في لبنان، أصبحت عبارة “وينيّي الدولة” أكثر من مجرد سؤال عابر؛ إنها تختصر عقوداً من الفوضى والانهيار والفساد والنهب المنظّم وتراجع هيبة المؤسسات، وتكشف عن أزمة عميقة في العلاقة بين المواطن والدولة. فالدولة التي يفترض أن تكون المرجعية الأولى في الأمن والقضاء وحماية الحقوق والملكية وتنظيم الحياة العامة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مؤسسة ضعيفة تتنازعها المصالح السياسية والطائفية والحزبية، بينما نشأت إلى جانبها قوى وشبكات نفوذ استطاعت أن تملأ جزءاً من الفراغ الذي تركته المؤسسات الرسمية.
د. الياس ميشال الشويري
وينيّي الدولة؟ سؤال يردده اللبنانيون منذ سنوات، لكن المفارقة الصارخة أن بعض الذين يرفعون هذا السؤال اليوم هم أنفسهم، أو القوى التي ينتمون إليها أو يدافعون عنها، ممن ساهموا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف مؤسسات الدولة وتكريس منطق الواسطة والمحاصصة والزبائنية والفساد ونهب المال العام والخاص واستباحة القانون والتعدّي على الأملاك العامة والخاصة. يريدون دولة عندما يحتاجون إلى أمنها، وقضائها، وخدماتها وحمايتها، لكنهم لا يريدون بالضرورة الدولة عندما تأتي لتفرض القانون والمساءلة والضرائب والرقابة وتمنع المخالفات وتضع حداً للنفوذ غير الشرعي. وهنا تكمن المأساة اللبنانية الحقيقية: كيف يمكن أن نطالب بدولة قوية بينما نرفض سلطتها عندما تتعارض مع مصالحنا؟ وكيف يمكن أن نطالب بالقانون بينما نبحث عن الواسطة لتجاوزه؟ وكيف يمكن أن نطالب بالمحاسبة عندما يكون المتهم خصماً، ثم نعتبرها استهدافاً عندما تقترب من حليف؟ إن لبنان لم يخسر الدولة في يوم واحد، بل خسرها تدريجياً كلما أصبح الولاء أقوى من المواطنة، والواسطة أقوى من القانون، والحزب أقوى من المؤسسة، والمصلحة الخاصة أقوى من المصلحة العامة.
المشكلة إذن ليست فقط في غياب الدولة، بل في الذين استفادوا من غيابها، وفي ثقافة سياسية واجتماعية سمحت بتحويل ضعفها إلى وسيلة للنفوذ والحماية والمكاسب. فالدولة لا يمكن أن تكون قوية في وجه الضعيف وضعيفة أمام القوي، ولا يمكن أن تكون موجودة عندما نحتاجها وغائبة عندما تفرض علينا واجباتها. الدولة الحقيقية لا تتجزأ ولا تُفصّل وفق المصالح؛ إما أن يكون القانون فوق الجميع أو لا تكون هناك دولة بالمعنى الحقيقي. ومن هنا يصبح السؤال الأهم للبنان اليوم ليس فقط وينيّي الدولة، بل من أضعف الدولة، ومن استفاد من ضعفها، وهل نحن مستعدون فعلاً لبناء دولة واحدة يكون فيها القانون أقوى من الزعيم، والمؤسسة أقوى من الحزب، والمواطنة أقوى من الطائفة، والمصلحة الوطنية أقوى من كل المصالح الخاصة؟
- الدولة اللبنانية: بين المفهوم والمؤسسة
الدولة في مفهومها الحديث ليست مجرد مجموعة من الوزارات والإدارات والأجهزة الأمنية، وليست فقط حكومة تتعاقب عليها القوى السياسية. الدولة هي الإطار المؤسسي والقانوني الذي ينظم حياة المجتمع، ويحمي الحقوق، ويفرض الواجبات، ويضمن الأمن، ويصون الملكية العامة والخاصة، ويؤمن العدالة والخدمات، ويضع حداً للفوضى ولمنطق القوة. والدولة القوية هي التي تجعل القانون المرجعية العليا للجميع، بحيث لا يستطيع فرد أو حزب أو طائفة أو مجموعة مسلحة أو صاحب نفوذ أن يحل محل المؤسسات الرسمية. وفي الدولة السليمة، لا يحتاج المواطن إلى وسيط للحصول على حقه، ولا يحتاج إلى زعيم لحمايته، ولا إلى حزب للدفاع عن ممتلكاته، لأن المؤسسات العامة هي التي تقوم بهذه الوظائف. أما عندما تصبح الدولة عاجزة عن القيام بدورها، فإن الفراغ الذي تتركه لا يبقى فارغاً، بل تملؤه قوى ومصالح أخرى، فتظهر الزعامات المحلية، والشبكات الحزبية، والوساطات، والاقتصاد غير الرسمي، ومراكز النفوذ المختلفة. وعندها تبدأ الدولة بالتحول من مرجعية جامعة إلى طرف من أطراف متعددة داخل المجتمع، وتصبح المواطنة أقل أهمية من الانتماءات الفرعية.
في الحالة اللبنانية، اكتسب مفهوم الدولة تعقيداً خاصاً نتيجة التاريخ الطويل من الحروب والانقسامات الطائفية والتدخلات الخارجية والتسويات السياسية وتعدد مراكز القوة. فقد كان من المفترض أن تكون الدولة الإطار الذي يجمع اللبنانيين على أساس المواطنة، إلا أن الواقع السياسي والاجتماعي جعل الانتماءات الطائفية والحزبية والمناطقية والعائلية تلعب دوراً كبيراً في تحديد علاقة المواطن بالمؤسسات. ومع مرور الوقت، نشأت لدى قطاعات واسعة من المجتمع قناعة بأن الوصول إلى الحق أو الخدمة أو الوظيفة أو الحماية قد يتطلب اللجوء إلى جهة سياسية أو طائفية أو شخصية نافذة. وهكذا لم يعد المواطن يتعامل مع الدولة دائماً باعتبارها المرجعية الأولى والأخيرة، بل باعتبارها إحدى المرجعيات الممكنة. وهذه الظاهرة أضعفت مفهوم المواطنة، لأن المواطن الذي يحصل على حقه من خلال الوساطة لا يعود بالضرورة معنياً بإصلاح المؤسسة التي كان ينبغي أن تمنحه هذا الحق أصلاً. ومن هنا نشأت علاقة غير صحية بين المواطن والدولة، تقوم في كثير من الأحيان على تبادل المنافع بدلاً من احترام القانون والمؤسسات.
ولا يمكن فهم ضعف الدولة اللبنانية من خلال النظر فقط إلى ضعف الإدارة أو نقص الموارد، لأن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالدولة تصبح ضعيفة عندما تفقد القدرة على فرض القانون بصورة متساوية، وعندما يصبح تنفيذ القانون خاضعاً للنفوذ السياسي، وعندما يتحول المال العام إلى مجال للمحاصصة، وعندما يصبح التعيين الإداري مرتبطاً بالولاء بدلاً من الكفاءة، وعندما يشعر المواطن بأن بعض الأشخاص فوق المساءلة. وفي هذه البيئة، تتراجع هيبة المؤسسات ليس لأن المواطن يكره الدولة، بل لأنه يرى أن الدولة لا تعمل دائماً وفق المعايير التي يفترض أن تحكمها. وعندما يرى المواطن أن شخصاً يستطيع تجاوز القانون بسبب نفوذه، بينما يُحاسب المواطن العادي على المخالفة نفسها، فإن الثقة بالنظام العام تبدأ بالانهيار. ومن هنا يصبح ضعف الدولة منتجاً لمزيد من الضعف، لأن المواطن نفسه يبدأ بالبحث عن وسائل بديلة لحماية مصالحه. وهكذا تتشكل حلقة مفرغة: ضعف المؤسسات يؤدي إلى نمو النفوذ غير الرسمي، والنفوذ غير الرسمي يؤدي إلى مزيد من إضعاف المؤسسات.
إن إعادة بناء الدولة اللبنانية تتطلب، لذلك، أكثر من تغيير حكومة أو انتخاب مجلس نيابي جديد أو إطلاق شعار الإصلاح. المطلوب هو إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والمؤسسة على أساس واضح: القانون فوق الجميع، والمؤسسة فوق الشخص، والمصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة. الدولة التي يحتاجها لبنان ليست دولة طائفية جديدة، ولا دولة حزبية، ولا دولة قمعية، بل دولة مؤسسات حديثة تحمي جميع مواطنيها بالمعايير نفسها. ويجب أن تكون قادرة على حماية الملكية العامة والخاصة، ومكافحة الجريمة والمخدرات والتهريب، وضمان استقلال القضاء، وإدارة المال العام، وتوفير الخدمات، وحماية الحدود، وفرض النظام العام. وفي المقابل، يجب أن يدرك المواطن أن الدولة ليست فقط الجهة التي تقدم الخدمات، بل أيضاً الجهة التي تفرض الضرائب والرسوم وتطبق القوانين وتحاسب المخالفين. لا يمكن أن نريد دولة قوية عندما نحتاج إلى خدماتها ثم نرفضها عندما تفرض واجباتها. الدولة الحقيقية هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، ولا يمكن أن يستقيم أحدهما من دون الآخر.

- وينيّي الدولة: من سؤال مشروع إلى سؤال سياسي
إن السؤال عن غياب الدولة في لبنان سؤال مشروع في جوهره، لأن المواطن من حقه أن يسأل أين الدولة عندما يشعر بالخوف، وأين هي عندما تضيع حقوقه، وأين هي عندما تتراجع الخدمات، وأين هي عندما يعجز القضاء عن الوصول إلى الحقيقة، وأين هي عندما تنتشر المخالفات والتعديات والجريمة والتهريب. المواطن الذي يدفع الضرائب والرسوم ويلتزم بالقوانين من حقه أن يحصل على الأمن والحماية والخدمات والعدالة. والدولة التي تطلب من المواطن الالتزام يجب أن تكون قادرة في المقابل على الوفاء بالتزاماتها الأساسية. لذلك فإن المطالبة بحضور الدولة ليست موقفاً سياسياً أو طائفياً بحد ذاته، بل هي أساس المواطنة الحديثة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السؤال من مطالبة مبدئية بالدولة إلى شعار انتقائي يستخدم ضد الخصوم، بينما يتم التغاضي عن تجاوزات الحلفاء أو الجهات التي تتوافق معها المصالح السياسية.
في لبنان، يمكن أن تتحول الدولة إلى مطلب عند وقوع مشكلة معينة، ثم تختفي المطالبة بها عندما يصبح تطبيق القانون غير مناسب سياسياً. فالبعض يريد الدولة عندما يتعلق الأمر بحماية ممتلكاته، لكنه لا يريدها عندما تقوم الدولة بإزالة مخالفة أو تطبيق قانون البناء. والبعض يريد الدولة عندما يتعرض للسرقة، لكنه لا يهتم بوجودها عندما تكون هناك مخالفات أو تعديات في منطقة نفوذه. والبعض يريد القضاء عندما يكون خصمه موضع اتهام، ثم يفقد ثقته بالقضاء عندما يصبح التحقيق متعلقاً بشخص أو جهة قريبة منه. هذه الازدواجية لا يمكن أن تؤدي إلى بناء دولة. الدولة لا يمكن أن تكون قوية في مواجهة الآخرين وضعيفة أمامنا، ولا يمكن أن تكون عادلة عندما تخدم مصالحنا فقط. إذا أردنا دولة القانون، فعلينا أن نقبل القانون حتى عندما تكون نتائجه غير ملائمة لنا.
وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحاً في العلاقة بين المواطن والواسطة. فقد أدت عقود من ضعف المؤسسات إلى انتشار الاعتقاد بأن الوصول إلى الحقوق يحتاج إلى شخص نافذ أو جهة سياسية أو علاقة شخصية. وعندما يصبح هذا الاعتقاد جزءاً من الحياة اليومية، يفقد المواطن ثقته بقدرة المؤسسة على العمل بصورة مستقلة. ومن ثم تصبح الواسطة نفسها جزءاً من النظام، ويصبح من يريد الحصول على حقه من دون واسطة وكأنه يختار الطريق الأصعب. هذا الوضع لا يضر فقط بالدولة، بل يضر بالمواطن نفسه، لأن الواسطة تعني عملياً أن الحقوق لم تعد متساوية. الشخص الذي يملك العلاقات يحصل على ما لا يستطيع الآخر الحصول عليه، والموظف الذي يلتزم بالقواعد يجد نفسه أحياناً تحت ضغط أصحاب النفوذ. وهكذا تتحول الإدارة العامة من مؤسسة لخدمة المواطنين إلى مساحة للصراع بين النفوذ والمصلحة العامة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في لبنان ليس فقط أين الدولة، بل أي دولة نريد. هل نريد دولة تستطيع حماية المواطن حتى لو كان خصمها السياسي؟ هل نريد قضاءً يستطيع محاسبة صاحب النفوذ كما يحاسب المواطن العادي؟ هل نريد إدارة تعتمد الكفاءة بدلاً من المحسوبية؟ هل نريد دولة تمنع التعدي على الملكية العامة والخاصة مهما كان المعتدي؟ هل نريد دولة قادرة على مكافحة المخدرات والتهريب والجريمة المنظمة من دون تمييز؟ وهل نريد دولة يكون قرارها السيادي والمؤسسي واحداً؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن ذلك يتطلب قبول مبدأ أساسي هو أن الدولة لا تكون قوية فقط عندما تتدخل لمصلحتنا، بل تكون قوية أيضاً عندما تفرض علينا ما لا نريده. ومن هنا تصبح عبارة وينيّي الدولة بداية للنقاش وليست نهايته، لأن المطلوب ليس مجرد استدعاء الدولة عند الأزمات، بل بناء نظام يجعل حضورها دائماً وعادلاً ومؤسسياً.

- المفارقة اللبنانية الكبرى
تتمثل المفارقة اللبنانية الكبرى في أن المجتمع يريد نتائج الدولة من دون أن يكون مستعداً دائماً لقبول جميع شروط الدولة. يريد الأمن ولكنه قد يرفض أحياناً الإجراءات اللازمة لفرض القانون، ويريد الخدمات ولكنه يشتكي من الضرائب، ويريد القضاء عندما يكون مظلوماً لكنه قد يفقد ثقته به عندما يحقق في قضايا تمس جهات قريبة منه، ويريد حماية الملكية ولكنه قد يتسامح مع التعديات عندما يكون المستفيد منها من بيئته أو منطقته. هذه التناقضات لا تعني أن جميع اللبنانيين مسؤولون بالدرجة نفسها عن أزمة الدولة، لكنها تكشف عن مشكلة أعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية، وهي النظر إلى الدولة باعتبارها أداة يمكن استخدامها عندما تخدم المصلحة الخاصة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها منظومة عامة يجب احترامها في كل الظروف.
ومن أخطر نتائج هذه المفارقة أن الدولة قد تصبح قوية في مواجهة المواطن الضعيف، لكنها ضعيفة أمام صاحب النفوذ. وهذا الوضع يولد شعوراً عميقاً بالظلم، لأن المواطن لا يرى فقط أن الدولة غائبة، بل يراها أحياناً حاضرة بصورة غير عادلة. وحين يعتقد المواطن أن القانون لا يطبق على الجميع، تبدأ القاعدة القانونية بفقدان قوتها الأخلاقية والاجتماعية. فإذا كان شخص ما يستطيع تجاوز القانون بسبب نفوذه، فلماذا يلتزم المواطن الآخر؟ وإذا كان شخص يستطيع الحصول على منفعة عامة دون وجه حق، فلماذا يحترم المواطن العادي النظام؟ وإذا كان الفساد لا يؤدي إلى محاسبة حقيقية، فلماذا يرفض البعض المشاركة فيه؟ وهنا يتحول الفساد من سلوك فردي إلى بيئة اجتماعية تسمح باستمراره. وهذه واحدة من أخطر المراحل التي يمكن أن تصل إليها الدولة، لأن الإصلاح يصبح عندها أصعب بكثير، إذ لم يعد المطلوب إصلاح المؤسسات فقط، بل إعادة بناء ثقة المجتمع بفكرة القانون نفسها.
في لبنان، ساهمت الزبائنية السياسية في تكريس هذه المفارقة. فعندما يحصل المواطن على خدمة أو وظيفة أو مساعدة من خلال جهة سياسية، قد يشعر بالامتنان لهذه الجهة أكثر مما يشعر بالانتماء إلى الدولة. وعندما تصبح الأحزاب والزعامات قادرة على تقديم بعض الخدمات التي تعجز الدولة عن تقديمها، فإنها تكتسب نفوذاً إضافياً. لكن هذه العملية تحمل في داخلها تناقضاً واضحاً، لأن استمرار قوة الشبكات البديلة قد يعني استمرار ضعف المؤسسات الرسمية. وهكذا يصبح المواطن محتاجاً إلى الجهة السياسية لأنها أقوى من الدولة، وتصبح الجهة السياسية أقوى لأنها تستفيد من ضعف الدولة. هذه الحلقة لا تنكسر إلا عندما تستعيد الدولة قدرتها على تقديم الخدمات والحماية بصورة مؤسسية، بحيث لا يعود المواطن مضطراً إلى البحث عن بديل شخصي أو حزبي للحصول على حق يفترض أن يحصل عليه بصفته مواطناً.
المفارقة الأكبر هي أن بعض القوى قد تستفيد من الدولة الضعيفة ثم ترفع شعار الدولة عندما تواجه مشكلة. وهنا يجب التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية. لا يجوز اتهام أي فرد أو جماعة بارتكاب جريمة من دون أدلة وإجراءات قانونية، لكن من المشروع تماماً نقد السياسات والممارسات التي تساهم في إضعاف المؤسسات. فالدولة القوية لا تبنى عبر الاتهامات الجماعية، بل عبر التحقيق المستقل والقضاء والمساءلة. وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول حماية أي جهة سياسية أو اجتماعية إلى ذريعة لمنع الدولة من القيام بواجباتها. المطلوب في لبنان هو معيار واحد: من يرتكب مخالفة يحاسب وفق القانون، ومن يثبت تورطه في جريمة يحاسب وفق القضاء، ومن يتولى مسؤولية عامة يخضع للمساءلة. عندها فقط يمكن تحويل التناقض اللبناني من مشكلة مستعصية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة.
- الفساد والزبائنية وتآكل مؤسسات الدولة
لا يمكن دراسة أزمة الدولة اللبنانية من دون التوقف عند الفساد والزبائنية والمحاصصة، لأنها من العوامل التي ساهمت في إضعاف المؤسسات وتحويل جزء من الحياة العامة إلى شبكة من المصالح المتبادلة. والفساد لا يعني فقط سرقة المال العام بصورة مباشرة، بل يشمل أيضاً استغلال الوظيفة العامة لتحقيق مصالح خاصة، والتدخل السياسي في الإدارة، وتفضيل شخص على آخر بسبب النفوذ، وتعطيل المعاملات أو تسريعها بناءً على العلاقات، وإهدار الموارد العامة، والتعامل مع المؤسسات باعتبارها حصصاً سياسية. وعندما تصبح هذه الممارسات متكررة، فإنها تقتل مبدأ تكافؤ الفرص وتضعف ثقة المواطن بالدولة. الموظف الكفوء يشعر بأن الكفاءة ليست كافية، والمواطن الذي يلتزم بالقانون يشعر بأنه يخسر أمام من يستخدم الواسطة، والمستثمر يتردد عندما لا تكون القواعد واضحة، وتصبح الإدارة أقل قدرة على العمل بكفاءة.
الزبائنية السياسية تزيد المشكلة تعقيداً لأنها تربط العلاقة بين المواطن والدولة بعلاقة شخصية مع الزعيم أو الحزب. فالخدمة العامة في الدولة الحديثة حق للمواطن، أما في النظام الزبائني فقد تتحول إلى منحة يقدمها صاحب النفوذ. وعندما يحدث ذلك، يصبح المواطن مديناً سياسياً لمن قدم له الخدمة، حتى لو كانت تلك الخدمة ممولة أصلاً من المال العام. وهنا يحدث انقلاب خطير في مفهوم الدولة، إذ يتحول المسؤول الذي يفترض أن يخدم المواطن إلى شخص ينتظر من المواطن الولاء مقابل الخدمة. وتصبح الوظيفة العامة وسيلة لبناء النفوذ بدلاً من كونها مسؤولية تجاه المجتمع. وفي لبنان، أدى هذا النمط إلى تعميق الانقسامات، لأن المواطن قد يبدأ بالنظر إلى الدولة من خلال هوية الجهة التي تمثل منطقته أو طائفته أو حزبه، بدلاً من النظر إليها باعتبارها مؤسسة وطنية واحدة.
أما المحاصصة، فتؤدي إلى إضعاف مفهوم المسؤولية الفردية والمؤسساتية. فعندما توزع المواقع على أساس التوازنات السياسية بدلاً من الكفاءة والاستقلالية، يصبح من الصعب أحياناً تحديد المسؤولية بوضوح عن النجاح أو الفشل. كل طرف يستطيع أن يلقي المسؤولية على الآخر، بينما تبقى المؤسسة نفسها ضعيفة. كما أن المحاصصة قد تجعل الإصلاح الحقيقي أكثر صعوبة، لأن إصلاح مؤسسة ما قد يعني المساس بمصالح سياسية مترسخة. وهكذا تتحول الدولة إلى مساحة لتوزيع النفوذ بدلاً من كونها أداة لإدارة المصلحة العامة. والنتيجة تكون إدارة أقل كفاءة، ونفقات أعلى، وثقة أقل، وقدرة أضعف على التخطيط والتنفيذ.
إن مكافحة الفساد في لبنان لا يمكن أن تكون مجرد شعار سياسي يرفع في الحملات الانتخابية، بل يجب أن تتحول إلى منظومة مؤسساتية تشمل الشفافية، واستقلال القضاء، وتضارب المصالح، والرقابة المالية، وحماية المال العام، والمساءلة الفعلية. كما يجب أن تترافق مع تغيير ثقافي يجعل استخدام الواسطة للحصول على حق غير مستحق أمراً مرفوضاً اجتماعياً، لا أمراً طبيعياً. ولا يمكن للمواطن أن يطالب بالقضاء على الفساد بينما يبحث في الوقت نفسه عن واسطة لتجاوز القانون. كذلك لا يمكن للسلطة أن تطالب المواطن بالثقة بينما تستمر في حماية أصحاب النفوذ من المساءلة. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الدولة قادرة على تطبيق قواعدها على الجميع، وعندما يعرف كل مسؤول أن منصبه مسؤولية وليس ملكية خاصة، وعندما يعرف المواطن أن حقه محفوظ من دون الحاجة إلى وسيط.

- الجريمة والمخدرات والكبتاغون والسلاح المتفلّت والتعدّي على الملكية والسيادة
تشكل الجريمة والمخدرات والكبتاغون والسلاح المتفلّت والتعدّي على الملكية والسيادة تحدياً مباشراً لوجود الدولة، لأن هذه الظواهر تظهر عندما تتراجع قدرة المؤسسات على فرض القانون. ومن المهم التأكيد أن المسؤولية عن أي جريمة تقع على مرتكبها أو الشبكة التي يثبت تورطها، وليس على جماعة دينية أو طائفية بأكملها. فلبنان مجتمع متنوع، ولا يجوز تحويل الجرائم التي يرتكبها أفراد أو شبكات إلى اتهام جماعي لأي طائفة أو دين. المعيار الذي يجب أن تعتمده الدولة هو القانون والأدلة والتحقيق والقضاء. وهذا المبدأ ضروري خصوصاً في بلد مثل لبنان، حيث يمكن للخطاب السياسي أن يحول جريمة فردية إلى صراع جماعي، الأمر الذي يزيد الانقسام بدلاً من معالجة المشكلة.
وتجارة المخدرات والكبتاغون تمثل نموذجاً واضحاً للعلاقة بين ضعف الدولة ونمو الاقتصاد غير المشروع. فهذه التجارة تحتاج إلى شبكات تمويل ونقل وتخزين وتوزيع وحماية، وقد تتداخل في بعض الحالات مع الجريمة المنظمة والتهريب والفساد. لذلك فإن مواجهتها لا تكون فقط باعتقال بعض الأفراد، بل بتفكيك الشبكات المالية واللوجستية التي تسمح باستمرارها، وتعزيز الرقابة على الحدود والمرافئ والمعابر، وتطوير أجهزة مكافحة الجريمة، وضمان استقلال التحقيقات. والدولة التي تسمح بتحول بعض المناطق أو القطاعات إلى بيئات مناسبة للجريمة المنظمة تفقد جزءاً من سلطتها، لأن الاقتصاد غير الشرعي يبدأ بخلق موارد ونفوذ مستقلين عن المؤسسات الرسمية. وكلما اتسعت هذه الموارد، أصبح من الصعب على الدولة استعادة السيطرة.
أما التعدي على الملكية العامة والخاصة، فهو مؤشر آخر على ضعف احترام القانون. فالملكية الخاصة تمثل حقاً أساسياً يحميه القانون، والملكية العامة تمثل مورداً مشتركاً لجميع المواطنين. وعندما يتم الاستيلاء على أرض عامة أو احتلال مساحة عامة أو البناء بصورة مخالفة أو الاعتداء على ملكية فرد آخر من دون تطبيق فعلي للقانون، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن النفوذ أو القوة قد يكونان أقوى من الحق القانوني. وهذا يؤدي إلى خلق شعور بعدم المساواة، ويشجع آخرين على تقليد المخالفة. وإذا أصبحت المخالفة هي القاعدة وأصبح الالتزام هو الاستثناء، فإن الدولة تدخل مرحلة خطيرة من التآكل المؤسسي.
ولا يمكن فصل هذه المسائل عن مفهوم السيادة. فالدولة التي لا تستطيع ضبط حدودها، أو منع التهريب، أو مكافحة الجريمة والسلاح المتفلّت، أو حماية ممتلكات مواطنيها، أو فرض قوانينها بصورة متساوية، تواجه مشكلة في ممارسة سيادتها الفعلية. والسيادة لا تعني فقط رفع العلم على الحدود أو وجود المؤسسات الرسمية، بل تعني القدرة العملية على اتخاذ القرار وتطبيق القانون. ولذلك فإن استعادة الدولة اللبنانية لدورها تتطلب معالجة هذه الملفات بصورة متكاملة، من الجريمة والمخدرات إلى التهريب والتعديات والاقتصاد غير المشروع. لكن المعالجة يجب أن تتم دائماً ضمن القانون، وبعيداً عن الانتقام السياسي أو الطائفي. الدولة القوية ليست الدولة التي تعاقب خصومها، بل الدولة التي تمنع الجريمة وتعاقب مرتكبيها مهما كانت هويتهم أو علاقاتهم.
- من وينيّي الدولة إلى بناء الدولة
إذا كانت عبارة وينيّي الدولة تختصر أزمة لبنان، فإن الإجابة عنها يجب ألا تكون مجرد خطاب سياسي، بل مشروعاً لإعادة بناء المؤسسات. لبنان لا يحتاج فقط إلى دولة موجودة على الورق، بل إلى دولة قادرة على العمل بصورة فعالة ومتساوية. وهذا يعني إعادة بناء القضاء، وتعزيز استقلاليته، وتحديث الإدارة، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وضبط الحدود، ومواجهة الجريمة والتهريب، وحماية الملكية العامة والخاصة، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس رسمية ومنتجة، وتعزيز الرقابة والمساءلة. كما يعني إعادة الاعتبار للمواطنة باعتبارها الرابط الأساسي بين الفرد والدولة. المواطن يجب أن يحصل على حقه لأنه مواطن، لا لأنه تابع لهذا الزعيم أو ذاك الحزب أو هذه الطائفة أو تلك المنطقة.
وتحتاج عملية بناء الدولة أيضاً إلى إعادة تعريف مفهوم السلطة السياسية. المسؤول العام ليس مالكاً للمؤسسة التي يديرها، والوزارة ليست حصة حزبية، والإدارة ليست وسيلة لتوزيع الولاءات، والمال العام ليس مورداً خاصاً. المسؤولية السياسية تعني إدارة الموارد العامة لمصلحة المجتمع، والخضوع للرقابة، وقبول النقد، واحترام المؤسسات. وعندما تصبح هذه المبادئ جزءاً من الممارسة السياسية، يمكن عندها أن تتراجع الزبائنية تدريجياً. أما إذا بقيت الدولة مجرد ساحة لتوزيع النفوذ، فإن أي إصلاح إداري أو اقتصادي سيبقى محدوداً، لأن المشكلة الأساسية ستظل قائمة في طريقة ممارسة السلطة.
ومن الضروري أيضاً أن يفهم المواطن أن بناء الدولة ليس مسؤولية السياسيين وحدهم. فالمواطن شريك في بناء النظام العام من خلال احترامه للقانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، ورفض الفساد والواسطة، ودفع ما يترتب عليه من ضرائب ورسوم، وممارسة حقه السياسي بمسؤولية، ومحاسبة ممثليه. المجتمع الذي يريد دولة قوية يجب أن يقبل أيضاً بالمؤسسات التي تفرض النظام وتضع الحدود أمام المصالح الفردية. ولا يمكن أن تكون الدولة قوية إذا كان كل فرد يريد القانون لنفسه والاستثناء لغيره. المواطنة تعني قبول قواعد مشتركة، حتى عندما تكون نتائجها غير مريحة.
وفي النهاية، يحتاج لبنان إلى الانتقال من ثقافة السؤال عن غياب الدولة إلى ثقافة بناء الدولة. السؤال وينيّي الدولة سيبقى يتكرر ما دام اللبنانيون يتعاملون مع الدولة كطرف يمكن استدعاؤه عند الحاجة، ثم تجاوزه عندما تتعارض سلطته مع المصالح الخاصة أو الحزبية أو الطائفية. أما الدولة الحقيقية فتبدأ عندما يصبح القانون واحداً، والمؤسسات واحدة، والمرجعية واحدة، والمحاسبة واحدة، والحقوق والواجبات واحدة لجميع المواطنين. عندها فقط يمكن أن تستعيد الدولة اللبنانية هيبتها وثقة مواطنيها. فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات عن الدولة، بل إلى دولة تجعل المواطن لا يسأل أين هي، لأنه يراها يومياً في الأمن والقضاء والإدارة والاقتصاد والخدمات وحماية الحقوق. وحين تصبح الدولة حاضرة في حياة اللبناني بوصفها مؤسسة عادلة وليست مجرد سلطة سياسية، تتحول عبارة وينيّي الدولة من صرخة غضب إلى صفحة من الماضي، ويبدأ لبنان فعلياً بالانتقال من دولة تتعايش مع الأزمات إلى دولة قادرة على منعها ومعالجتها.

- الخاتمة
لبنان لا يعاني فقط من غياب الدولة، بل من أخطر من ذلك: من اعتياد غيابها. فقد تحولت الفوضى، والواسطة، والمحاصصة، والتعديات، والاقتصاد غير الشرعي، والحروب العبثية، والإفلات من المحاسبة إلى ظواهر يتعامل معها المجتمع أحياناً وكأنها جزء طبيعي من الحياة اليومية. ثم نعود لنسأل أين الدولة؟ الدولة لم تختفِ من تلقاء نفسها؛ لقد أُضعفت كلما جرى تجاوز مؤسساتها، وتعطيل قراراتها، وإفراغ إداراتها من الكفاءة، وتحويل المال العام إلى مجال للمصالح، وإحلال الولاء السياسي والطائفي محل المواطنة. لذلك فإن استعادة الدولة تبدأ أولاً بالاعتراف بأن انهيارها لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكم طويل من الممارسات التي جعلت المؤسسة العامة أضعف من أصحاب النفوذ.
ولا يمكن للبنان أن يخرج من أزمته بدولة انتقائية تُطبّق القانون على فئة وتتساهل مع فئة أخرى، أو بدولة تُستدعى لحماية المصالح ثم تُهمّش عندما تصبح المساءلة ضرورية. الدولة التي يحتاجها لبنان هي دولة واحدة، لا دول داخل الدولة؛ دولة يكون فيها السلاح الشرعي والقرار السيادي والمؤسسات والقضاء والمال العام خاضعين لمرجعية قانونية واحدة. دولة تحمي الملكية العامة والخاصة، وتحارب الفساد والتهريب والمخدرات والجريمة المنظمة، وتمنع التعديات، وتحاسب كل من يثبت تورطه وفق القانون، أياً كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه. وفي المقابل، على المواطن أن يدرك أن الدولة ليست ماكينة خدمات مجانية، بل عقد متبادل من الحقوق والواجبات. فلا يمكن أن نطالب بالقانون عندما يحمي مصالحنا ونرفضه عندما يفرض علينا التزاماً، ولا يمكن أن نطالب بالمحاسبة للآخرين ونرفضها لأنفسنا.
لقد حان الوقت لكي يتوقف لبنان عن الدوران في الحلقة نفسها: نُضعف الدولة ثم نشكو من غيابها، نتجاوز القانون ثم نطالب بتطبيقه، نستخدم الواسطة ثم نتحدث عن مكافحة الفساد، نسمح بتعدد مراكز النفوذ ثم نتساءل عن ضياع السيادة. لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات، ولا إلى المزيد من الوعود، بل إلى قرار وطني واضح يعيد الاعتبار للدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لجميع المواطنين. وعندما تصبح المؤسسة أقوى من الشخص، والقانون أقوى من الواسطة، والمواطنة أقوى من التبعية، والمصلحة العامة أقوى من الزعامة، عندها فقط يستطيع اللبناني أن يقول إن الدولة عادت فعلاً. أما قبل ذلك، فسيبقى السؤال نفسه يتردد من جيل إلى جيل: أين الدولة؟ والجواب القاسي هو أن الدولة لا تعود بالصراخ عنها، بل بإرادة حقيقية لبنائها، وباستعداد الجميع، من دون استثناء، للخضوع للقانون الذي يطالبون به.
























































