من إدارة الأرقام إلى صناعة القرار… قمة دبي تضع الملاءة المالية ومستقبل شركات التأمين في الشرق الأوسط تحت المجهر
تستعد دبي لاستضافة قمة المديرين الماليين لقطاع التأمين في الشرق الأوسط (Middle East Insurance CFO Summit 2026)، يومي 23 و24 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، في فندق «ميلينيوم بلازا داون تاون»، بمشاركة نخبة من القيادات التنفيذية والمالية في شركات التأمين وإعادة التأمين، إلى جانب خبراء الاستثمار وإدارة المخاطر والجهات المعنية بالقطاع.
وتنظم القمة مجلة «Middle East Insurance Review»، تحت شعار «ما وراء الأرقام: كيف يعيد المديرون الماليون في الشرق الأوسط تعريف القيمة والمرونة والنمو في عصر الاضطرابات»، في إشارة إلى التحول المتسارع في طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق المدير المالي، الذي لم يعد دوره مقتصراً على إعداد الميزانيات ومراقبة النفقات وإصدار التقارير، بل أصبح شريكاً أساسياً في رسم الاستراتيجيات وتوجيه الاستثمارات وتحديد قدرة الشركة على مواجهة المخاطر والمحافظة على استدامة أعمالها.
وتنعقد القمة في مرحلة دقيقة تواجه فيها أسواق التأمين الإقليمية ضغوطاً متشابكة، بفعل الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والعملات وارتفاع كلفة المطالبات، فضلاً عن تشدد أسواق إعادة التأمين وتراجع شهية بعض شركات الإعادة لتحمل المخاطر المرتبطة بالمنطقة. وهي تطورات تضع الميزانيات العمومية لشركات التأمين أمام اختبارات حقيقية، وتفرض إعادة النظر في سياسات الاكتتاب والتسعير والاحتياطيات وإدارة رأس المال.
ومن هنا، يحتل موضوع الملاءة المالية وإدارة رأس المال موقعاً متقدماً في جدول أعمال المؤتمر، خصوصاً أن التحدي لم يعد يتمثل في زيادة الأقساط المكتتبة وتوسيع الحصص السوقية فحسب، بل في تحقيق نمو مربح يتناسب مع حجم المخاطر التي تتحملها الشركات، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه حملة الوثائق والمساهمين.
وتتوزع النقاشات على ملفات استراتيجية عدة، أبرزها إعادة تقييم نماذج تسعير المخاطر والاحتياطيات الفنية في ضوء ارتفاع تواتر الخسائر وشدتها، وإعادة هيكلة برامج إعادة التأمين بما يتناسب مع سوق أكثر تشدداً وانتقائية وارتفاعاً في الكلفة. كما تبحث القمة العلاقة بين الأصول والخصوم، وكيفية توظيف الاستثمارات وتحسين العائد على رأس المال من دون تعريض الاستقرار المالي للشركات لمخاطر إضافية.
ويحظى المعيار الدولي للتقارير المالية IFRS 17، وأطر الملاءة القائمة على المخاطر، والامتثال للمتطلبات الرقابية، بحيز مهم من المناقشات، إلى جانب ملفات العقوبات والمخاطر السيادية والتعرضات المالية المرتبطة بالتوترات الإقليمية. كما تتطرق الجلسات إلى اختبارات الضغط والتخطيط للسيناريوهات المحتملة، باعتبارهما أداتين ضروريتين لتقدير قدرة الشركات على الصمود في مواجهة أزمات قد تتزامن فيها خسائر التأمين مع تراجع قيمة الاستثمارات وارتفاع كلفة الحماية من خلال إعادة التأمين.
ولا تغيب التكنولوجيا عن جدول الأعمال، إذ تبحث القمة دور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأتمتة في تطوير الإدارة المالية، والانتقال من التقارير التي ترصد الأداء بعد وقوعه إلى أدوات تحليلية وتنبؤية تساعد على استشراف المخاطر واتخاذ القرارات بصورة أسرع وأكثر دقة. كذلك تطرح أهمية الحلول التأمينية المعيارية (Parametric Insurance) وآليات نقل المخاطر البديلة، في توفير استجابات مالية أكثر سرعة ووضوحاً لبعض المخاطر المعقدة، ولا سيما اضطرابات الطاقة وتوقف الأعمال والأضرار التي تطاول البنى التحتية.
وعلى مستوى المشاركين، تضم قائمة المتحدثين حماد رضا خان، الرئيس التنفيذي بالإنابة والمدير المالي لشركة «سكون للتأمين»، وجيسون لايت، الرئيس التنفيذي لشركة «الإمارات للتأمين»، وعلاء الزهيري، رئيس الاتحاد المصري للتأمين والعضو المنتدب لشركة «GIG Egypt»، وعدداً من القيادات المالية والتنفيذية في شركات التأمين وإعادة التأمين والاستشارات المتخصصة، من بينهم جان كلوس، المدير المالي لشركة «الإمارات للتأمين»، ومحسن ألتاف، المدير المالي وأمين سر شركة «Trust Re»، وزهير إقبال، المدير المالي لشركة «Orient Takaful»، وعدنان سبعلّيش، الرئيس التنفيذي لشركة «تكافل الإمارات».
ومن أبرز المحطات المنتظرة مشاركة «AM Best»، حيث يقدم فاسيليس كاتسيبيس، المدير العام لتطوير الأسواق فيها، عرضاً في 24 تشرين الثاني حول المفهوم الحقيقي للقوة المالية لشركات التأمين في الأسواق الحالية، متناولاً العلاقة بين الربحية والنمو، وكفاية رأس المال، والانضباط في الاكتتاب، ودور التصنيفات الائتمانية في تقييم قدرة الشركات على المنافسة والتوسع والمحافظة على عوائد سليمة.
كما تتضمن أعمال القمة مداخلات حول مستقبل العلاقة بين الإدارة التنفيذية والإدارة المالية، وكيفية الموازنة بين ضبط التكاليف والاستثمار في الابتكار والتوسع في أسواق جديدة، فضلاً عن استقطاب الكفاءات المالية والاكتوارية وتطويرها، وتعزيز قدرة المؤسسات على بناء فرق تمتلك المهارات المطلوبة لمواجهة التحولات المقبلة.
وفي المحصلة، تبدو قمة دبي أكثر من مجرد اجتماع للخبراء الماليين؛ فهي تفتح نقاشاً جوهرياً حول مستقبل صناعة التأمين في الشرق الأوسط، في وقت لم تعد فيه قوة الشركة تقاس بحجم أقساطها أو انتشارها الجغرافي وحدهما، بل بمتانة رأسمالها، وجودة اكتتاباتها، وقدرتها على تسعير المخاطر بصورة صحيحة، وتأمين الحماية اللازمة لمحافظها، وتحقيق عوائد مستدامة.
ففي صناعة تقوم أساساً على إدارة المخاطر، قد لا يكون الاختبار الأكبر أمام شركات التأمين هو قدرتها على تحقيق النمو في سنوات الازدهار، بل قدرتها على حماية ملاءتها المالية والاستمرار في الوفاء بالتزاماتها عندما تصبح المخاطر أكبر من التوقعات























































