Previous activity
حرب إيران ومضيق هرمز: فاتورة العسكر بالمليارات… والتأمين وإعادة التأمين في مواجهة الخسائر
لم تعد كلفة الحرب مع إيران تُقاس بما تنفقه الولايات المتحدة وإسرائيل على العمليات العسكرية فحسب، بل باتت تشمل أيضاً ما تتحمله دول الخليج من نفقات الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ والمسيّرات، وما يترتب على ذلك من استنزاف للمخزونات العسكرية والحاجة إلى تعويض الذخائر وتجديد أنظمة الدفاع. وإلى جانب هذه الفاتورة، تقف فاتورة اقتصادية لا تقل أهمية، تتصل بتعطّل صادرات الطاقة والملاحة وارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.
وفي 28 تشرين الأول 2026، كشفت وكالة «رويترز»، استناداً إلى تقديرات حصلت عليها من وزارة الدفاع الأميركية، أن الكلفة العسكرية الأميركية للحرب تجاوزت 47 مليار دولار حتى منتصف تشرين الأول. وتتضمن التقديرات أكثر من 29 مليار دولار لتعويض الذخائر المستخدمة، وأكثر من 6 مليارات لتعويض المعدات العسكرية المفقودة أو المتضررة، فضلاً عن نفقات العمليات والإسناد. ولم تنشر الوزارة هذه التقديرات رسمياً، كما أنها لا تتضمن بوضوح كامل كلفة إصلاح القواعد الأميركية التي تعرّضت لهجمات إيرانية. وهذا الرقم يخص العمليات الأميركية في الحرب، وليس كلفة إغلاق مضيق هرمز وحده.
لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى دول الجوار هو: كم أنفقت هذه الدول عسكرياً للدفاع عن أجوائها ومنشآتها، وكم كلّفها التصدي للصواريخ والمسيّرات التي استهدفت أراضيها أو القواعد والمنشآت الموجودة فيها؟
هنا تبرز مشكلة أساسية: لم تُعلن الدول المعنية حصيلة عسكرية موحّدة ومدققة حتى نهاية تشرين الأول، فيما تتوافر تقديرات منشورة لبعض عمليات الاعتراض في الأسابيع الأولى للحرب. ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها مؤشرات على حجم الإنفاق، لا حساباً نهائياً لما تكبّدته كل دولة منذ بدء الحرب.
الإمارات العربية المتحدة هي أحد أبرز الحالات التي أمكن رصد تقديرات تفصيلية لها. فقد قدّرت تقارير منشورة في آذار كلفة عمليات الدفاع الجوي بنحو 1.31 إلى 2.61 مليار دولار، استناداً إلى تقديرات لعدد الصواريخ والمسيّرات التي جرى اعتراضها وكلفة الصواريخ الاعتراضية المستخدمة. ويكشف هذا التقدير حجم الفارق بين كلفة الهجوم وكلفة التصدي له؛ إذ يمكن إنتاج المسيّرات الهجومية بتكلفة عشرات آلاف الدولارات، فيما قد يصل ثمن الصاروخ الاعتراضي المتطور إلى عدة ملايين من الدولارات. غير أن هذا التقدير المبكر لا يجوز تقديمه باعتباره إجمالي الإنفاق العسكري الإماراتي حتى 28 تشرين الأول.
وفي قطر، قدّرت تقارير صحفية كلفة عمليات اعتراض الصواريخ والمسيّرات بنحو 600 إلى 900 مليون دولار في المرحلة الأولى من المواجهة. وتكتسب المسألة أهمية إضافية نظراً إلى استضافة قطر قاعدة العديد الجوية الأميركية، وإلى اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على تصدير الغاز الطبيعي المسال. لكن تقدير كلفة الدفاع الجوي لا يشمل بالضرورة الأضرار التي لحقت بالمنشآت، ولا نفقات إعادة تكوين المخزون العسكري، ولا كلفة الاستعداد لعمليات لاحقة.
أما البحرين، فقد أوردت تقديرات إعلامية مبكرة أن كلفة اعتراض الصواريخ والمسيّرات بلغت نحو 337 إلى 450 مليون دولار. وهذه أيضاً تقديرات لعمليات دفاعية في مرحلة محددة، وليست كشف حساب نهائياً عن كامل النفقات العسكرية البحرينية خلال الحرب. وتزداد أهمية الدفاع الجوي في هذه الحالة بسبب حساسية البنية التحتية، ولا سيما منشآت الطاقة والمرافق الحيوية، التي يمكن أن يؤدي استهدافها إلى أضرار تتجاوز بكثير تكلفة الصواريخ المستخدمة في اعتراض الهجمات.
وفي السعودية، أوردت تقارير عن المرحلة المبكرة من الحرب تقديراً بنحو 10 إلى 20 مليون دولار لاعتراض خمس مسيّرات. لكن هذا الرقم المحدود لا يمثّل إجمالي كلفة الدفاع السعودي، ولا يشمل بالضرورة النفقات اللاحقة أو العمليات العسكرية الأخرى أو تعويض الذخائر. كذلك فإن امتلاك المملكة خط أنابيب الشرق–الغرب الذي يسمح بنقل النفط إلى البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز جزئياً يخفّف بعض مخاطر التصدير، لكنه لا يلغي النفقات العسكرية أو الأضرار الاقتصادية والأمنية الناجمة عن استمرار المواجهة.
وفي عُمان، استُهدفت منشآت ومواقع مرتبطة بالملاحة، إذ أفادت تقارير في الأول من آذار بتعرّض ميناء الدقم التجاري لهجوم بطائرات مسيّرة، كما تعرّضت ناقلة نفط لحادث قبالة ساحل مسندم. ومع ذلك، لا يوجد تقدير رسمي منشور يمكن الاستناد إليه لتحديد إجمالي كلفة عمليات الدفاع الجوي والإنفاق العسكري العُماني المرتبط بالحرب. ومن غير الدقيق وضع رقم افتراضي مكان هذه البيانات غير المتوافرة.
أما مصر، فينبغي التمييز بين كلفة المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب وبين الأعباء التي تتحملها نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة والملاحة. و لم نجد أي رقم رسمي معلن يحدد إنفاقاً عسكرياً مصرياً إضافياً خاصاً بالحرب أو بالدفاع عن مضيق هرمز، لكن الأثر الاقتصادي على مصر قابل للقياس، وهو ما يستدعي عدم إدراجه في حساب النفقات العسكرية.
وتختلف إسرائيل عن دول الخليج لأنها كانت طرفاً مباشراً في العمليات العسكرية ضد إيران. وقدّرَت وزارة المالية الإسرائيلية، في إعلان أولي صدر في 12 نيسان، نفقات الدفاع والمؤسسة العسكرية المرتبطة بالحملة التي استمرت نحو أربعين يوماً بنحو 22 مليار شيكل، أي قرابة 7.25 مليارات دولار. أما إجمالي الإنفاق الحكومي المرتبط بتلك المرحلة فبلغ نحو 35 مليار شيكل، أو 11.5 مليار دولار، شاملاً تعويضات الأضرار وبعض النفقات المدنية. وهذه أرقام أولية تخص تلك المرحلة من الحرب، ولا تمثّل بالضرورة الكلفة النهائية حتى تشرين الأول، كما أنها لا تخص مضيق هرمز وحده.
Reuters+1
وتكشف هذه الأرقام أن تحديد الفاتورة العسكرية لدول الجوار لا يزال مهمة غير مكتملة. فالكلفة الحقيقية لا تقتصر على الصواريخ التي أُطلقت بالفعل؛ بل تشمل أيضاً استهلاك ساعات الطيران، وتشغيل الرادارات وأنظمة الإنذار، وتحريك القوات والسفن، وصيانة المعدات، وإعادة شراء الذخائر، وتعويض الأضرار التي تلحق بالقواعد والمنشآت. وما لم تفصح الحكومات عن هذه البنود بصورة مفصلة، ستبقى التقديرات المنشورة جزئية.
وفي جميع الأحوال، ينبغي ألا تُخلط هذه النفقات العسكرية بالخسائر الاقتصادية الناجمة عن اضطراب مضيق هرمز. فالإنفاق العسكري يمثل ما تدفعه الدولة لتأمين الدفاع والعمليات، بينما تتمثل الخسارة الاقتصادية في إيرادات لم تتحقق، أو إنتاج توقف، أو فاتورة استيراد ارتفعت، أو نشاط تجاري تعطل. وقد قدّر صندوق النقد الدولي في تحليله الأولي للحرب أن اضطراب الطاقة والإنتاج والتجارة البحرية أدى إلى انكماش كبير في الإمدادات، مع خسارة في القدرة الإنتاجية تتجاوز 10 ملايين برميل يومياً من النفط ونحو 500 مليون متر مكعب يومياً من الغاز على مستوى المنطقة المتأثرة. وهذه تقديرات للقدرات المعطلة، وليست مبلغاً نقدياً للخسائر العسكرية أو الاقتصادية النهائية.
IMF eLibrary
وتبرز مصر مثالاً واضحاً على هذا الفرق؛ إذ قدّر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف أن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري كلّفها 5.2 مليارات دولار إضافية بين آذار وآب 2026. هذه زيادة في فاتورة استيراد الطاقة، وليست إنفاقاً عسكرياً، كما ينبغي فصلها عن خسائر إيرادات قناة السويس المرتبطة باضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لأن تلك الخسائر لا يمكن نسبتها بكاملها إلى مضيق هرمز.
energyandcleanair.org
ولا تنتهي القصة عند الحكومات، فهناك قطاع التأمين وإعادة التأمين الذي وجد نفسه أمام مجموعة متشابكة من المخاطر البحرية ومخاطر الحرب والأضرار التي لحقت بالمنشآت الصناعية والطاقة.
فبحسب الاتحاد الدولي للتأمين البحري (IUMI)، دارت التقديرات المنشورة في أواخر الصيف وبداية الخريف حول 1.5 إلى ملياري دولار من المطالبات المرتبطة بخسائر بحرية في منطقة الخليج، بما يشمل أضرار السفن وتعطل استخدامها. وفي الوقت نفسه، قدّرت مصادر في سوق إعادة التأمين، في أيلول، خسائر سوقية أوسع مرتبطة بمخاطر العنف السياسي والإرهاب والحرب البحرية بنحو 2.5 إلى 3.5 مليارات دولار. ولا يجوز جمع الرقمين آلياً، لأن نطاقات التغطية والفترات وتداخل المطالبات تختلف بين التقديرات.
S&P Global+1
وسجّل سوق لويدز في لندن، وفق بيانات النصف الأول من العام، خسائر مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط بلغت نحو 1.4 مليار جنيه إسترليني، أي قرابة 1.9 مليار دولار. وهذه خسائر سوقية أوسع من التأمين البحري وحده، وتشمل مطالبات مرتبطة بأضرار المنشآت ومخاطر العنف السياسي وغيرها. ومن أبرز الحالات التي تناولتها تقارير السوق مطالبة تصل إلى حدود تغطية قدرها 800 مليون دولار بعد إصابة منشأة لشركة سابك في الجبيل، وخسارة بنحو 200 مليون دولار مرتبطة بمصفاة بابكو البحرينية. وهذه الأرقام لا تعني أن شركات إعادة التأمين دفعت كامل المبالغ بالفعل، بل تشير إلى حجم المطالبات والتغطيات المعرضة للخطر.
The Insurer+1
أما بالنسبة إلى معيدي التأمين، فلا تتوافر حتى الآن حصيلة عالمية مستقلة ودقيقة تفصل ما دفعته شركات التأمين المباشر عما تحمّله معيدو التأمين فعلياً بعد تطبيق شروط العقود وحدود التغطية والتحمل. وتؤكد تحليلات السوق أن جزءاً مهماً من المطالبات قد ينتقل إلى إعادة التأمين، لكن حجم التعويضات الصافية لكل شركة يتوقف على بنيتها التعاقدية وحصتها من الخطر. لذلك فإن تقدير الخسائر الإجمالية للسوق لا يساوي تلقائياً خسائر معيدي التأمين وحدهم.
The Insurer+1
وتبرز هنا مفارقة أخرى: ارتفاع أقساط التأمين على السفن التي تعبر مناطق الخطر لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح استثنائية. فقد ارتفعت أقساط تغطيات الحرب البحرية مرات عدة، لكن انخفاض حركة السفن من أكثر من 130 عبوراً يومياً قبل الأزمة إلى نحو 20 عبوراً في بعض الفترات قلّص حجم الأعمال، في وقت ارتفعت فيه المطالبات. وبذلك واجهت الشركات معادلة صعبة تجمع بين زيادة سعر الخطر وتراجع حجم النشاط وتصاعد التعويضات.
S&P Global
إن الخلاصة التي تفرضها الأرقام هي أن فاتورة الحرب متعددة المستويات: فاتورة عسكرية مباشرة، وفاتورة اقتصادية ناتجة عن اضطراب الطاقة والتجارة، وفاتورة تأمينية تتوزع بين شركات التأمين المباشر ومعيدي التأمين. والـ47 مليار دولار التي كُشفت في الولايات المتحدة لا تختصر هذه الفواتير مجتمعة، مثلما أن التقديرات الأولية للدفاع الجوي في الإمارات وقطر والبحرين لا تكفي وحدها لتحديد إجمالي ما دفعته دول الخليج.
ومن هنا، فإن أي حصيلة إجمالية موثوقة ينبغي أن تفصل بين الإنفاق العسكري والخسائر الاقتصادية، وأن تحدد الفترة الزمنية لكل رقم، وأن تميّز بين الأموال المدفوعة فعلاً والمطالبات المقدرة والخسائر المتوقعة. أما جمع الأرقام المتاحة من فترات ونطاقات مختلفة في رقم واحد، فقد ينتج حصيلة لافتة، لكنه لن يكون بالضرورة حصيلة دقيقة






















































