• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

في عيد البشارة الذي تتوحّد فيه
جميع الطوائف المسيحية والإسلامية..
د. الياس ميشال الشويري:
البشارة حضور حي لمحبة الله
بين الناس...

2026/03/23
- بحث
في عيد البشارة الذي تتوحّد فيهجميع الطوائف المسيحية والإسلامية..د. الياس ميشال الشويري:البشارة حضور حي لمحبة اللهبين الناس...

عيد البشارة هو مناسبة دينية مهمة يُحتفل بها في لبنان في 25 آذار من كل عام، وهو يوم تتوحّد فيه جميع الطوائف المسيحية والإسلامية اذ يُذكر في كل من الإنجيل والقرآن ما جعل منه عيداً وطنياً يعكس التنوّع الديني والتعافي الذي يتميّز به لبنان.

ولكن لماذا سُميّ “عيد البشارة”؟

تاريخياً يرتبط العيد بإعلان الملاك جبائيل لمريم العذراء بأتها ستلد المسيح، علماً وأن السيدة مريم هي الأنثى الوحيدة التي ذكرت في القرآن 37 مرة وخصصت لها “سورة مريم” ورغم أن عيد البشارة هو عيد ديني كبير ومهم في الكنيسة، الا أنه تحوّل في شباط 2010 أيام حكومة الرئيس سعد الحريري الى جعله عيداً وطنياً جامعاً، وهكذا كان..

د. الياس ميشال الشويري، الأستاذ الجامعي والباحث، خصّ قراء “تأمين ومصارف” بهذا المقال الديني الإجتماعي (وحتى السياسي) مركّزاً بشكل خاص على معنى هذه “البشارة” والمسار التاريخي الذي تجسّده، ومستخلصاً، وهذا هو الجانب السياسي “أنه حتى في قلب الأزمات التي يسهدها لبنان، يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة”. فإلى الدراسة…

 د. الياس ميشال الشويري

في قلب الإيمان المسيحي تكمن حقيقة أساسية هي البشارة، إعلان الله الخلاصي للإنسانية عبر التاريخ. هذه البشارة لم تظل مجرد وعد أو نبوءة، بل تجسدت بشكل حيّ وملموس في شخص يسوع المسيح، الذي جاء ليحقق كلام الله ويجعل محبته وتجلياته واقعًا يمكن تجربته يوميًا. إن دراسة يسوع كمحقق للبشارة ليست مجرد تحليل تاريخي، بل رحلة لفهم كيف أصبح الوعد الإلهي حاضرًا في حياتنا، وكيف يمكن لكل إنسان أن يلمس هذا الخلاص عبر حياته وكلماته وأعماله وموته وقيامته. وفي هذا الإطار، يظهر يسوع كوسيط حيّ بين الله والإنسان، وكمصدر لا ينضب للرجاء والفرح والمحبة الحقيقية.

  1. البشارة كبداية التدبير الإلهي للخلاص في التاريخ البشري

تشكل لحظة البشارة نقطة التحول الأكثر جوهرية في تاريخ العلاقة بين الله والإنسان، إذ تنتقل فيها هذه العلاقة من إطار الانتظار الطويل إلى زمن التحقيق الفعلي. فقبل البشارة، عاش الإنسان حالة ترقّب عميق لوعد الخلاص، حيث ظلّ يحمل في داخله توقاً إلى تدخل إلهي يعيد ترتيب اختلال الوجود ويمنحه معنى جديداً. لكن هذا التوق بقي معلقاً في أفق الرجاء، إلى أن جاءت تلك اللحظة الفاصلة التي قرر فيها الله أن يحوّل الوعد إلى واقع، وأن يدخل الزمن البشري لا كفكرة أو إشارة، بل كحضور حيّ وفاعل.

إن البشارة، في هذا المعنى، لا يمكن فهمها كحدث منفصل أو معزول، بل كبدء لمسار تاريخي جديد يحمل في داخله دينامية الخلاص. فهي ليست مجرد إعلان عن ولادة قادمة، بل إعلان عن ولادة زمن جديد، زمن يتقاطع فيه الإلهي مع الإنساني بشكل غير مسبوق. ومن هنا، فإن أهميتها لا تكمن فقط في مضمونها، بل في طبيعتها كحدث يؤسس لتحول جذري في بنية التاريخ نفسه.

لقد كان الإنسان، قبل هذا الحدث، يعيش ضمن حدود طبيعته، محكوماً بقوانين الضعف والسقوط والبحث الدائم عن معنى لا يكتمل. أما مع البشارة، فقد دخل عنصر جديد إلى هذا الواقع، عنصر النعمة التي لا تلغي الطبيعة، بل تعيد توجيهها وتفتحها على أفق أوسع. وهنا يظهر التدبير الإلهي للخلاص كخطة لا تعمل من خارج الإنسان، بل من داخله، ومن خلال تاريخه الخاص.

إن ما يميز هذا التدبير هو طابعه التدريجي والداخلي، فهو لا يفرض نفسه بقوة، ولا يفرض تحولاً فجائياً على الواقع، بل يبدأ من نقطة صغيرة، من لحظة صامتة، من “نعم” قيلت في الخفاء، لكنه يحمل في داخله إمكانية تغيير العالم بأسره. وهذا يكشف عن منطق إلهي مختلف، لا يعتمد على الضجيج أو القوة الظاهرة، بل على العمق والاستمرارية.

وفي هذا السياق، يصبح التاريخ البشري بعد البشارة حاملاً لبعد لاهوتي عميق. فلم يعد مجرد تسلسل أحداث سياسية أو اجتماعية، بل أصبح مجالاً لحضور الله وعمله. كل لحظة في التاريخ باتت قابلة لأن تكون جزءاً من هذا التدبير، وكل إنسان أصبح مدعواً للمشاركة فيه، لا كمراقب، بل كفاعل.

وهذا الفهم يغيّر جذرياً نظرة الإنسان إلى ذاته. فهو لم يعد كائناً معزولاً في كون صامت، بل أصبح جزءاً من قصة أكبر، قصة خلاص تمتد عبر الزمن. وهذا يمنحه كرامة جديدة، لأنه لم يعد يعيش فقط من أجل ذاته، بل كجزء من مشروع إلهي يتجاوز حدود الفرد.

كما أن البشارة تعيد تعريف معنى الزمن نفسه. فالزمن لم يعد مجرد تعاقب لحظات، بل أصبح يحمل معنى خلاصياً، حيث كل لحظة يمكن أن تكون بداية جديدة. وهذا ما يجعل البشارة حدثاً دائماً الحضور، لا ينتمي فقط إلى الماضي، بل يتجدد في كل لحظة يُفتح فيها الإنسان على عمل الله.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم البشارة كدعوة مستمرة لكل إنسان ليعيد قراءة حياته في ضوء هذا الحدث. فهي لا تتوقف عند حدود التاريخ، بل تمتد إلى الحاضر، لتقول إن مشروع الخلاص لم ينتهِ، بل لا يزال يعمل في عمق الحياة اليومية، في القرارات الصغيرة، وفي المواقف التي تبدو عادية لكنها تحمل إمكانية التحول.

أما في السياق اللبناني، فإن هذا الفهم يكتسب أهمية مضاعفة. فلبنان، الذي يعيش أزمات متراكمة، يبدو وكأنه عالق في زمن الانهيار. لكن البشارة تقدم قراءة مختلفة: فحتى في قلب الأزمات، يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة. فالتاريخ لا يُختزل باللحظة الراهنة، بل يحمل دائماً إمكانية التحول.

وهنا يظهر البعد العملي للبشارة، إذ تدعو الإنسان إلى عدم الاستسلام لمنطق الواقع، بل إلى الإيمان بإمكانية تغييره. فهي لا تقدم حلولاً جاهزة، لكنها تزرع في الداخل قوة الرجاء التي تدفع نحو العمل.

إن التدبير الإلهي للخلاص، الذي بدأ في البشارة، لا يزال مستمراً، وهو لا يعمل بمعزل عن الإنسان، بل من خلاله. وهذا ما يجعل كل إنسان مدعواً ليكون جزءاً من هذا التدبير، عبر قراراته، ومواقفه، وإيمانه.

وفي النهاية، يمكن القول إن البشارة ليست فقط بداية قصة الخلاص، بل هي أيضاً مفتاح لفهم التاريخ والإنسان والحياة. إنها إعلان بأن الله دخل الزمن، وأن الزمن لم يعد كما كان، بل أصبح مفتوحاً على الأبدية. وهذا ما يمنح الإنسان القدرة على أن يرى في كل نهاية بداية، وفي كل أزمة فرصة، وفي كل ضعف إمكانية خلاص.

  1. سرّ التجسد: دخول الله إلى عمق التاريخ الإنساني

يشكّل سرّ التجسد قلب الإيمان المسيحي ومحوره الأساسي، وهو الحدث الذي يعبّر بأعمق صورة ممكنة عن طبيعة العلاقة التي أرادها الله مع الإنسان. فالتجسد، الذي تبدأ مسيرته في لحظة البشارة، لا يمثّل مجرد تدخّل إلهي عابر في التاريخ، بل هو دخول كامل إلى عمق الوجود الإنساني، بكل ما يحمله من ضعف وحدود وتناقضات. إن الله، في هذا الحدث، لا يكتفي بأن يقترب من الإنسان، بل يصبح واحداً منه، يعيش واقعه، ويشارك في مسيرته، ويحوّل هذا الواقع من الداخل.

إن هذا الفهم يفتح أمام الإنسان أفقاً جديداً لرؤية ذاته والعالم. فالتاريخ، الذي كان يُنظر إليه غالباً كمسار بشري مستقل أو كسلسلة أحداث متراكمة، يتحول في ضوء التجسد إلى مساحة لقاء بين الإلهي والإنساني. لم يعد الزمن مجرد إطار للأحداث، بل أصبح مجالاً لحضور الله الفاعل، حيث يتجلى عمله في تفاصيل الحياة اليومية، وفي مسيرة الإنسان الفردية والجماعية.

إن دخول الله إلى التاريخ من خلال التجسد يحمل في طياته بعداً ثورياً، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين المقدّس والعادي. فلم يعد الله بعيداً في سماء متعالية، بل صار حاضراً في قلب الواقع، في الجسد، في الحياة، في الألم، وفي الفرح. وهذا ما يعطي للحياة الإنسانية قيمة جديدة، لأنها لم تعد مجرد مرحلة عابرة، بل أصبحت مكاناً للقاء مع الله.

وفي هذا السياق، يتغيّر أيضاً مفهوم الجسد. ففي كثير من الفلسفات، كان الجسد يُنظر إليه كعائق أو كعنصر أدنى مقارنة بالروح، لكن التجسد يقدّم رؤية مغايرة تماماً. فالله نفسه اتخذ جسداً، مما يمنح الجسد كرامة غير مسبوقة، ويجعله جزءاً من مشروع الخلاص. وهكذا، لا يعود الإنسان منقسماً بين روح سامية وجسد متدنٍ، بل يصبح وحدة متكاملة مدعوة إلى التقديس.

كما أن التجسد يعيد صياغة مفهوم القوة. فبدلاً من أن تظهر القوة الإلهية في مظاهر العظمة والهيبة، تظهر في التواضع والقرب. إن الله لا يفرض حضوره بالقوة، بل يقدّمه كدعوة، كعلاقة، كحب. وهذا يغيّر جذرياً نظرة الإنسان إلى السلطة وإلى معنى العظمة، حيث تصبح المحبة هي المعيار الحقيقي.

إن هذا الدخول الإلهي إلى عمق التاريخ لا يلغي حرية الإنسان، بل يفعّلها. فالله، في التجسد، لا يستبدل الإنسان، بل يشركه. وهذا ما يجعل التاريخ مساحة تفاعل، لا سيطرة. فالإنسان يبقى حراً، لكنه مدعو لأن يكتشف في هذه الحرية معنى أعمق، مرتبطاً بعلاقته بالله.

ومن هنا، يمكن القول إن التجسد هو أيضاً إعلان عن قيمة الإنسان. فالله، عندما اختار أن يصبح إنساناً، أعلن بشكل غير مباشر أن الإنسان يستحق هذا القرب، وأن حياته ليست بلا معنى. هذا الإعلان يعيد للإنسان كرامته، ويضعه في موقع جديد داخل الكون، ليس ككائن ضعيف فقط، بل ككائن محبوب ومدعو إلى المشاركة في الحياة الإلهية.

وفي البعد التاريخي، يغيّر التجسد طريقة قراءة الأحداث. فلم يعد من الممكن النظر إلى التاريخ فقط من زاوية سياسية أو اقتصادية، بل يجب قراءته أيضاً من زاوية روحية، حيث يتداخل العمل الإلهي مع الأحداث البشرية. وهذا لا يعني إلغاء الأسباب الطبيعية، بل إعطاءها عمقاً إضافياً.

أما في السياق اللبناني، فإن هذا الفهم يكتسب بعداً خاصاً. فلبنان، الذي يعيش صراعات وتحديات مستمرة، يمكن أن يُنظر إليه فقط كحالة أزمة، لكن في ضوء التجسد، يمكن أيضاً أن يُفهم كمكان حضور، كمجال يمكن أن يعمل فيه الله من خلال الإنسان. وهذا لا يبرر الأزمات، لكنه يمنحها معنى، ويحوّلها من عبء مطلق إلى فرصة للتغيير.

إن سرّ التجسد يدعو الإنسان إلى عدم الهروب من الواقع، بل إلى الدخول فيه بوعي جديد. فالله نفسه لم يهرب من التاريخ، بل دخله، وبالتالي يصبح الإنسان مدعواً إلى أن يواجه واقعه، لا أن ينفصل عنه. وهنا يكمن البعد العملي للإيمان: أن يعيش الإنسان في العالم، لكن برؤية مختلفة.

كما أن التجسد يفتح الباب أمام فهم جديد للمعاناة. فالألم، الذي يبدو في كثير من الأحيان بلا معنى، يمكن أن يُعاد تفسيره في ضوء حضور الله في التاريخ. ليس كشيء مرغوب، بل كواقع يمكن أن يتحول، أن يُفهم، أن يُعاش بطريقة مختلفة. فالله لم يلغِ الألم، لكنه دخل فيه، مما يمنح الإنسان القدرة على تحمّله دون أن يفقد المعنى.

وفي هذا الإطار، يصبح الإيمان بالتجسد قوة داخلية، لا مجرد فكرة لاهوتية. إنه يمنح الإنسان القدرة على الثبات، لأنه يعلم أن الله ليس بعيداً عنه، بل حاضر معه في كل تفاصيل حياته. وهذا الحضور لا يُلغي الصعوبات، لكنه يمنحها بعداً مختلفاً.

إن سرّ التجسد، الذي يبدأ في البشارة، لا ينتهي عند لحظة معينة، بل يستمر في التاريخ، في حياة الكنيسة، وفي حياة المؤمنين. إنه حدث دائم الحضور، يتجدد في كل مرة يُفتح فيها الإنسان على الله، وفي كل مرة يُترجم فيها الإيمان إلى حياة.

وفي النهاية، يمكن القول إن التجسد هو المفتاح لفهم المسيحية ككل. فهو الحدث الذي يجمع بين الله والإنسان، بين السماء والأرض، بين الأبدية والزمن. ومن خلاله، يصبح التاريخ ليس فقط مساراً بشرياً، بل قصة خلاص مستمرة، حيث يُدعى الإنسان إلى أن يكون شريكاً في هذا العمل الإلهي.

  1. التواضع الإلهي كمنهج خلاصي: اختيار الهامش بدل المركز

يكشف حدث البشارة عن أحد أكثر الأبعاد عمقاً في الفكر اللاهوتي المسيحي، وهو بُعد التواضع الإلهي الذي يشكّل في جوهره منهجاً للخلاص، لا مجرد صفة عرضية في طريقة عمل الله. ففي اللحظة التي كان يمكن فيها أن يبدأ مشروع الخلاص من مراكز القوة والنفوذ، اختار الله أن ينطلق من الهامش، من حياة بسيطة، ومن مكان لا يحمل أي ثقل سياسي أو اجتماعي. هذا الاختيار لم يكن تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً جذرياً عن منطق إلهي مختلف يقلب موازين العالم.

إن العالم، بطبيعته، يميل إلى تمجيد القوة والسلطة والظهور. فالقيمة، في نظر البشر، غالباً ما تُقاس بالموقع، بالنفوذ، وبالقدرة على التأثير الخارجي. لكن البشارة تقدّم رؤية مغايرة بالكامل، حيث يبدأ الحدث الأعظم في التاريخ من صمت بيت بسيط، ومن قلب حياة يومية عادية. وهذا ما يطرح سؤالاً عميقاً: لماذا يختار الله هذا الطريق؟

الجواب يكمن في طبيعة الرسالة نفسها. فلو جاء الخلاص من خلال القوة الظاهرة، لكان خاضعاً لمنطق السيطرة، ولتحوّل إلى مشروع يُفرض على الإنسان. أما حين يأتي من خلال التواضع، فإنه يفتح المجال للحرية، ويجعل العلاقة بين الله والإنسان علاقة قبول، لا خضوع قسري. وهنا يتجلى البعد الخلاصي للتواضع: إنه الطريق الذي يحفظ كرامة الإنسان، لأنه لا يُلغيه، بل يدعوه.

إن اختيار الهامش بدل المركز يعبّر أيضاً عن رؤية جديدة للقيمة. فالمكانة، في المنطق الإلهي، لا تُقاس بالمظاهر، بل بالاستعداد الداخلي. ولهذا السبب، تصبح البساطة فضاءً مميزاً لعمل الله، لأنها خالية من التعقيدات التي قد تعيق الانفتاح على النعمة. فحيث يقلّ التعلّق بالقوة، يزداد الاستعداد للقبول.

كما أن هذا التواضع الإلهي يعيد تعريف مفهوم العظمة. فالعظمة، في ضوء البشارة، لا تكمن في الارتفاع فوق الآخرين، بل في الاقتراب منهم. إنها عظمة تتجلى في الخدمة، لا في السيطرة، وفي الحضور القريب، لا في المسافة. وهذا ما سيظهر لاحقاً في حياة المسيح، الذي جسّد هذا المنهج في كل أفعاله وتعاليمه.

ومن هنا، يصبح التواضع ليس فقط صفة إلهية، بل دعوة إنسانية. فالمؤمن مدعو إلى أن يعيد النظر في مقاييسه، وأن يكتشف أن القيمة الحقيقية لا تأتي من الخارج، بل من الداخل. وهذا التحول في الرؤية يشكّل أساساً لأي حياة روحية عميقة، لأنه يحرر الإنسان من الحاجة إلى إثبات ذاته عبر القوة أو المظاهر.

وفي هذا السياق، يمكن فهم التواضع كقوة خفية، لا كضعف. فهو لا يعني الاستسلام أو الانسحاب، بل يعني الثقة بأن العمل الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى الظهور. إن ما بدأ في صمت الناصرة يثبت أن الأحداث الأعظم قد تنطلق من أماكن لا يلتفت إليها أحد. وهذا يمنح الإنسان ثقة بأن لحياته، مهما بدت بسيطة، قيمة حقيقية.

كما أن هذا المنهج الإلهي يحمل بعداً نقدياً للواقع الإنساني. فهو يفضح وهم القوة الذي يسيطر على المجتمعات، ويكشف أن الكثير مما يُعتبر عظيماً قد يكون في جوهره هشّاً. في المقابل، يسلّط الضوء على ما هو مخفي ومهمَل، ليُظهر أنه يحمل إمكانية التحول الحقيقي.

وفي البعد اللبناني، يكتسب هذا المعنى أهمية خاصة. فلبنان، الذي عاش طويلاً تحت تأثير صراعات القوى، يحتاج إلى إعادة اكتشاف هذا المنطق. فالنهوض الحقيقي لا يمكن أن يأتي فقط من مراكز القرار، بل من الداخل، من الناس، من المبادرات الصغيرة التي قد تبدو غير مؤثرة لكنها تحمل بذور التغيير.

إن التواضع الإلهي يدعو اللبناني إلى إعادة النظر في مفهوم القوة. فالقوة الحقيقية لا تكمن في السيطرة، بل في القدرة على الصمود، على الاستمرار، على الحفاظ على القيم رغم الظروف. وهذا النوع من القوة لا يُبنى في العلن فقط، بل في العمق، في الضمير، في الإيمان.

كما أن اختيار الهامش يفتح الباب أمام الأمل. فحين يصبح الهامش مكاناً لعمل الله، لم يعد هناك مكان مهمَل أو بلا قيمة. كل إنسان، مهما كان موقعه، يمكن أن يكون جزءاً من مشروع الخلاص. وهذا يعيد توزيع المعنى داخل المجتمع، ويمنح الجميع دوراً.

إن هذا الفهم يحرر الإنسان من عقدة المركز. فليس مطلوباً منه أن يكون في موقع السلطة ليكون فاعلاً، بل أن يكون منفتحاً على العمل الإلهي. وهذا ما يجعل الحياة اليومية، بكل بساطتها، مكاناً للمعنى، لا مجرد روتين.

وفي النهاية، يظهر التواضع الإلهي كقلب المنهج الخلاصي. إنه الطريق الذي اختاره الله ليقترب من الإنسان، وهو أيضاً الطريق الذي يُدعى الإنسان إلى السير فيه ليقترب من الله. إنه منطق مختلف، لكنه وحده القادر على إحداث تحول حقيقي، لأنه يعمل من الداخل، من العمق، من حيث تبدأ كل التغييرات الكبرى.

وهكذا، فإن البشارة لا تعلن فقط عن بداية الخلاص، بل تكشف أيضاً عن الطريقة التي يتم بها هذا الخلاص: طريق التواضع، الذي يحوّل الضعف إلى قوة، والهامش إلى مركز، والصمت إلى كلمة تغيّر التاريخ.

  1. العذراء مريم كنموذج أنثروبولوجي للإيمان الكامل

تشكل العذراء مريم في حدث البشارة نقطة التقاء فريدة بين الإلهي والإنساني، لا فقط من حيث دورها في التجسد، بل من حيث تمثيلها لصورة الإنسان المؤمن في أسمى حالاته. فهي لا تظهر كشخصية ثانوية في الحدث، بل كفاعل أساسي فيه، حيث تتجلى فيها أبعاد الإيمان الإنساني في عمقه الحرّ، الواعي، والمسؤول. ومن هنا، يمكن النظر إليها ليس فقط كشخصية تاريخية، بل كنموذج أنثروبولوجي يكشف عن إمكانيات الإنسان عندما ينفتح بالكامل على الله.

إن أهمية مريم لا تكمن فقط في اختيارها، بل في طريقة استجابتها. فهي لم تكن مجرد أداة لتنفيذ خطة إلهية، بل شريكة حقيقية في هذا الحدث، إذ مارست حريتها بشكل كامل في لحظة القبول. وهذا ما يجعل إيمانها مختلفاً عن أي تصور سطحي للإيمان كخضوع أعمى. فالإيمان، في شخصها، يظهر كفعل واعٍ يجمع بين الفهم والثقة، وبين التساؤل والقبول.

في هذا الإطار، يمكن فهم مريم كصورة للإنسان الذي لا يُلغِي عقله أمام الله، بل يدخل في حوار معه. فهي، في لحظة البشارة، لم ترفض التساؤل، بل طرحت سؤالها، لا من موقع الشك، بل من موقع البحث عن الفهم. وهذا يكشف أن الإيمان الحقيقي لا يتناقض مع العقل، بل ينفتح عليه، ويستوعبه ضمن أفق أوسع.

كما أن مريم تمثل نموذجاً فريداً للحرية. فقبولها لم يكن نتيجة ضغط أو فرض، بل كان تعبيراً عن قرار داخلي نابع من ثقة عميقة بالله. وهنا يظهر البعد الإنساني العميق في الإيمان: إنه لا يُفرَض، بل يُعاش كخيار. وهذا الخيار هو ما يمنح الفعل الإيماني قيمته، لأنه ينبع من الداخل، لا من الخارج.

ومن خلال هذا القبول، تتحول مريم إلى مساحة لقاء، إلى نقطة عبور بين السماء والأرض. فهي لا تحتفظ بالنعمة لنفسها، بل تصبح حاملة لها، ووسيطاً لتحقيقها في العالم. وهذا يعكس بعداً أساسياً في الإيمان المسيحي: أن الإيمان ليس تجربة فردية مغلقة، بل رسالة تنفتح على الآخرين.

إن مريم، في هذا المعنى، تمثل الإنسان في حالته الأكثر اكتمالاً، حيث يلتقي فيه الوعي بالطاعة، والحرية بالثقة، والإنسانية بالنعمة. وهذا ما يجعلها نموذجاً يتجاوز الزمن، لأن ما تمثله ليس مرتبطاً بظرف تاريخي معين، بل ببنية الإنسان ذاته.

كما أن شخصيتها تكشف عن بُعد الصمت في الإيمان. فالإيمان، في كثير من الأحيان، لا يُعبَّر عنه بالكلمات، بل بالمواقف الداخلية، بالثقة الصامتة، بالاستعداد للقبول. ومريم، في هذا السياق، تعيش هذا الصمت كقوة، لا كفراغ، كمساحة يستقر فيها حضور الله.

وفي مواجهة هذا النموذج، يُدعى الإنسان إلى إعادة النظر في مفهومه للإيمان. فالإيمان ليس مجرد اعتقاد ذهني، ولا مجرد ممارسة طقسية، بل هو علاقة حية تتطلب انفتاحاً كاملاً. وهذا الانفتاح قد يكون صعباً، لأنه يتطلب التخلي عن السيطرة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام امتلاء أعمق.

وفي السياق اللبناني، يكتسب هذا النموذج أهمية خاصة. فلبنان يعيش حالة من القلق وعدم اليقين، حيث تبدو الخيارات محدودة، والمستقبل غامضاً. وفي مثل هذه الظروف، يصبح نموذج مريم دعوة إلى إيمان يتجاوز الخوف، إلى ثقة لا تقوم على وضوح الظروف، بل على عمق العلاقة مع الله.

إن مريم لم تكن تملك ضمانات للمستقبل، ومع ذلك قبلت. وهذا ما يجعلها قريبة من واقع الإنسان المعاصر، الذي يواجه المجهول. فالإيمان، في هذا السياق، لا يعني امتلاك الإجابات، بل القدرة على السير رغم الأسئلة.

كما أن هذا النموذج يقدّم رؤية جديدة للقوة. فالقوة، في مريم، لا تظهر في السيطرة أو الفعل الظاهر، بل في القدرة على القبول، على الثبات، على الاستمرار. إنها قوة داخلية، لا تحتاج إلى إثبات خارجي، لكنها قادرة على تغيير مجرى التاريخ.

ومن هنا، يمكن القول إن مريم تمثل ثورة هادئة في فهم الإنسان لذاته. فهي تكشف أن الإنسان لا يبلغ كماله عبر التمركز حول ذاته، بل عبر انفتاحه على الآخر، وعلى الله. وهذا الانفتاح لا يُفقِده هويته، بل يحققها.

كما أن دورها في البشارة يسلّط الضوء على أهمية الفرد في التاريخ. فحدث بحجم الخلاص بدأ بقرار شخص واحد. وهذا يعيد الاعتبار لدور الإنسان الفرد، الذي قد يظن أن قراراته غير مؤثرة، بينما هي قد تحمل في طياتها إمكانيات كبيرة.

إن مريم، في النهاية، ليست فقط مثالاً يُحتذى، بل مرآة يرى فيها الإنسان إمكانياته. إنها تذكير بأن الإنسان قادر، إذا انفتح، أن يكون شريكاً في عمل يتجاوز حدوده. وهذا ما يعطي للحياة معنى يتخطى اليومي والعابر.

وفي ختام هذا المحور، يمكن التأكيد أن العذراء مريم تمثل ذروة ما يمكن أن يكون عليه الإنسان عندما يلتقي بالله بحرية ووعي. فهي ليست فقط بداية قصة الخلاص، بل أيضاً نموذج لكل إنسان مدعو إلى أن يعيش إيمانه كفعل حرّ، عميق، ومثمر في التاريخ.

  1. مريم: لحظة التقاء الإرادة الإنسانية بالمشيئة الإلهية

تشكل كلمة القبول التي نطقت بها العذراء مريم في لحظة البشارة واحدة من أكثر اللحظات حسمًا في تاريخ البشرية، ليس فقط لأنها سمحت ببدء مسار التجسد، بل لأنها كشفت عن طبيعة العلاقة التي يريدها الله مع الإنسان: علاقة تقوم على الحرية، على الحوار، وعلى المشاركة. إن هذه الـ”نعم” لم تكن مجرد استجابة عابرة، بل كانت فعلًا وجوديًا عميقًا، التقت فيه الإرادة الإنسانية المحدودة بالمشيئة الإلهية غير المحدودة، في لحظة تناغم نادرة بين الزمن والأبدية.

إن أهمية هذه الكلمة لا تكمن في بساطتها الظاهرية، بل في عمقها اللاهوتي والأنثروبولوجي. فهي تعلن أن الله، رغم قدرته المطلقة، لا يعمل في التاريخ دون موافقة الإنسان. وهذا يكشف عن احترام إلهي عميق لحرية الإنسان، حيث لا يُفرَض الخلاص عليه، بل يُعرض عليه كدعوة تحتاج إلى قبول. وهنا يظهر البعد الحواري في العلاقة بين الله والبشر، حيث يصبح الإنسان شريكًا لا مجرد متلقٍ.

في هذه اللحظة، تتجلى الحرية الإنسانية في أسمى أشكالها. فمريم، وهي تواجه حدثًا يتجاوز كل التوقعات، لم تكن مجبرة على القبول، بل اختارت ذلك بإرادتها. وهذا الاختيار لم يكن سهلًا، لأنه يحمل في طياته المجهول، والتحدي، وربما الألم. ومع ذلك، جاء جوابها تعبيرًا عن ثقة عميقة، عن استعداد للدخول في مشروع لا تفهم كل أبعاده، لكنها تؤمن بمن يقف وراءه.

ومن هنا، يمكن فهم هذه الـ”نعم” كفعل إيمان ناضج، لا كاستسلام. فهي لا تعني غياب التساؤل، بل تجاوزه. لا تعني إلغاء الذات، بل تحقيقها في علاقتها بالله. وهذا ما يجعلها نموذجًا لكل إنسان مدعو إلى أن يختبر إيمانه كقرار، لا كعادة، وكخيار، لا كإجبار.

كما أن هذه اللحظة تكشف عن بُعد الزمن في العمل الإلهي. فالله، الذي يعمل في الأبدية، يختار أن يمرّ عبر الزمن، عبر لحظة محددة، عبر كلمة تُقال في وقت معين. وهذا يعطي لكل لحظة إنسانية قيمة، لأنها قد تكون نقطة تحول. وهكذا، لم تعد اللحظات اليومية مجرد تفاصيل عابرة، بل أصبحت تحمل إمكانية اللقاء مع الله.

إن “نعم” مريم تعيد تعريف مفهوم الطاعة. فهي ليست طاعة خضوع، بل طاعة حب. ليست فقدانًا للإرادة، بل انسجامًا معها في ضوء إرادة أسمى. وهذا الفهم يحرر الإنسان من النظرة السلبية للطاعة، ويجعلها تعبيرًا عن نضج داخلي، لا عن ضعف.

وفي هذا السياق، يظهر البعد المسؤول في الإيمان. فمريم لم تقل “نعم” لنفسها فقط، بل للبشرية كلها. لقد حملت بقرارها مسؤولية تاريخية، وهذا يكشف أن الإيمان الحقيقي لا يقتصر على الفرد، بل يمتد إلى الآخرين. إنه فعل شخصي، لكنه يحمل نتائج جماعية.

وهذا يقود إلى فهم أعمق لدور الإنسان في التاريخ. فالتاريخ لا يُصنع فقط عبر الأحداث الكبرى أو القوى السياسية، بل أيضًا عبر قرارات فردية قد تبدو صغيرة لكنها تحمل أثرًا عميقًا. إن كلمة واحدة، في لحظة معينة، قد تغيّر مسارًا كاملاً. وهذا يمنح الإنسان شعورًا بالمسؤولية، لأنه لم يعد مجرد متفرج، بل فاعل.

وفي السياق اللبناني، يكتسب هذا المعنى بعدًا حيويًا. فلبنان، الذي يعيش حالة من التردد والضياع، يحتاج إلى لحظات “نعم” جديدة، إلى قرارات شجاعة تنطلق من الداخل، لا من الضغوط الخارجية. فالتغيير لا يبدأ دائمًا من الأنظمة، بل من الأفراد، من مواقفهم، من قدرتهم على اتخاذ قرار رغم الصعوبة.

إن “نعم” مريم تذكّر اللبناني بأن الانتظار السلبي لا يغيّر الواقع، بل إن التحول يبدأ عندما يختار الإنسان أن يكون جزءًا من الحل. وهذا لا يعني إنكار التعقيدات، بل مواجهتها بإيمان ومسؤولية.

كما أن هذه اللحظة تكشف عن العلاقة بين الثقة والمجهول. فمريم لم تكن تملك كل الإجابات، لكنها امتلكت الثقة. وهذا هو جوهر الإيمان: السير دون وضوح كامل، لكن بثقة عميقة. وهذا ما يحتاجه الإنسان اليوم، خاصة في زمن تتزايد فيه الشكوك والضبابية.

إن هذه الـ”نعم” تحمل أيضًا بعدًا وجوديًا، لأنها تمثل لحظة عبور من الذات إلى الآخر، من الانغلاق إلى الانفتاح. إنها لحظة يخرج فيها الإنسان من مركزية ذاته، ليدخل في علاقة أوسع. وهذا التحول هو أساس كل نمو روحي حقيقي.

كما أن هذه الكلمة تفتح الباب أمام فهم جديد للدعوة. فالدعوة ليست دائمًا واضحة أو مريحة، لكنها تحمل في داخلها معنى. والاستجابة لها لا تعني غياب الصعوبات، بل قبولها كجزء من المسيرة.

وفي النهاية، يمكن القول إن “نعم” مريم ليست فقط حدثًا في الماضي، بل نموذج دائم للحياة الإنسانية. إنها دعوة لكل إنسان أن يكتشف لحظته الخاصة، لحظة القرار، لحظة القبول، لحظة الانفتاح على ما يتجاوز ذاته.

وهكذا، تصبح البشارة، من خلال هذه الكلمة، ليس فقط بداية للتجسد، بل أيضًا بداية لفهم جديد للإنسان: إنسان حر، مسؤول، قادر على أن يقول “نعم”، وأن يغيّر، من خلال هذه الكلمة، مسار حياته وربما مسار التاريخ.

  1. البشارة كتحوّل وجودي من الخوف إلى الرجاء

تأتي البشارة، في عمقها الروحي والإنساني، كحدث لا يقتصر على إعلان خبر، بل كتحوّل جذري في بنية الوجود الإنساني، حيث ينتقل الإنسان من حالة الخوف إلى أفق الرجاء. فهي ليست مجرد لحظة دينية في التاريخ، بل تجربة إنسانية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والله. وفي قلب هذا التحول، يظهر الخوف لا كضعف فقط، بل كحالة وجودية يعيشها الإنسان في مواجهة المجهول، في حين يأتي الرجاء كقوة داخلية تعيد ترتيب هذا القلق وتمنحه معنى.

إن أول ما يواجه الإنسان في البشارة هو عنصر المفاجأة، وهذا بحد ذاته يولد الخوف. فكل ما هو غير متوقع يهدد توازن الإنسان، لأنه يخرجه من دائرة المألوف. وهذا ما نراه في التجربة الإنسانية عمومًا، حيث يرتبط الخوف غالبًا بفقدان السيطرة، أو بعدم وضوح المستقبل. لكن البشارة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تدخل إلى عمق هذا الخوف لتعيد تفسيره، لا كحالة يجب الهروب منها، بل كمرحلة يمكن العبور من خلالها نحو ثقة أعمق.

في هذا السياق، يتحول الخوف من عائق إلى نقطة انطلاق. فهو يكشف هشاشة الإنسان، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمامه إمكانية الاتكال على ما هو أسمى منه. وهنا يظهر الرجاء، لا كإلغاء للخوف، بل كتحويل له. فالرجاء لا يعني غياب القلق، بل القدرة على العيش معه دون أن يتحول إلى شلل. إنه قوة تسمح للإنسان أن يتحرك رغم عدم اليقين.

إن البشارة، بهذا المعنى، تعلن أن الله لا يتجاهل خوف الإنسان، بل يخاطبه. وهذا بحد ذاته يحمل بعدًا إنسانيًا عميقًا، لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حلول فورية، بل إلى حضور يرافقه في ضعفه. وهذا الحضور هو ما يفتح الباب أمام الرجاء، لأنه يبدد شعور العزلة.

ومن هنا، يمكن فهم الرجاء كعلاقة، لا كفكرة مجردة. فهو ينبع من الثقة بشخص، لا من تحليل للظروف. وهذا ما يجعل الرجاء ممكنًا حتى في أصعب الأوضاع، لأنه لا يعتمد فقط على المعطيات الخارجية، بل على عمق العلاقة الداخلية. وهنا تكمن قوته، لأنه لا ينهار بسهولة أمام التغيرات.

كما أن هذا التحول يكشف عن بُعد الزمن في الحياة الإنسانية. فالخوف غالبًا ما يرتبط بالمستقبل، بما لم يحدث بعد، بينما الرجاء يعيد الإنسان إلى الحاضر، إلى اللحظة التي يمكنه أن يعيش فيها بثقة. وهذا لا يعني تجاهل المستقبل، بل التعامل معه دون أن يسيطر على الحاضر.

وفي السياق اللبناني، يأخذ هذا المحور بعدًا حادًا وواقعيًا. فلبنان يعيش حالة من الخوف الجماعي: خوف من الانهيار الاقتصادي، من عدم الاستقرار السياسي، من فقدان الأمان، من مستقبل غير واضح. وهذا الخوف لم يعد مجرد شعور فردي، بل أصبح حالة عامة تؤثر على كل جوانب الحياة.

في ظل هذا الواقع، تبدو البشارة كرسالة معاكسة لهذا المناخ. فهي لا تنكر صعوبة الظروف، لكنها ترفض أن يكون الخوف هو الكلمة الأخيرة. إنها تدعو إلى الرجاء، لا كإنكار للواقع، بل كطريقة مختلفة لعيشه. فالرجاء، في هذا السياق، يصبح فعل مقاومة، موقفًا داخليًا يرفض الاستسلام.

إن هذا الرجاء لا يعني انتظارًا سلبيًا، بل يدفع إلى الفعل. فهو يعطي الإنسان القدرة على الاستمرار، على العمل، على البناء، حتى عندما تبدو النتائج غير مضمونة. وهذا ما يحتاجه لبنان اليوم: ليس فقط حلولًا تقنية، بل طاقة داخلية تدفع الناس إلى عدم الاستسلام.

كما أن البشارة تعيد تعريف الأمان. فالأمان، في المنظور الإنساني، غالبًا ما يُربط بالاستقرار الخارجي، لكن التجربة الروحية تظهر أنه يمكن أن يوجد حتى في وسط الاضطراب. وهذا لا يقلل من أهمية الاستقرار، لكنه يحرر الإنسان من أن يكون رهينة له.

إن الرجاء، بهذا المعنى، هو فعل تحرر. فهو يحرر الإنسان من سيطرة الخوف، ومن هيمنة الظروف. وهو لا ينكر الواقع، بل يواجهه من موقع مختلف. وهذا ما يجعله قوة حقيقية، لأنه لا يعتمد فقط على ما هو خارجي.

كما أن هذا التحول يفتح الباب أمام معنى جديد للألم. فالألم، الذي غالبًا ما يُرى كعلامة على الفشل، يمكن أن يصبح، في ضوء الرجاء، مساحة للنمو. وهذا لا يعني تمجيد الألم، بل إعطاءه معنى، بحيث لا يبقى مجرد عبء، بل يتحول إلى جزء من مسار أعمق.

وفي هذا الإطار، يصبح الإنسان مدعوًا إلى اتخاذ موقف. فالبشارة لا تفرض الرجاء، بل تدعو إليه. وهذا يعني أن الإنسان يبقى حرًا في أن يختار بين الاستسلام للخوف أو الانفتاح على الرجاء. وهذا الاختيار هو ما يحدد مسار حياته.

كما أن هذا المحور يكشف عن البعد الجماعي للرجاء. فهو لا يقتصر على الفرد، بل يمكن أن يصبح قوة جماعية، عندما يتشارك الناس في رؤية تتجاوز الخوف. وهذا ما يمكن أن يشكل بداية لأي نهضة حقيقية.

وفي النهاية، يمكن القول إن البشارة، كتحول من الخوف إلى الرجاء، ليست فقط حدثًا ماضيًا، بل تجربة متجددة في حياة كل إنسان. فهي تطرح سؤالًا دائمًا: كيف نعيش في عالم مليء بالقلق دون أن نفقد الثقة؟ وكيف نواجه المستقبل دون أن نُشلّ بالخوف؟

والجواب الذي تقدمه ليس نظريًا، بل وجودي: بالرجاء. رجاء لا يُلغِي الواقع، بل يعيد تفسيره، ويمنح الإنسان القدرة على العيش فيه بكرامة وثقة. وهذا الرجاء هو ما يمكن أن يشكل، في النهاية، نقطة البداية لأي تغيير حقيقي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

  1. يسوع المسيح كمحقق حيّ للبشارة

هذا المحور يركز على حقيقة مركزية في الإيمان المسيحي، وهي أن يسوع المسيح ليس مجرد شخصية تاريخية أو معلمًا أخلاقيًا، بل هو تحقيق حيّ للبشارة التي أعلنها الأنبياء في العهد القديم. فالمسيحية تقوم على البشارة التي تعلن عن خلاص الله للإنسان، وبقدوم يسوع تتجسّد هذه البشارة بصورة ملموسة وحيّة في التاريخ.

يسوع المسيح هو الكلمة المتجسدة، بحسب الإنجيل، أي أن الله نفسه دخل في التاريخ الإنساني ليُحقق الوعد الإلهي. فكل ما وعد به الله شعبه عبر الأنبياء، من الخلاص والتحرير الروحي والفداء، وُجد في شخص يسوع بكل وضوح. وهو لم يأتِ ليكون رمزًا فحسب، بل ليكون حضورًا حيًّا لله بين البشر.

البشارة، التي هي إعلان الفرح والخلاص، وجدت في يسوع جسدًا وكلمة وفعلًا. ففي شخصه نرى رحمة الله تتجسّد، وقوته المحرِّرة تظهر في أعماله، مثل شفاء المرضى، وإخراج الشياطين، وتهدئة العواصف، وعمل المعجزات التي تشير إلى ملكوت الله. هذه الأفعال لم تكن مجرد عروض للقوة، بل علامات ملموسة على تحقق وعد الله للمخلوقات، وإظهار محبته للبشرية.

يسوع المسيح يحقق البشارة أيضًا من خلال تعاليمه، التي وضّحت حقيقة الله وأصل الإنسان وعلاقته بالخالق والآخرين. في خطبه، مثل الموعظة على الجبل، أعلن يسوع قانون المحبة والخلاص الذي يربط الإنسان بالله والإنسان بالإنسان. هذه التعاليم لم تكن مجرد قواعد أخلاقية، بل كانت تجسيدًا حيًّا للبشارة التي تدعو إلى حياة جديدة، حياة تتميز بالمحبة والتواضع والتضحية.

إن أهمية يسوع كمحقق للبشارة تكمن في أنه يربط العهد القديم بالعهد الجديد، محققًا النبوءات التي تنبأت بمجيء المخلص. فالأنبياء تحدثوا عن المسيح الذي سيحمل خطايا البشر، ويحررهم من عبودية الخطيئة، ويجلب الرجاء والحياة الأبدية. يسوع المسيح يختتم هذا الانتظار التاريخي، فلا يعود الخلاص مجرد وعد، بل حقيقة قابلة للمس والتجربة اليومية.

تحقيق يسوع للبشارة يتضح أيضًا في موته وقيامته. صلبه كان ذروة إعلان المحبة الإلهية، حيث أظهر قدرة الله على تحويل الألم والمعاناة إلى وسيلة خلاص للبشر. قيامته أكدت انتصار الله على الموت والخطيئة، محققة البشارة التي تنادي بالحياة الجديدة والرجاء الأبدي لكل من يؤمن به. هنا يصبح يسوع ليس فقط مخلّصًا نظريًا، بل حضورًا حيًّا يبعث الحياة في النفوس.

يسوع المسيح كتحقيق للبشارة يعني أن كل جانب من حياته كان إعلانًا حيًّا لخطة الله الخلاصية. كل كلمة قالها، وكل فعل قام به، كان إظهارًا ملموسًا للمحبة الإلهية والرحمة والفداء. وعبر شخصه، أصبح البشر قادرين على تجربة العلاقة المباشرة مع الله، وليس فقط معرفتها نظريًا.

كما أن المسيح يُظهر أن البشارة ليست مقتصرة على فئة معينة، بل هي دعوة شاملة لكل البشر، لكل ثقافة ولغة ووضع اجتماعي. فقد اختار أن يعيش مع الفقراء والمحتاجين، ويعلّم الجميع بأن ملكوت الله مفتوح للجميع. وهذا يعكس الطبيعة العالمية للبشارة التي تتحقق فيه، حيث يصبح كل إنسان مدعوًا لتجربة الخلاص والحياة الجديدة.

في النهاية، يسوع المسيح ليس مجرد منقذ أو معلّم، بل هو تحقيق حي للبشارة، حضور الله في التاريخ، ووسيلة الله ليجعل محبته وتجلياته مرئية ومسموعة وملموسة. ومن خلال حياته، موته، وقيامته، يظهر أن البشارة ليست مجرد كلمات مكتوبة، بل حقيقة حياة تتحقق في كل مؤمن، وتدعو الجميع إلى المشاركة في ملكوت الله.

يسوع المسيح هو البشارة المتجسدة، الكلمة التي صارت جسدًا، الرحمة التي تصبح حياة، والخلاص الذي يصير تجربة يومية لكل من يؤمن به. ومن خلاله، يتجلى وعد الله للبشرية بشكل حيّ وملموس، ويصبح لكل إنسان دعوة شخصية لتجربة الفرح والرجاء والخلاص، كما أعلنته الأناجيل.

بهذا المعنى، يمكن القول إن يسوع المسيح هو قلب كل البشارة، تحقيق كل النبوءات، وحضور حيّ لمحبة الله بين الناس، وهو الضمان الأبدي لأي شخص يرغب في الدخول في علاقة حقيقية ومباشرة مع الله، محققًا بذلك الهدف النهائي للبشارة التي طال انتظارها.

  1. الخاتمة

إن يسوع المسيح لم يأتِ كرمز أو فكرة نظرية، بل كتحقيق حيّ للبشارة، حيث أصبح كل فعل من أفعاله، وكل كلمة قالها، وكل معجزة قام بها، دلالة ملموسة على حضور الله بين البشر. من خلال موته وقيامته، يكتمل إعلان الله عن محبته وخلاصه، ويصبح لكل إنسان دعوة شخصية لتجربة الحياة الجديدة والفرح الأبدي. وبالتالي، فإن دراسة يسوع كمحقق للبشارة تذكرنا دائمًا أن وعد الله ليس مجرد كلام مكتوب، بل هو واقع حيّ يمكن لكل مؤمن أن يلمسه ويعيشه، متحولًا إلى مصدر رجاء وحياة للإنسانية جمعاء.

أخبار ذات صلة

الداعية محمد الغزالي يصرخفي وجه مشوّهي الدين:أبعدتم بعض الناس عن الله..د. الياس ميشال الشويري معقّباً :المطلوب صرخة إصلاحفي وجه التشويش باسم الدين...
بحث

الداعية محمد الغزالي يصرخ
في وجه مشوّهي الدين:
أبعدتم بعض الناس عن الله..
د. الياس ميشال الشويري معقّباً :
المطلوب صرخة إصلاح
في وجه التشويش باسم الدين...

19/03/2026

...

"العرب والمسلمون لا يأكلون لحم الخنزيرولكنهم يأكلون لحم بعضهم"...د. الياس ميشال الشويري معقّباً:لم يلتهم أحدٌ لبنانبقدر ما التهمه أبناؤه المتسلّطون!
بحث

"العرب والمسلمون لا يأكلون لحم الخنزير
ولكنهم يأكلون لحم بعضهم"...
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
لم يلتهم أحدٌ لبنان
بقدر ما التهمه أبناؤه المتسلّطون!

18/03/2026

...

هل تريد صوماًيحرس الفم ويطلق اليدّأم صوماً يضبط الجسد ويُطهّر الضمير؟د. الياس ميشال الشويري:صومنا الحقيقي عندما يجتمع فيناخوف من الله وعدل مع الناس..
بحث

هل تريد صوماً
يحرس الفم ويطلق اليدّ
أم صوماً يضبط الجسد ويُطهّر الضمير؟
د. الياس ميشال الشويري:
صومنا الحقيقي عندما يجتمع فينا
خوف من الله وعدل مع الناس..

17/03/2026

...

في مناسبة الصيامعند المسلمين والمسيحيين..د. الياس ميشال الشويري:الصيام الحقيقيهو في نهضة الضمير اللبنانيو ليس في الإمتناع فقط عن الطعام...
بحث

في مناسبة الصيام
عند المسلمين والمسيحيين..
د. الياس ميشال الشويري:
الصيام الحقيقي
هو في نهضة الضمير اللبناني
و ليس في الإمتناع فقط عن الطعام...

16/03/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
"ساما" في بيان إرشادي نشرته عكاظ:7 نصائح مهمة يجب مراعاتهاقبل توقيع أي عقد تأميني...

"ساما" في بيان إرشادي نشرته عكاظ: 7 نصائح مهمة يجب مراعاتها قبل توقيع أي عقد تأميني...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups