو أيضاً الإنسان الذي يسكنها، والمدرسة التي يتعلّم فيها، والمستشفى الذي يعالَج فيه، والمؤسسة التي تحمي حقوقه، والمستقبل الذي يستطيع أن يبنيه بحرية. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الوطني محصوراً في هوية الجهة التي ترفع شعار المقاومة، بل يجب أن يمتد إلى النتائج التي تتركها سياساتها على المجتمع والدولة.

لقد شهد لبنان تجارب سياسية وعسكرية متعددة رُفعت خلالها شعارات التحرير والحماية والصمود، وارتبط بعضها بتضحيات حقيقية قدّمها لبنانيون من مناطق وطوائف مختلفة. غير أن الاعتراف بالتضحيات لا يعني منح أي جهة حصانة دائمة من النقد، كما أن تقدير أي إنجاز عسكري لا يعفي من تقييم كلفته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، بل بما تؤول إليه التجارب من نتائج، وبما إذا كانت البلاد تصبح بعدها أكثر استقراراً واستقلالاً وقدرة على حماية مصالحها. وعندما يجد المواطن نفسه عاجزاً عن استرداد مدّخراته، أو مضطراً إلى الاعتماد على تحويلات أقاربه في الخارج، أو خائفاً من أن يؤدي تصعيد عسكري جديد إلى تدمير منزله ومصدر رزقه، يصبح من حقه أن يسأل عن معنى النجاح الوطني وعن المسؤولية التي يتحمّلها أصحاب القرار. وهذا السؤال ليس إنكاراً للتضحيات، بل مطالبة بأن تكون التضحية وسيلة لحماية الحياة، لا أن تتحول الحياة نفسها إلى تضحية دائمة.

ومن هنا، فإن مقاومة العيش الكريم تبدأ برفض الخلط بين الوطن والحزب، وبين الدولة والطائفة، وبين النقد والخيانة، وبين المطالبة بالحقوق والتآمر على البلاد. لا يحق لأي طرف أن يحتكر تعريف الوطنية أو أن يعتبر الاعتراض على سياساته اعتداءً على جماعته أو على كرامة الشهداء الذين ينتمي إليهم. فالمواطن يستطيع أن يحترم تضحيات الآخرين، وأن يعترف بحق الشعوب في الدفاع عن نفسها، وفي الوقت نفسه أن يرفض أي سياسة تجرّ بلاده إلى مواجهات لا يشارك في تقريرها، أو تُضعف مؤسساتها، أو تعرّض سكانها لمخاطر لا تتناسب مع قدرتها على الاحتمال. إن الدولة السيدة هي التي تحتكر قرار الحرب والسلم وفق الدستور والقانون، وتخضع قراراتها للمساءلة الوطنية، وتعمل على حماية جميع مواطنيها من دون تمييز. أما تحويل القضايا المصيرية إلى قرارات تتخذها قوى خارج إطار المؤسسات، فيضعف مبدأ المواطنة ويجعل المجتمع يتحمل نتائج خيارات لا يملك جميع أفراده حق المشاركة فيها.

وإذا أردنا تعريف المقاومة الناجحة في لبنان اليوم، فعلينا أن نقيسها بقدرتها على استعادة حقوق المودعين، وتوفير الكهرباء والمياه، وتحسين التعليم والصحة، وخلق فرص العمل، وحماية الحريات، وإعادة بناء المناطق المتضررة، وإيقاف نزيف الهجرة. فالمقاومة التي تنجح في حماية الإنسان من الذلّ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ليست أقل شأناً من أي إنجاز مادي؛ بل هي الأساس الذي يمنح الإنجازات الوطنية معناها الإنساني. ولا يعني ذلك أن كل مقاومة تاريخية كانت فاشلة، أو أن العيش الكريم لا يتطلب الدفاع عن الأرض والأمن، بل يعني أن أي مشروع وطني يجب أن يُختبر بنتائجه الشاملة. فالنجاح الحقيقي هو أن يتمكن اللبناني من العيش في بلاده آمناً، وأن يختلف سياسياً من دون خوف، وأن يعمل وفق كفاءته، وأن يخطط لمستقبله من دون أن يكون رهينة لمزاج زعيم أو قرار حزب أو انهيار مفاجئ في مؤسسات الدولة.

في لبنان، باتت لقمة العيش معركة كرامة

2. الأزمة اللبنانية منذ عام 2019 وانهيار شروط الحياة الكريمة

شكّلت الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت عام 2019 نقطة تحوّل عميقة في حياة اللبنانيين، لأنها كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي والمؤسساتي الذي قامت عليه البلاد خلال عقود. لم يكن الانهيار مجرد تراجع في قيمة العملة أو ارتفاع في أسعار السلع، بل كان انهياراً في الثقة بين المواطن والمصارف والدولة، وفي قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، وفي الاعتقاد بأن العمل والادخار يمكن أن يضمنا مستقبلاً مستقراً. وقد أشار البنك الدولي إلى أن الأزمة أدّت إلى انهيار تاريخي في قيمة الليرة اللبنانية، وإعسار القطاع المصرفي، ودفع أكثر من ثلث السكان إلى الفقر وفق عرضه العام للبلاد. كما أدّت الصدمات المتتالية، ومنها جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت والنزاعات المسلحة، إلى تعميق الأضرار الاجتماعية والاقتصادية. وهذه الوقائع تفرض سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الحديث عن نجاح وطني فيما لا تزال شرائح واسعة من المواطنين تعاني صعوبة تأمين حاجاتها الأساسية، فيما تآكلت مدّخرات العمر، واضطرت عائلات إلى تقليص نفقاتها الصحية والتعليمية، وأصبح الاستقرار المالي حلماً بعيداً؟

لقد كشفت الأزمة أيضاً عن خلل عميق في العلاقة بين المواطن والدولة. فالمواطن الذي دفع الضرائب والرسوم، والتزم القوانين، وعمل سنوات طويلة، كان يتوقع أن تحمي المؤسسات حقوقه الأساسية، بما فيها أمواله المودعة في المصارف. لكن أزمة الودائع تحولت إلى أحد أبرز رموز فقدان الثقة، لأن كثيرين وجدوا أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى أموالهم بالشروط التي كانوا يتوقعونها، فيما تداخلت مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية ضمن منظومة معقدة لم تُحسم تبعاتها بعد بصورة عادلة وشفافة. وقد أشار صندوق النقد الدولي في آذار 2025 إلى استمرار تعثّر القطاع المصرفي وعدم تمكّن المودعين من الوصول إلى أموالهم، وإلى بقاء الفقر والبطالة عند مستويات مرتفعة. إن مقاومة العيش الكريم تقتضي، في هذا السياق، ألا يُترك المودع وحيداً في مواجهة خسارته، وألا تتحول حقوق الناس إلى موضوع مساومات سياسية، بل أن تُحدَّد المسؤوليات وفق القانون، وأن تُعتمد آلية عادلة وواقعية لتوزيع الخسائر، مع حماية صغار المودعين بقدر ما تسمح به الإمكانات والأصول المتاحة.

ولا تقتصر آثار الانهيار على الحسابات المصرفية والأسعار، بل تمتد إلى كرامة الإنسان اليومية. فعندما يضطر الأب إلى حساب كلفة الدواء قبل شرائه، أو تتخلى الأم عن بعض احتياجاتها لتأمين أقساط المدرسة، أو يعمل الأستاذ والطبيب والمهندس في أكثر من وظيفة كي يحافظوا على مستوى معيشي مقبول، تصبح الأزمة اعتداءً على الوقت والصحة والاستقرار النفسي والاجتماعي. وعندما يُحرم الشاب من فرصة العمل المناسبة، أو تُجبر عائلة على مغادرة منزلها بسبب تراجع دخلها، لا يكون الفقر مجرد مؤشر إحصائي، بل تجربة إنسانية تحدّ من الحرية والقدرة على اتخاذ القرار. كما أن الاعتماد المفرط على المساعدات الفردية والتحويلات الخارجية قد يخفف المعاناة الآنية، لكنه لا يعوّض غياب نظام اجتماعي مستدام يحمي المواطنين عند المرض أو البطالة أو الشيخوخة. إن الدولة التي تترك مواطنيها لمواجهة هذه المخاطر منفردين تفقد تدريجياً أحد أهم أسباب وجودها، أي توفير الحماية العامة التي لا يستطيع الأفراد تأمينها بصورة متساوية.

وقد بيّن البنك الدولي في تقريره عن الفقر المنشور عام 2024 أن نسبة الفقر النقدي في المناطق التي شملها المسح ارتفعت من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، وفق خط الفقر والمنهجية المعتمدين في التقرير، مع تفاوتات جغرافية واجتماعية كبيرة. ولا يجوز التعامل مع هذه الأرقام كأنها مجرد نتائج اقتصادية معزولة، لأنها تكشف اتساع الفجوة بين المواطنين وقدرتهم على الوصول إلى الفرص والخدمات. ومن هنا، فإن مقاومة العيش الكريم تعني جعل مكافحة الفقر أولوية وطنية، عبر حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتطوير برامج مساعدة اجتماعية مستدامة، وإصلاح النظام الضريبي، وتحسين الخدمات العامة، وإيجاد فرص عمل منتجة. كما تعني إعادة الاعتبار إلى الطبقة الوسطى التي تشكل عادةً ركيزة الاستقرار الاجتماعي والثقة بالمؤسسات. فلا يمكن بناء دولة مستقرة على مجتمع تتسع فيه الفوارق، ويشعر فيه المواطن بأن مستقبله يعتمد على ما يملكه من علاقات سياسية أو تحويلات عائلية، بدلاً من اعتماده على عمله وكفاءته وحقوقه القانونية.

حين يثور الشعب، يُحاصَر الفساد

3. الطائفية والمحاصصة والفساد بوصفها عوائق أمام الكرامة الإنسانية

لا يمكن فهم المأزق اللبناني من دون التوقف عند النظام السياسي الذي نشأ على أساس تقاسم السلطة بين الطوائف، والذي تطوّر في ممارسات كثيرة إلى شبكة من المحاصصة والزبائنية وتبادل المنافع. فالتنوّع الديني والثقافي ليس في ذاته سبباً للفشل، بل يمكن أن يكون مصدر غنى وتعدّد إذا أُدير ضمن دولة مواطنة وقانون. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من إطار اجتماعي وروحي إلى وسيلة لتوزيع الوظائف والمنافع والحماية، وعندما يصبح الولاء السياسي شرطاً للحصول على خدمة عامة، وعندما تُقاس فرص المواطن بمدى قربه من الزعيم لا بكفاءته. وقد تناول البنك الدولي في دراساته عن هشاشة لبنان العلاقة بين ترتيبات تقاسم السلطة القائمة على الولاءات الطائفية والمحسوبية، وبين ضعف الخدمات العامة والفساد وغياب المساءلة والتفاوتات الاجتماعية. وهذا لا يعني أن كل مسؤول أو مؤسسة أو مواطن ينتمي إلى طائفة معينة متورط في هذه الممارسات، بل يعني أن قواعد النظام وممارساته قد تشجع على تقديم الولاء على المصلحة العامة.

في ظل هذه المنظومة، يجد المواطن نفسه أحياناً مضطراً إلى طلب حقّه من وسيط سياسي بدلاً من الحصول عليه مباشرة من الإدارة المختصة. وقد يحتاج إلى توصية لتسريع معاملة، أو إلى تدخل حزبي للاستفادة من خدمة عامة، أو إلى مساعدة شخصية للحصول على علاج أو وظيفة. وهكذا تتحول الحقوق التي يفترض أن تكون مضمونة بالقانون إلى خدمات تُقدَّم ضمن علاقة غير متكافئة بين صاحب النفوذ والمواطن المحتاج. وتكمن خطورة هذه العلاقة في أنها لا تكتفي بإضعاف المؤسسات، بل تنتج أيضاً شعوراً بالامتنان القسري والتبعية، وكأن المسؤول يمنح المواطن من ماله الخاص ما هو في الحقيقة حق له أو خدمة ممولة من المال العام. وبمرور الوقت، تصبح الحاجة الاقتصادية أداة لاستدامة النفوذ السياسي، ويُعاد إنتاج النظام نفسه حتى عندما يفشل في أداء وظائفه الأساسية. إن مقاومة العيش الكريم تقتضي كسر هذه الحلقة، عبر جعل الخدمات حقاً عاماً، واعتماد معايير واضحة للتوظيف والمساعدة، وتمكين أجهزة الرقابة والقضاء من محاسبة المخالفين.

ويُعدّ الفساد من أخطر العوائق أمام بناء مجتمع كريم، لأنه لا يقتصر على سرقة المال العام أو دفع الرشى، بل يشمل أيضاً إهدار الموارد، وتعطيل المشاريع، وتضارب المصالح، وغياب الشفافية، وحماية أصحاب النفوذ من المحاسبة. فالمال الذي يُهدر في صفقة غير شفافة هو مال كان يمكن أن يسهم في تحسين مدرسة أو مستشفى أو شبكة مياه أو طريق. والوظيفة التي تُمنح على أساس المحسوبية بدلاً من الكفاءة قد تضعف الإدارة وتحرم شخصاً أكثر استحقاقاً من فرصة العمل. والمشروع العام الذي يتعطل بسبب التجاذبات السياسية يضاعف كلفته ويؤخر وصول الخدمة إلى المواطنين. لذلك، فإن مكافحة الفساد ليست معركة أخلاقية فحسب، بل هي سياسة اقتصادية واجتماعية ضرورية لإعادة توزيع الفرص بصورة عادلة وتحسين جودة الإنفاق العام. كما أنها شرط لاستعادة ثقة اللبنانيين بالدولة ولجذب الاستثمار المنتج الذي يحتاج إلى قضاء مستقل وقواعد واضحة وبيئة قانونية مستقرة.

ولا تتحقق مقاومة المحاصصة بمجرد المطالبة بإلغاء الطائفية السياسية كشعار، بل تتطلب بناء مؤسسات قادرة على ضمان حقوق الجميع ومنع احتكار السلطة. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إدارة عامة تقوم على الكفاءة، وقضاء مستقل، وقوانين فعالة للوصول إلى المعلومات، وتدقيق مالي شفاف، ومشتريات عامة خاضعة للرقابة، وحماية للمبلّغين عن الفساد، وانتخابات تتيح المنافسة السياسية الحقيقية. كما يتطلب تغيير الثقافة السياسية التي تعتبر أن نجاح ممثل الطائفة يكمن في زيادة حصتها من المنافع، بدلاً من تحسين حياة مواطنيها ضمن دولة عادلة. إن المواطن المسيحي والمسلم، ابن بيروت أو طرابلس أو الجنوب أو البقاع أو جبل لبنان، لا ينبغي أن يكون مضطراً للاختيار بين انتمائه الاجتماعي وحقه في المواطنة. فالدولة العادلة لا تطلب من الناس التخلي عن هوياتهم الخاصة، بل تضمن ألا تتحول هذه الهويات إلى حدود تفصل بينهم في الحقوق والفرص. وهنا تصبح مقاومة العيش الكريم مشروعاً لتحرير المجتمع من الزبائنية، وإعادة السياسة إلى وظيفتها الأصلية: إدارة الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة، لا توزيع الغنائم بين القوى المتنافسة.

حين يصبح البيت مقبرةً للأمان، والوطن ملاذًا للخوف

4. السلاح والحرب والسيادة وحق اللبناني في الأمان

لا يمكن تناول العيش الكريم في لبنان من دون مناقشة العلاقة بين الأمن والسيادة وقرار الحرب والسلم. فالأمان ليس امتيازاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق الأهداف السياسية أو العسكرية، بل هو شرط أساسي لحياة الإنسان ولعمل الاقتصاد وللاستثمار والتعليم والاستقرار العائلي. وعندما يعيش المواطن في خوف دائم من توسّع المواجهات أو تدمير منزله أو خسارة مصدر رزقه، تتقلص قدرته على التخطيط للمستقبل، ويصبح كل مشروع اقتصادي أو اجتماعي معرضاً للتوقف بفعل التطورات الأمنية. وقد أظهرت الصراعات الأخيرة حجم الأعباء التي يمكن أن يتحملها لبنان في ظل هشاشة اقتصاده ومؤسساته. فقد قدّر البنك الدولي في تقييم الأضرار والاحتياجات الصادر عام 2025 أن التكلفة الاقتصادية للصراع الذي شمل الفترة من 8 تشرين الأول 2023 إلى 20 كانون الأول 2024 بلغت نحو 14 مليار دولار، وأن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار قُدّرت بنحو 11 مليار دولار. وتكشف هذه التقديرات أن الحرب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل أيضاً بما تخلّفه من خسائر في المساكن والأعمال والبنية التحتية وفرص التنمية.

ومن المهم هنا التمييز بين حق لبنان في الدفاع عن أرضه وشعبه، وهو حق مشروع، وبين السؤال عن الوسائل والقرارات التي تحقق هذا الهدف بأقل كلفة ممكنة على المجتمع. فالدفاع عن الوطن يحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة، ومؤسسات شرعية قادرة، وتنسيق بين السياسة والدبلوماسية والقدرات الدفاعية، مع مراعاة القانون الدولي وحماية المدنيين. ولا يجوز أن يتحول النقاش في هذه المسائل إلى تخوين متبادل بين اللبنانيين؛ فمن حق المواطن أن يطالب بالسيادة، ومن حقه أيضاً أن يسأل من يقرر الحرب والسلم، وما هي أهداف المواجهة، وكيف تُقدَّر المخاطر، وما الضمانات التي تحمي السكان وممتلكاتهم. كما لا يجوز تجاهل مسؤولية الاعتداءات الخارجية والاحتلال وانتهاك السيادة عندما تقع، أو تحميل طرف لبناني واحد تلقائياً مسؤولية جميع الأضرار. إن التحليل الوطني المسؤول يقتضي النظر إلى العوامل الداخلية والخارجية معاً، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتقديرات السياسية، ثم مساءلة أصحاب القرار عن الخيارات التي تقع ضمن مسؤولياتهم.

إن مقاومة العيش الكريم لا تعني قبول الاحتلال أو الاعتداء أو الاستسلام للقوة، كما لا تعني التخلي عن حق لبنان في حماية نفسه. لكنها تعني أن الدفاع عن السيادة يجب أن يكون مرتبطاً بهدف واضح هو حماية الشعب والأرض والدولة، وأن تكون قرارات الحرب والسلم خاضعة للمؤسسات الدستورية وللمصلحة الوطنية الجامعة. فالدولة التي لا تستطيع ضمان مشاركة مواطنيها في القرارات المصيرية تضعف الثقة بين المجتمع والسلطة، كما أن تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري قد يخلق تناقضاً بين المسؤولية الرسمية والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار. ولذلك، يصبح بناء دولة قادرة على حماية الحدود، وتطبيق القانون، وتوحيد القرار السيادي، وتعزيز قدرات الجيش والمؤسسات الشرعية، جزءاً أساسياً من مقاومة العيش الكريم. ويجب أن ترافق ذلك دبلوماسية فاعلة، وعلاقات متوازنة مع الدول، والتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة، وخطط واقعية لإعادة إعمار المناطق المتضررة وتعويض الأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها.

والأهم أن الإنسان اللبناني يجب ألا يُعامل كأنه مادة قابلة للاستهلاك في الصراعات السياسية أو العسكرية. فالمدني الذي يخسر منزله، والعامل الذي يتوقف نشاطه، والطالب الذي ينقطع عن التعليم، والمزارع الذي يفقد أرضه، والعائلة التي تضطر إلى النزوح، جميعهم يتحملون نتائج تتجاوز كثيراً لحظة المواجهة. ومن واجب الدولة أن تضع حماية المدنيين والتعافي الاقتصادي والاجتماعي في صلب قراراتها، وأن تضمن توزيع المساعدات والتعويضات وفق الحاجة ومعايير عادلة وشفافة، بعيداً عن التمييز السياسي والطائفي. كما ينبغي أن يكون للمواطنين صوت حقيقي في تحديد أولويات السلام والاستقرار وإعادة الإعمار. فالمقاومة التي تنجح في حماية الأرض ولكنها لا تسعى إلى استعادة الحياة فيها تظل ناقصة من منظور التنمية الإنسانية، كما أن السلام الذي لا يحمي السيادة والحقوق والكرامة لا يكون سلاماً مستداماً. والهدف النهائي ليس الاختيار بين الأمن والعيش الكريم، بل بناء دولة تجعل الأمن شرطاً للكرامة وتجعل الكرامة غاية للسياسة الأمنية والوطنية.

في مقاعد الدراسة، تبدأ مقاومة الجهل ويُصان مستقبل الوطن

5. التعليم والصحة والعمل والهجرة؛ ميادين المقاومة الحقيقية

يحتل التعليم موقعاً مركزياً في أي مشروع لبناء العيش الكريم، لأن المدرسة والجامعة ليستا مجرد مؤسستين لنقل المعرفة، بل هما وسيلتان لتحرير الإنسان من التبعية والفقر، وتوسيع قدرته على الاختيار والمشاركة والإبداع. وقد عُرف لبنان تاريخياً بجامعاته ومدارسه ومؤسساته التعليمية، وبقدرته على تخريج أطباء ومهندسين وأساتذة وباحثين يعملون داخل البلاد وخارجها. لكن المحافظة على هذا الرصيد تتطلب سياسات مستدامة تحمي جودة التعليم، وتدعم المعلمين، وتضمن قدرة الأسر على تحمّل الأقساط والنفقات، وتوفّر للطلاب فرصاً متكافئة بصرف النظر عن أوضاعهم الاقتصادية. فعندما تصبح جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة المالية وحدها، تتسع الفجوة بين أبناء المجتمع، وتتحول المدرسة إلى عامل لإعادة إنتاج التفاوت بدلاً من أن تكون وسيلة لتجاوزه. وعندما يضطر الأستاذ إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لمواجهة تكاليف المعيشة، أو تعجز الجامعة عن الاحتفاظ بكفاءاتها، يتراجع أحد أهم عناصر القوة الوطنية. لذلك، فإن مقاومة العيش الكريم تبدأ من الدفاع عن حق كل طفل في تعليم جيد، وعن حق الأستاذ في أجر عادل وبيئة عمل لائقة، وعن حق الجامعة في الاستقلال الأكاديمي والبحث العلمي.

ولا يقلّ الحق في الصحة أهمية عن الحق في التعليم، لأن الإنسان الذي لا يستطيع الحصول على العلاج المناسب لا يتمتع بحرية حقيقية في إدارة حياته. وقد كشفت الأزمات الاقتصادية والأمنية عن هشاشة قدرة شرائح من اللبنانيين على تحمّل تكاليف الدواء والاستشفاء والفحوص الطبية، وعن أهمية وجود نظام صحي يوفّر الحماية للفئات الفقيرة والمتوسطة، ولا يتركها رهينة للدخل الفردي أو المساعدة العائلية. ولا يكفي أن يمتلك البلد أطباء أكفاء ومستشفيات متطورة إذا كان الوصول إلى هذه الخدمات متفاوتاً إلى حد يجعل العلاج الجيد امتيازاً مالياً. فالمطلوب هو تطوير التغطية الصحية، وتحسين خدمات الرعاية الأولية، وضمان استمرارية الأدوية الأساسية، وتعزيز أنظمة الضمان والتقاعد والحماية الاجتماعية، ومراقبة جودة الخدمات وكلفتها. كما ينبغي النظر إلى الصحة النفسية والاجتماعية بوصفها جزءاً من الصحة العامة، خصوصاً في مجتمع تعرض لأزمات اقتصادية وانفجارات ونزاعات ونزوح وفقدان للأمان. إن الدولة التي تحمي صحة مواطنيها لا تمنحهم خدمة فحسب، بل تحافظ على قدرتهم على العمل والإنتاج والمشاركة في الحياة العامة.

أما العمل، فهو أحد أهم مصادر الكرامة والاستقلال الشخصي. فالوظيفة لا تعني الحصول على راتب فحسب، بل تمنح الإنسان شعوراً بالقدرة على الاعتماد على نفسه، والمساهمة في المجتمع، والتخطيط لمستقبل عائلته. لكن الاقتصاد الذي لا يخلق فرصاً كافية للعمل المنتج يدفع شبابه إلى البطالة أو الهجرة أو العمل غير المستقر، ويجعل أصحاب الشهادات أمام خيارات قاسية بين قبول ظروف غير ملائمة أو مغادرة البلاد. ولذلك، فإن مقاومة العيش الكريم تتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على الاستهلاك والوساطة وتدفقات الأموال الخارجية إلى اقتصاد منتج يوسّع فرص العمل في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة والسياحة المستدامة. ويستلزم ذلك بيئة قانونية مستقرة، وتمويلاً مسؤولاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتدريباً مهنياً متصلاً بحاجات السوق، وتشجيعاً للابتكار وريادة الأعمال، وسياسات تمنع الاحتكار وتحمي المنافسة. كما يجب أن تكون الوظائف العامة قائمة على الكفاءة والحاجة الفعلية، لا على الولاء السياسي أو التوزيع الطائفي للمناصب.

وتُعدّ الهجرة من أكثر المؤشرات حساسية على أزمة العيش الكريم في لبنان، وإن لم تكن كل هجرة دليلاً على الفشل؛ فالتنقل والعمل في الخارج قد يكونان خيارين إيجابيين عندما يتاحان بحرية. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المغادرة ضرورة لتأمين الدواء أو التعليم أو السكن، أو عندما يشعر الشاب أن مستقبله في لبنان أقل استقراراً من مستقبله في بلد آخر بسبب ضعف المؤسسات وغياب الفرص. فخسارة الكفاءات لا تعني فقدان الأفراد وحدهم، بل تعني أيضاً خسارة جزء من الاستثمار الذي وضعته الأسر والمجتمع في تعليمهم وتدريبهم، وإضعاف قدرة البلاد على تطوير مؤسساتها واقتصادها. وفي المقابل، يستطيع لبنان الاستفادة من طاقات المغتربين وشبكاتهم العلمية والمهنية والاستثمارية إذا بُنيت علاقة مؤسساتية معهم، تقوم على الثقة والشفافية والفرص الحقيقية، لا على استدعائهم عند الحاجة إلى التحويلات المالية. إن الهدف ليس منع اللبناني من السفر، بل منحه القدرة على الاختيار: أن يغادر لأنه يريد اكتشاف العالم، لا لأنه عاجز عن بناء حياة كريمة في وطنه؛ وأن يعود إذا رغب، ليجد دولة تحمي حقوقه وتتيح له توظيف علمه وخبرته.

جيلٌ يبني مجتمعه اليوم، ليصنع وطنًا يليق بالجميع غدًا

6. بناء مشروع وطني جديد؛ من مقاومة الحرمان إلى دولة المواطنة

إن تحويل مقاومة العيش الكريم من عبارة أخلاقية إلى مشروع وطني يتطلب رؤية متكاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فلا يكفي أن نطالب بمحاربة الفساد من دون تطوير المؤسسات التي تكشفه وتعاقب مرتكبيه، ولا أن نطالب بالنمو الاقتصادي من دون إصلاح النظام المالي والقضائي والإداري، ولا أن ندعو إلى العدالة الاجتماعية من دون تحديد الموارد وآليات توزيعها. وقد أظهر البنك الدولي في تقاريره الاقتصادية عن لبنان أن التعافي يظل مشروطاً بإصلاحات مالية ومصرفية ومؤسساتية، وباستعادة الثقة وتحسين بيئة الاستثمار. وعليه، فإن أولى خطوات المشروع الوطني هي الاعتراف بأن الأزمة ليست قدراً لبنانياً ولا نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكمات من السياسات الخاطئة، والاختلالات المؤسسية، والصدمات الخارجية، والنزاعات، والقرارات التي تحتاج إلى مراجعة ومساءلة. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يهدف إلى توزيع الاتهامات بلا تمييز، بل إلى وضع المسؤولية في إطارها الصحيح، وتحديد ما يمكن إصلاحه، وما يحتاج إلى معالجة قانونية أو اقتصادية أو سياسية.

ويأتي إصلاح الدولة في مقدمة هذه الأولويات. فالمطلوب إدارة عامة فعالة، وقضاء مستقل، وأجهزة رقابة قادرة على العمل، وقوانين تُطبّق على الجميع، ومؤسسات أمنية وعسكرية شرعية تحمي المواطنين وتخضع للسلطة الدستورية. كما ينبغي أن يصبح المال العام موضوعاً للشفافية والمساءلة، من خلال موازنات واضحة، وتدقيق مستقل، ونشر العقود والمشتريات، ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات وفق الأدلة والإجراءات القانونية. ويجب أن تُمنح المؤسسات الرقابية صلاحيات فعلية وموارد كافية، وأن تُحمى استقلالية القضاء من التدخلات السياسية، وأن تُطبّق قواعد تضارب المصالح على أصحاب المناصب العامة. ولا يتحقق الإصلاح بتغيير الأشخاص وحدهم إذا بقيت القواعد التي تسمح بتكرار الممارسات نفسها؛ بل يتطلب نظاماً يجعل إساءة استعمال السلطة أكثر صعوبة، واكتشافها أكثر احتمالاً، ومحاسبة مرتكبيها أكثر فاعلية. فالدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها، بل الدولة التي يخضع فيها الجميع للقانون، بما في ذلك المسؤولون وأصحاب النفوذ.

وفي المجال الاقتصادي، ينبغي أن تقوم الخطة الوطنية على استعادة الثقة المالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي على أسس واضحة، ومعالجة أزمة الودائع ضمن إطار قانوني شفاف وعادل وقابل للتنفيذ، مع تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر بصورة لا تُحمّل الفئات الأضعف العبء الأكبر بصورة تعسفية. كما ينبغي تطوير نظام ضريبي أكثر عدالة وفعالية، وتحسين جباية الإيرادات، وترشيد الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو الخدمات الأساسية والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية. ومن الضروري أن تُربط برامج الدعم الاجتماعي بمعايير معلنة تضمن وصولها إلى مستحقيها، مع تجنب تحويلها إلى أدوات للمحسوبية السياسية. كذلك، يحتاج لبنان إلى خطة لإعادة الإعمار تأخذ في الاعتبار حاجات المناطق والأسر المتضررة، وتمنع الهدر، وتشجع الاستثمار المنتج، وتضمن الشفافية في العقود والتعويضات. وقد قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار المرتبطة بأضرار صراع 2023–2024 بنحو 11 مليار دولار، ما يبرز حجم المهمة وضرورة تنسيق التمويل العام والخاص والمساعدات الدولية ضمن أولويات وطنية واضحة.

أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فإن بناء العيش الكريم يتطلب استعادة قيمة المواطنة، وتطوير التعليم المدني، وتعزيز حرية التعبير، وتشجيع المشاركة السياسية والمجتمعية، وحماية الإعلام المستقل، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة الفعلية في صنع القرار. كما يجب أن تتحول الجامعات ومراكز البحث والنقابات والجمعيات المهنية إلى شركاء في صياغة السياسات العامة وتقييم نتائجها، بدلاً من أن يقتصر دورها على إصدار المواقف أو تقديم الخدمات المحدودة. ويمكن وضع مؤشرات وطنية سنوية لقياس التقدم في مجالات مثل الفقر، وفرص العمل، وجودة التعليم، والوصول إلى الصحة، والكهرباء والمياه، واستقلال القضاء، والثقة بالمؤسسات. فالمشروع الوطني الذي لا يضع أهدافاً قابلة للقياس قد يبقى أسير النوايا والشعارات، بينما يسمح القياس الدوري بمعرفة ما تحقق وما تعثر وما يحتاج إلى تصحيح. والمطلوب في النهاية ليس بناء مجتمع متطابق في آرائه وهوياته، بل مجتمع يستطيع أفراده الاختلاف والتنافس بحرية ضمن دولة عادلة، ويعرفون أن حقوقهم الأساسية لا تتغير بتغير الحكومات أو التحالفات السياسية.

مقاومة الفساد… معركة إنقاذ وطن وكرامة إنسان!

7. الخاتمة

إن العبارة القائلة إن “المقاومة الوحيدة التي نجحت في لبنان هي مقاومة العيش الكريم” ليست حكماً تاريخياً نهائياً على جميع تجارب المقاومة اللبنانية، بل هي صرخة سياسية وأخلاقية تعبّر عن ضرورة إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فبعد عقود من الصراعات والانقسامات والأزمات الاقتصادية، أصبح من الضروري أن يُطرح سؤال الإنسان في صلب كل مشروع سياسي: ماذا حققنا للمواطن اللبناني؟ وهل أصبح أكثر أمناً وحرية وكرامة؟ وهل يستطيع أن يعلّم أبناءه، ويعالج مرضاه، ويحمي مدّخراته، ويعمل وفق كفاءته، ويخطط لمستقبله في وطنه؟ إن قيمة أي مشروع وطني لا تُقاس فقط بما يعلنه من أهداف، بل أيضاً بما يحققه من نتائج ملموسة في حياة الناس. وقد زادت الأزمات المتلاحقة، بما فيها الصدمات الأمنية والاقتصادية المتجددة، من إلحاح هذه الأسئلة. وفي آب 2026، حذّر البنك الدولي من أن تجدد النزاع أطاح بالتعافي الاقتصادي الهش في لبنان، وتوقّع انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% خلال العام. وهذه المؤشرات تؤكد أن استعادة الحياة الطبيعية ليست مسألة ثانوية، بل تحدٍّ وطني يتطلب حماية السكان، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات، واستعادة الثقة.

إن مقاومة العيش الكريم تبدأ عندما يرفض المواطن أن يكون تابعاً لزعيم، أو رهينة لطائفة، أو ضحية لفساد لا يُحاسَب، أو أسيراً لقرارات مصيرية لا يشارك في صنعها. وتترسخ عندما يصبح القانون أقوى من النفوذ، والكفاءة أهم من المحسوبية، والمصلحة العامة أسمى من المكاسب الحزبية، والمواطنة أساساً للحقوق والواجبات. وهي مقاومة لا تستهدف جماعة لبنانية بعينها، ولا تنكر التضحيات التي قدّمها اللبنانيون في مراحل تاريخية مختلفة، بل تطالب بأن تتحول هذه التضحيات إلى أساس لبناء دولة تحمي الجميع. كما أنها لا تفصل بين الكرامة والسيادة، ولا بين الأمن والتنمية، ولا بين الحرية والعدالة؛ لأن هذه القيم مترابطة، ولا يمكن تحقيق إحداها بصورة مستدامة على حساب الأخرى. فلبنان الذي نريده ليس بلداً ينتصر فيه فريق على فريق، أو تحتكر فيه جماعة تعريف الوطنية، بل دولة ينتصر فيها المواطن على الفقر والفساد والخوف والتبعية، وتنتصر فيها المؤسسات على الفوضى والمحاصصة، وتنتصر فيها الحقيقة على الدعاية، والعمل على الواسطة، والعلم على الجهل.

وفي النهاية، فإن أعظم انتصار يمكن أن يحققه لبنان هو أن يصبح وطناً لا يضطر أبناؤه إلى الهجرة بحثاً عن أبسط حقوقهم، ولا يخشون فيه على مدّخراتهم، ولا يتوسلون فيه خدمة هي حق لهم، ولا يشعرون بأن مستقبلهم مرهون بانتمائهم السياسي أو الطائفي. إن المقاومة الحقيقية هي أن يستطيع الأستاذ أن يعيش بكرامة من راتبه، والطبيب أن يمارس مهنته في بيئة مستقرة، والمزارع أن يبيع إنتاجه بعدالة، والعامل أن يجد فرصة عمل لائقة، والطالب أن يتعلم من دون أن تتحول ظروف أسرته الاقتصادية إلى حاجز أمام مستقبله، والمسنّ أن يحصل على الرعاية التي يحتاج إليها. وهي أن يستطيع المواطن أن ينتقد السلطة من دون خوف، وأن يحتكم إلى القضاء بثقة، وأن يشارك في تقرير مصير بلاده بحرية ومسؤولية. عندها فقط يصبح الحديث عن الانتصار أكثر من شعار سياسي، لأنه يتحول إلى تجربة يومية يعيشها الناس في بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم وأماكن عملهم. فالوطن الذي لا يصون كرامة الإنسان يفقد جوهر رسالته، والمقاومة التي لا تجعل الإنسان أكثر حرية وأماناً وكرامة تحتاج إلى مراجعة أهدافها ووسائلها ونتائجها. أما مقاومة العيش الكريم، فهي المعركة التي تستحق أن يتوحّد اللبنانيون حولها، لأنها لا تنتصر لطائفة على أخرى، بل تنتصر للبنان ولجميع أبنائه.

أخبار ذات صلة

لبنان الكبير بين حلمالمؤسّسين ومأساة الدولة ..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:ماذا لو نظرالطوباوي الياس الحويكإلى لبنان اليوم؟
بحث

لبنان الكبير بين حلم
المؤسّسين ومأساة الدولة ..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
ماذا لو نظر
الطوباوي الياس الحويك
إلى لبنان اليوم؟

12/10/2026

...

مقولة تصف مأزقاً لبنانياً إنسانياً:نعيش بين مطرقة الاستبداد السياسيو الاستحمار الديني..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:يجب كسْر العلاقة المرضيةبين الخوف و السلطة...
بحث

مقولة تصف مأزقاً لبنانياً إنسانياً:
نعيش بين مطرقة الاستبداد السياسي
و الاستحمار الديني..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
يجب كسْر العلاقة المرضية
بين الخوف و السلطة...

08/10/2026

...

في لبنان، يُحترم الفاسد، وينجح المنافق، ويصبح المطبّل إعلامياً، والخارج عن القانون مؤثراً...د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:"نحن نعاني تضخّماً في الالقاب وانكماشاً في الحقيقة..."
بحث

في لبنان، يُحترم الفاسد، وينجح المنافق، ويصبح المطبّل إعلامياً، والخارج عن القانون مؤثراً...
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
"نحن نعاني تضخّماً في الالقاب وانكماشاً في الحقيقة..."

07/10/2026

...

بحث

21/09/2026

...

تحميل المزيد

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups