• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

يكفي أن يُخيف الزعيم ناسه
من "الطائفة الأخرى" ليضمن ولاءهم..
د. الياس ميشال الشويري:
سياسيّونا تحوّلوا الى تجّار أزمات
ونجحوا في قتل فكرة "الوطن الجامع"...

2026/05/15
- بحث
يكفي أن يُخيف الزعيم ناسهمن "الطائفة الأخرى" ليضمن ولاءهم..د. الياس ميشال الشويري:سياسيّونا تحوّلوا الى تجّار أزماتونجحوا في قتل فكرة "الوطن الجامع"...

صورة عن واقع الحال في لبنان كما رآها “جي بي تي” 

د. الياس ميشال الشويري

قالوا إنهم زعماء وطن، فإذا بالوطن في عهدهم يتحول إلى حطام. قالوا إنهم رجالات دولة، فإذا بالدولة تُسحق تحت أقدامهم، وتُباع مؤسساتها في مزادات الطوائف والمحاور والصفقات. لم يبقَ من لبنان الذي حلم به الناس سوى اسم يتردد فوق خرائط الألم والانهيار والهجرة والذل. بلدٌ كان يُفترض أن يكون منارة للعلم والحرية والثقافة، فإذا به يصبح جمهورية للفساد، وساحة مفتوحة لتجار السياسة والمزايدات والكراهية.

في لبنان، لم يسقط الشعب بسبب كارثة طبيعية، بل بسبب طبقة سياسية احترفت نهب الوطن حتى العظم. زعماء حوّلوا الدولة إلى مائدة يتقاسمون فوقها الحصص والوزارات والمناصب، فيما الشعب يقتات على الفتات. رجالٌ تحدثوا عن الكرامة وهم يذلون الناس على أبواب المصارف والمستشفيات ومحطات الوقود. رفعوا شعارات السيادة فيما القرار مرهون للخارج، ورفعوا شعارات المقاومة فيما الداخل منهوب، ورفعوا شعارات الإصلاح فيما الفساد يسكن في عمق نظامهم السياسي كالسوس الذي يأكل الخشب من الداخل.

لقد جعلوا اللبناني يخاف من أخيه أكثر مما يخاف من سارقه الحقيقي. زرعوا الطائفية في النفوس كي يحموا أنفسهم من المحاسبة، وحوّلوا المواطن إلى رهينة للجوع والخوف والحاجة، حتى صار اللبناني يبحث عن الكهرباء والدواء والهجرة أكثر مما يبحث عن الأحلام. وهكذا، تحوّل الوطن إلى سفينة مثقوبة يقف قادتها فوق سطحها يتشاجرون على المقاعد بينما البحر يبتلع الجميع.

هذا المقال ليس مجرد كلام عن السياسة، بل صرخة في وجه مرحلة كاملة من الانهيار الأخلاقي والوطني، مرحلة اختلط فيها الفساد بالخيانة، والطائفة بالمصلحة، والخطابات الوطنية بأكبر عملية نهب عرفها لبنان الحديث. إنه محاولة لكشف كيف تحوّل من ادّعوا أنهم حماة الوطن إلى شركاء في قتله البطيء، وكيف أصبح الشعب اللبناني ضحية منظومة بالكاد تصلح كأرجل لطاولة الخراب، لا كأساس لدولة محترمة تحفظ كرامة أبنائها.

1. الزعامة في لبنان بين صناعة الأبطال وصناعة الأصنام

في الدول التي تحترم نفسها، يولد رجل الدولة من رحم المؤسسات، من الفكر، من الكفاءة، من النزاهة، ومن القدرة على اتخاذ القرار الصعب لحماية الوطن لا لحماية مستقبله السياسي الشخصي. أما في لبنان، فقد وُلد معظم الزعماء من رحم الطائفة، ومن ذاكرة الحرب، ومن تجارة الخوف، ومن الاستثمار في الجهل والانقسام والعصبية. لم تُصنع الزعامات اللبنانية على قاعدة الإنجاز، بل على قاعدة الوراثة السياسية أو القوة المسلحة أو المال السياسي أو التحريض الطائفي. وهكذا، لم يعد اللبناني يرى في الزعيم موظفاً عاماً يخدم الناس، بل تحول الزعيم إلى ما يشبه الإقطاعي الذي يملك جماعته ويتحكم بمصيرها.

أخطر ما فعلته الطبقة السياسية اللبنانية أنها نجحت في تحويل المواطن إلى تابع. التابع لا يسأل ولا يحاسب ولا يعترض، بل يصفق ويهتف ويدافع حتى عن الذي يسرقه. وهكذا، تحوّلت الزعامة من علاقة سياسية طبيعية إلى علاقة شبه مقدسة، يُعامل فيها بعض الزعماء وكأنهم فوق النقد والمحاسبة. صار السياسي يُقدَّم كمنقذ تاريخي حتى لو كان سجله مليئاً بالفشل والانهيار والصفقات والفساد.

في لبنان، لا يحتاج الزعيم إلى النجاح كي يبقى، بل يحتاج إلى شد العصب الطائفي فقط. يكفي أن يخيف الناس من “الطائفة الأخرى” حتى يضمن ولاءهم. لذلك، كلما اقترب الحديث عن الإصلاح الحقيقي، تعود فجأة لغة الحرب الأهلية والخطر الوجودي والمؤامرات. فالسلطة تعرف جيداً أن المواطن عندما يشعر بالخوف، ينسى الكهرباء والمياه والفساد والسرقات، ويتمسك بزعيمه كأنه طوق النجاة الوحيد.

لقد بُني النظام اللبناني على فكرة توزيع الولاءات لا على فكرة بناء الدولة. كل زعيم حصل على حصته من المؤسسات والإدارات والوزارات، وحوّلها إلى مزرعة خاصة به. الوظائف تُوزع على أساس الانتماء، والمشاريع تُمرر على أساس الولاء، والخدمات تُمنح على أساس القرب من الحزب أو الزعيم. وهكذا، لم يعد المواطن يشعر بأنه يعيش في دولة، بل داخل شبكة من الزعامات المتناحرة التي تتقاسم البلاد كما تتقاسم العصابات مناطق النفوذ.

حتى اللغة السياسية في لبنان تحولت إلى لغة عبودية مقنعة. المواطن لا يقول “هذه حقوقي“، بل يقول “الزعيم وظفني“، “الحزب ساعدني“، “النائب زفّتلي الطريق“. وكأن أبسط حقوق الإنسان أصبحت منّة من السياسي لا واجباً على الدولة. وهذا أخطر أنواع الانهيار، لأنه انهيار في مفهوم الكرامة الوطنية نفسها.

الزعيم اللبناني التقليدي لا يريد شعباً متعلماً وواعياً ومستقلاً، لأن الإنسان الحر يشكل خطراً على منظومة الزعامة. لذلك، تُحارب الكفاءة أحياناً، ويُكافأ الولاء الأعمى. كم من أصحاب الشهادات والكفاءات هاجروا لأنهم رفضوا الانحناء لزعيم؟ وكم من جاهل وفاسد ارتفع نجمه فقط لأنه يعرف كيف يصفق ويحرّض ويخدم مصالح الطبقة السياسية؟

لقد تحوّل كثير من السياسيين في لبنان إلى تجار أزمات. هم لا يحلون المشاكل بل يديرونها ويستثمرون فيها. الكهرباء تبقى مقطوعة ليبقى المواطن بحاجة إلى شبكات المولدات التابعة لهذا الزعيم أو ذاك. الفقر يستمر لأن الجائع أسهل في الشراء الانتخابي. البطالة تستمر لأن العاطل عن العمل سيبقى بحاجة إلى واسطة حزبية ليعيش. وحتى الخوف الأمني والطائفي يتم إحياؤه عند كل استحقاق انتخابي كي يعود الناس إلى أحضان زعمائهم.

ومن شدة سيطرة هذه الثقافة، أصبح كثير من اللبنانيين يدافعون عن السياسي الذي دمّر مستقبلهم. يهاجمون القاضي إذا اقترب من الزعيم، ويشككون بأي تحقيق أو محاسبة إذا طالت رمزاً طائفياً. وهكذا، تحوّلت الطائفة إلى درع يحمي الفاسدين، وتحول الشعب أحياناً إلى شريك غير مباشر في استمرار المنظومة، لأنه خاف من التغيير أكثر مما خاف من الانهيار.

لقد نجحت الزعامات اللبنانية في قتل فكرة الوطن الجامع. صار لكل جماعة تاريخها وإعلامها وروايتها وولاؤها الخارجي أحياناً. وبدل أن يكون اللبناني مواطناً في دولة موحدة، أصبح أسيراً لهويات متصارعة. وهكذا، ضاعت الهوية الوطنية بين شعارات المقاومة والسيادة والطائفية والمذهبية والمحاور الإقليمية.

الأسوأ من كل ذلك أن بعض الزعماء تعاملوا مع الدولة وكأنها إرث عائلي. الابن يرث الأب، والصهر يرث الحليف، والعائلة تبقى ممسكة بالموقع وكأن الجمهورية ملكية مقنّعة. وفي ظل غياب المحاسبة، تراكمت الثروات والنفوذ والامتيازات، بينما الشعب يغرق أكثر فأكثر في الفقر والإهانة.

لم يعد اللبناني يثق بخطابات السياسيين، لأنه رأى التناقض الفاضح بين الكلام والواقع. يسمع حديثاً عن الكرامة الوطنية فيما المواطن مذلول على أبواب السفارات. يسمع كلاماً عن الصمود فيما الناس عاجزة عن شراء الدواء. يسمع شعارات مكافحة الفساد فيما كبار الفاسدين أنفسهم يجلسون على كراسي السلطة ويتبادلون الأدوار منذ عقود.

لقد تحوّل كثير من هؤلاء الزعماء إلى ممثلين بارعين فوق مسرح الخراب اللبناني. يتقنون البكاء أمام الكاميرات، والخطابات الرنانة، وصناعة العدو الوهمي، لكنهم يفشلون في بناء معمل كهرباء أو حماية أموال الناس أو تأمين أبسط مقومات الحياة. ولذلك، فإن وصفهم برجالات دولة أصبح إهانة حقيقية لمعنى الدولة نفسه.

رجل الدولة الحقيقي يُقاس بما يتركه خلفه من مؤسسات وعدالة واستقرار وكرامة وطنية. أما هؤلاء، فقد تركوا خلفهم وطناً مثقوباً بالديون، وشعباً منهكاً، وشباباً مهاجراً، ودولة مكسورة. وحين يسقط الوطن إلى هذا الحد، يصبح من حق الناس أن تقول: لم يكونوا رجالات دولة، بل مجرد أرجل لطاولة الفساد الكبرى التي التهمت لبنان حتى العظم.

مشهد مألوف: التجارة بالنفايات و لو على حساب النظافة و الصحة

2. نهب الدولة باسم الطائفة والمقاومة والسيادة

لم يعرف لبنان في تاريخه الحديث طبقة سياسية أتقنت فن السرقة كما أتقنته الطبقة التي حكمته بعد الحرب الأهلية. كانت البلاد خارجة من الدم والدمار، وكان اللبنانيون يحلمون بدولة جديدة تعوض عليهم سنوات القتل والخوف والانقسام، لكن ما حصل كان العكس تماماً. بدل أن تكون مرحلة ما بعد الحرب بداية لبناء وطن حديث، تحولت إلى موسم مفتوح لتقاسم الغنائم، وكأن أمراء الحرب خلعوا بزاتهم العسكرية فقط ليرتدوا بدلات رسمية ويجلسوا على كراسي الدولة نفسها التي دمروها.

كل فريق سياسي اخترع لنفسه قدسية خاصة تمنع الناس من محاسبته. هناك من احتمى بالطائفة، فصار أي نقد له يُصوَّر وكأنه استهداف لطائفة بأكملها. وهناك من احتمى بالمقاومة، حتى أصبح السؤال عن الفساد خيانة وطنية بنظر مناصريه. وهناك من احتمى بشعارات السيادة والاستقلال، بينما كان غارقاً حتى أذنيه في الصفقات والمحاصصات. وهكذا، تحولت الشعارات الوطنية إلى ستائر سميكة تخفي خلفها أكبر عملية نهب منظمة عرفها لبنان.

لم يكن الفساد في لبنان مجرد حالات فردية، بل أصبح نظام حكم كاملاً. الوزير يأتي إلى منصبه ومعه لائحة بالمحاسيب والأقارب والمنتفعين. المدير العام يُعيَّن وفق التوازنات السياسية لا وفق الكفاءة. المشاريع تُفصَّل على قياس الشركات التابعة للأحزاب. المناقصات تُرتب سلفاً. والمال العام يُنهب بوقاحة تكاد تكون علنية، فيما الشعب يتابع المشهد عاجزاً أو خائفاً أو غارقاً في الولاءات الطائفية.

أحد أكبر الأدلة على هذه الجريمة المستمرة هو ملف الكهرباء. عشرات مليارات الدولارات صُرفت على قطاع الكهرباء خلال عقود، ومع ذلك عاش اللبناني في العتمة، يدفع فاتورتين، واحدة للدولة وواحدة لأصحاب المولدات. لم يكن الأمر فشلاً تقنياً فقط، بل كان فضيحة سياسية وأخلاقية كاملة. لقد تحولت الكهرباء إلى حفرة سوداء ابتلعت أموال الناس، بينما بقيت السلطة تتبادل الاتهامات وكأن أحداً منها ليس مسؤولاً.

الأمر نفسه ينطبق على ملف النفايات، حيث تحولت القمامة إلى تجارة سياسية، وعلى ملف الاتصالات، وعلى الأملاك البحرية، وعلى الجمارك، وعلى المعابر غير الشرعية، وعلى الصفقات العمومية التي كانت تُمرر تحت عناوين مختلفة فيما الهدف الحقيقي واحد: تقاسم المال العام بين أطراف السلطة.

الأخطر أن الطبقة السياسية لم تكتفِ بسرقة الحاضر، بل سرقت مستقبل اللبنانيين أيضاً. راكمت الديون بشكل جنوني حتى أصبح لبنان واحداً من أكثر دول العالم غرقاً في الدين العام نسبة إلى حجمه. كانوا يستدينون باسم الشعب ثم ينفقون الأموال على شبكات الزبائنية والمحسوبيات والصفقات الانتخابية. وعندما انهارت البلاد مالياً، لم يدفع الثمن السياسيون ولا أصحاب المصارف الكبار، بل دفعه المواطن العادي الذي خسر عمره ومدخراته وكرامته.

في واحدة من أكثر الجرائم الاقتصادية قسوة، استيقظ اللبنانيون ليكتشفوا أن أموالهم في المصارف تبخرت. آلاف العائلات فقدت تعب سنوات طويلة. المودع الذي وثق بالنظام المصرفي وجد نفسه عاجزاً عن سحب أمواله، فيما بعض النافذين هرّبوا ثرواتهم إلى الخارج قبل الانهيار. وهنا ظهر الوجه الحقيقي للسلطة اللبنانية: سلطة تحمي الأقوياء وتترك الضعفاء يواجهون مصيرهم وحدهم.

حتى القضاء لم يسلم من هيمنة السياسة. كلما اقترب قاضٍ من ملف حساس، تبدأ الضغوط والتهديدات والتدخلات. ملفات الفساد الكبرى بقيت معلقة لأن النظام كله متشابك المصالح. الجميع يعرف الجميع، والجميع يملك ملفات على الجميع، ولذلك بقيت المحاسبة استثناء نادراً في بلد تحكمه التسويات لا العدالة.

ثم جاءت كارثة انفجار مرفأ بيروت لتكشف حجم الانهيار الأخلاقي الكامل. مدينة كاملة دُمّرت، مئات الضحايا سقطوا، آلاف الجرحى والمشردين، والعالم كله صُدم من هول المأساة. لكن السلطة اللبنانية تعاملت مع الكارثة بعقلية الإفلات من العقاب نفسها. بدل أن تتوحد لكشف الحقيقة، انقسمت لحماية المتهمين وتعطيل التحقيق وتسييس العدالة. حتى دماء الضحايا دخلت في بازار الحسابات السياسية والطائفية.

لقد تحولت الدولة اللبنانية إلى جسد منهك تأكله الطفيليات من الداخل. كل مؤسسة دخلتها المحاصصة ضعفت. الجيش تُرك أحياناً بلا دعم كافٍ، الجامعة اللبنانية تراجعت، الإدارات ترهلت، والمرافق العامة انهارت. وفي المقابل، تضخمت ثروات السياسيين والمقربين منهم بشكل فاضح، حتى بات اللبناني يرى بأم عينه الفرق الهائل بين حياة السلطة المترفة وحياة الشعب المكسور.

وما زاد المأساة قسوة أن بعض الزعماء لم يكتفوا بسرقة الداخل، بل ربطوا لبنان بالكامل بالمحاور الخارجية. صار القرار اللبناني رهينة مصالح دول إقليمية ودولية، وكل فريق يستقوي بحليفه الخارجي على أبناء وطنه. وهكذا، لم تعد الدولة مجرد دولة فاسدة، بل أصبحت أيضاً دولة فاقدة لجزء كبير من سيادتها واستقلالها الفعلي.

لقد باع بعضهم المرافئ والمواقف والسياسات والخطابات مقابل المال أو الحماية أو النفوذ. وصار لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بينما المواطن يدفع الثمن دماً وفقراً وهجرة وانهياراً. وهكذا، اجتمع الفساد الداخلي مع الارتهان الخارجي ليصنعا الكارثة اللبنانية الكبرى.

ومع كل انهيار جديد، كانت السلطة تعود إلى المسرحية نفسها: خطابات شعبوية، تبادل اتهامات، وعود بالإصلاح، ولجان تحقيق لا تصل إلى شيء. لكن الحقيقة بقيت واضحة أمام اللبنانيين: الذين حكموا لبنان لعقود لم يكونوا رجال إنقاذ، بل مهندسي خراب منظم، أتقنوا نهب الدولة باسم الطائفة والمقاومة والسيادة والإصلاح، حتى لم يبقَ من الوطن سوى هيكل متعب يصرخ تحت ركام الفساد.

مشهد كهربائي مرعب

3. إذلال الشعب كوسيلة للحكم

ليست كل السلطات بحاجة إلى السجون كي تُخضع شعوبها، فبعض الأنظمة تكتشف أن الجوع أكثر فعالية من الرصاص، وأن الإذلال اليومي قادر على كسر الإنسان ببطء أشد قسوة من أي حرب مباشرة. وهذا تماماً ما عاشه اللبنانيون خلال السنوات الأخيرة، حين تحوّل الوطن إلى مساحة هائلة من التعب والإهانة والخوف وانعدام الأمان، تحت أعين طبقة سياسية لم تبدِ أي شعور حقيقي بالذنب أو المسؤولية.

لقد أتقنت السلطة اللبنانية إدارة الانهيار لا منعه. تركت الناس تغرق تدريجياً في الأزمات حتى أصبح المواطن مستنزفاً بالكامل، يركض طوال يومه خلف أبسط مقومات الحياة. اللبناني الذي كان يناقش السياسة والثقافة والسياحة والتعليم، بات يناقش سعر ربطة الخبز وساعات التقنين وسعر الدولار وكلفة الدواء. وهكذا، انخفض سقف الحياة نفسها، وصار البقاء على قيد الكرامة إنجازاً يومياً.

الإذلال في لبنان لم يكن حادثاً عابراً، بل أصبح جزءاً من المشهد العام. رأى اللبناني نفسه واقفاً في طوابير البنزين لساعات طويلة وكأنه متسوّل في وطنه. شاهد المرضى يموتون لأن الدواء مفقود أو لأن المستشفيات تطلب مبالغ خيالية. رأى كبار السن يبكون أمام المصارف لأنهم عاجزون عن سحب جنى أعمارهم. سمع الأب يعتذر لأولاده لأنه لم يعد قادراً على شراء حاجاتهم الأساسية. وكل ذلك جرى فيما المسؤولون يتبادلون التصريحات الباردة والخطابات الفارغة وكأن المأساة لا تعنيهم.

في الدول الطبيعية، يشعر الحاكم بالخجل عندما ينهار اقتصاد بلده أو يجوع شعبه. أما في لبنان، فقد وصل الأمر ببعض السياسيين إلى حد التباهي بوقاحتهم السياسية. كانوا يظهرون على الشاشات بوجوه مطمئنة، يتحدثون عن الصمود والانتصارات الوهمية، فيما الناس تغرق في العتمة والجوع واليأس. لم نرَ استقالات جماعية حقيقية، ولا محاسبة جدية، ولا اعتذاراً وطنياً صادقاً بحجم الكارثة.

الأخطر أن السلطة نجحت في تحويل المواطن إلى رهينة دائمة للخوف. خوف من الجوع، خوف من المرض، خوف من الحرب، خوف من المستقبل، خوف من فقدان الوظيفة، خوف من انهيار العملة أكثر، وخوف من الآخر الطائفي. وعندما يعيش الإنسان في خوف دائم، يصبح أضعف من أن يثور أو يحاسب أو يطالب بحقوقه كاملة.

لقد استُخدمت الحاجة كسلاح سياسي بامتياز. المواطن الذي يحتاج إلى دواء أو وظيفة أو مساعدة غذائية يصبح أكثر قابلية للخضوع للزعيم والحزب. ولذلك، حافظت المنظومة السياسية على شبكة ضخمة من الزبائنية المقصودة، حيث يُبقي السياسي الناس محتاجين إليه كي يضمن ولاءهم. لم تُبنَ دولة رعاية اجتماعية حقيقية لأن الزعيم لا يريد مواطناً مستقلاً، بل يريد تابعاً يشعر أن حياته مرتبطة برضاه.

حتى الهجرة، التي تحولت إلى حلم جماعي عند الشباب اللبناني، لم تكن مجرد خيار اقتصادي، بل نتيجة مباشرة لانهيار الكرامة. آلاف الشباب غادروا لأنهم فقدوا الإيمان بوجود مستقبل في وطن تحكمه الطبقة نفسها منذ عقود. الطبيب هاجر، والمهندس هاجر، والأستاذ الجامعي هاجر، والممرض هاجر، وحتى أصحاب الكفاءات الصغيرة صاروا يبحثون عن أي فرصة خارج البلاد. وهكذا، لم تخسر لبنان أمواله فقط، بل خسر أيضاً عقوله وطاقاته وأحلامه.

والمؤلم أكثر أن كثيراً من الأهالي صاروا يودّعون أبناءهم في المطارات وكأنهم يودعون أجزاء من أرواحهم. تحول السفر من تجربة مؤقتة إلى هروب جماعي من وطن يشعر أبناؤه أنه لم يعد يشبههم. صار اللبناني يهاجر لا لأنه يريد الرفاهية فقط، بل لأنه يريد حياة طبيعية، كهرباء مستقرة، ماء نظيفاً، راتباً محترماً، ومستقبلاً غير معلق على مزاج زعيم طائفي.

أما الذين بقوا في الداخل، فدخلوا في حالة إنهاك نفسي جماعي. القلق أصبح جزءاً من الحياة اليومية. كثيرون فقدوا الشعور بالأمان، وكثيرون عاشوا الاكتئاب والإحباط والصمت القاسي. الناس لم تعد تخطط للمستقبل، بل صارت تعيش بمنطق النجاة اليومية. كيف سيمر هذا الشهر؟ هل يكفي الراتب؟ هل يتوافر الدواء؟ هل يرتفع الدولار غداً؟ هذه الأسئلة الصغيرة القاتلة أصبحت تتحكم بحياة اللبنانيين أكثر من أي حلم أو طموح.

ومع ذلك، استمرت السلطة في خطابها المعتاد، تتحدث عن المؤامرات الخارجية وكأنها بريئة مما جرى. حاولت الهروب من مسؤوليتها عبر تحميل الانهيار لعوامل خارجية فقط، بينما الحقيقة أن الفساد وسوء الإدارة والمحاصصة والنهب المنظم كانت الأسباب الأساسية لما وصل إليه البلد. لكن الاعتراف بالحقيقة كان سيعني سقوط الصورة الكاذبة التي بنتها هذه الطبقة حول نفسها لعقود.

لقد تعرّض اللبناني إلى نوع خطير من الإذلال المعنوي أيضاً. فالشعب الذي كان يُعرف بحيويته وثقافته وانفتاحه، صار مادة للسخرية في نشرات الأخبار العالمية بسبب الانهيار المالي والسياسي. الدولة التي كانت تستقطب السياح والمثقفين والمستثمرين، أصبحت مثالاً عالمياً للفشل والفساد والانهيار المؤسسي.

حتى العدالة تحولت إلى حلم بعيد. المواطن فقد ثقته بالقضاء، وبالمصارف، وبالسياسيين، وبالإعلام، وحتى بفكرة الدولة نفسها. وهذه أخطر مراحل الانهيار، لأن سقوط الثقة يعني سقوط الرابط الأساسي بين الشعب ووطنه. عندما يشعر الإنسان أن لا شيء عاد عادلاً أو محترماً أو قابلاً للإصلاح، يبدأ الانهيار الداخلي الحقيقي.

لقد أرادت السلطة اللبنانية شعباً متعباً، منشغلاً بالبقاء، عاجزاً عن التفكير بالمحاسبة أو التغيير. فالشعوب المرهقة لا تثور بسهولة، والناس الغارقة في تأمين الطعام والدواء لا تملك الوقت ولا الطاقة لبناء مشروع وطني جديد. وهكذا، أصبح الإذلال أداة حكم غير معلنة، تُمارَس يومياً عبر الفقر والخوف والانهيار والتجويع والابتزاز السياسي.

لكن رغم كل هذا الظلام، بقي شيء واحد لم تستطع السلطة قتله بالكامل: إرادة اللبناني في الحياة. فرغم التعب والانكسار والهجرة والخذلان، ما زال هناك من يحلم بوطن لا يُذل فيه الإنسان، ولا يُباع فيه المواطن مقابل صندوق إعاشة أو خطاب طائفي أو وعد انتخابي كاذب. لأن الشعوب قد تتعب، لكنها لا تنسى من سرقها وأهانها وتركها وحيدة تحت أنقاض وطن كان يوماً يُدعى لبنان.

بإسم الوطن نحرق و ندمّر

4. الإعلام والتضليل وصناعة الوهم

لم تكن الطبقة السياسية اللبنانية قادرة على الاستمرار كل هذه العقود لولا وجود آلة إعلامية ضخمة ساهمت في تلميع صورتها وتخدير الناس وصناعة أوهام جماعية تحجب الحقيقة. فالإعلام في لبنان، إلا ما ندر، لم يكن دائماً سلطة رقابية مستقلة كما يُفترض به أن يكون، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شريك مباشر في تكريس الانقسام وحماية الفاسدين وصناعة الزعامات الوهمية.

معظم القنوات والصحف والمنابر الكبرى ارتبطت تاريخياً بأحزاب وزعامات وطوائف ومحاور خارجية، حتى أصبح اللبناني يشاهد نشرات أخبار متعددة للبنانات مختلفة لا للبنان واحد. كل محطة تروي الحقيقة كما يريد زعيمها، وكل إعلامي يتحول أحياناً إلى محارب سياسي أكثر منه ناقلاً للوقائع. وهكذا، لم يعد المواطن يعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التلاعب بالعقول.

لقد لعب الإعلام الطائفي دوراً خطيراً في تحويل الزعيم إلى بطل أسطوري مهما ارتكب من أخطاء. كان السياسي يظهر على الشاشة كأنه منقذ الأمة، فيما تُخفى ملفات الفساد أو تُبرر أو تُنسى بسرعة. وعندما كانت الفضائح تنكشف، يبدأ الإعلام الحزبي فوراً بإطلاق حملات دفاع شرسة، لا لمناقشة الوقائع بل لتحويل القضية إلى “استهداف للطائفة” أو “مؤامرة سياسية“.

بهذه الطريقة، تمكّنت السلطة من حماية نفسها عبر تحويل أي محاولة للمحاسبة إلى معركة هوية وانتماء. المواطن لم يعد يناقش: هل هذا المسؤول فاسد أم لا؟ بل أصبح يسأل: هل ينتمي إلى جماعتي أم إلى الجماعة الأخرى؟ وهنا تحديداً تكمن الكارثة الكبرى، لأن الحقيقة ماتت تحت ركام العصبيات.

الإعلام اللبناني ساهم أيضاً في تحويل النقاش العام من قضايا الناس الحقيقية إلى معارك جانبية لا تنتهي. بدل أن يكون التركيز على الاقتصاد والبطالة والتعليم والصحة والفساد، كانت الشاشات تمتلئ بالسجالات الطائفية والخطابات التحريضية والمهاترات السياسية الفارغة. وهكذا، انشغل اللبنانيون ببعضهم البعض، فيما كانت السلطة تسرق البلد بهدوء.

حتى البرامج الحوارية تحولت في كثير من الأحيان إلى مسارح للصراخ والاستعراض والانفعال، لا للحوار الجدي. السياسي يصرخ، والإعلامي يزايد، والجمهور ينقسم ويصفق، بينما الحقيقة تضيع وسط الضجيج. لقد تحوّل الإعلام عند بعض الجهات إلى أداة تعبئة نفسية هدفها إبقاء الشارع في حالة توتر دائم، لأن المواطن الغاضب من الآخر الطائفي ينسى بسهولة غضبه من الفاسدين الحقيقيين.

ومن أخطر ما فعله الإعلام المرتبط بالسلطة أنه صنع وهماً جماعياً بأن الزعماء لا يُهزمون ولا يُحاسبون. تم تصوير بعض الشخصيات السياسية وكأنها قدر تاريخي لا يمكن تغييره، وتمت صناعة هالات ضخمة حولهم عبر الأغاني والخطب والصور والشعارات العاطفية. وهكذا، اختلط السياسي بالديني والعاطفي والطائفي، حتى أصبح نقد الزعيم عند بعض البيئات أقرب إلى الخيانة أو الكفر السياسي.

كما لعب الإعلام دوراً أساسياً في تبرير الفشل المستمر. عندما انهارت الكهرباء، قيل إن السبب مؤامرات وتعطيل متبادل. وعندما انهار الاقتصاد، قيل إن العقوبات الخارجية وحدها هي السبب. وعندما انفجرت بيروت، ضاعت الحقيقة بين التحليلات والتسييس والتضليل. دائماً هناك شماعة جاهزة، بينما المسؤول الحقيقي يبقى محمياً خلف جدران النفوذ السياسي والإعلامي.

حتى خلال الانهيار المالي غير المسبوق، استُخدمت بعض المنابر الإعلامية لتخدير الناس وتأجيل الانفجار الشعبي. ظهرت وجوه سياسية ومصرفية تتحدث بثقة كاذبة عن “أزمة عابرة” و”استقرار مالي” فيما كانت البلاد تسير نحو الهاوية. وعندما وقع الانهيار فعلاً، لم نرَ محاسبة جدية لمن ضللوا الناس وخدعوا المودعين وأخفوا الحقائق.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت المشهد تعقيداً. صحيح أنها فتحت المجال أمام أصوات حرة ومستقلة، لكنها تحولت أيضاً إلى ساحات ضخمة للجيوش الإلكترونية والتحريض والشائعات والاغتيال المعنوي. الأحزاب السياسية أنفقت أموالاً هائلة على حملات إلكترونية هدفها تلميع صورتها وتشويه خصومها وصناعة رأي عام مزيف. وهكذا، أصبح المواطن محاصراً بسيل هائل من التضليل يصعب أحياناً التمييز فيه بين الحقيقة والكذب.

الأخطر أن الإعلام اللبناني في كثير من الأحيان لم يكتفِ بالصمت عن الفساد، بل ساهم في تسويقه وتجميله. السياسي الذي ينهب الدولة يظهر في مقابلات فاخرة يتحدث عن الوطنية والسيادة والإصلاح، وكأن التاريخ يبدأ كل مرة من ظهوره التلفزيوني. أما الصحافي الحر أو القاضي الجريء أو الناشط المستقل، فيتعرض أحياناً للتخوين أو التهديد أو الحملات المنظمة فقط لأنه اقترب من الحقيقة.

لقد تحوّل جزء من الإعلام إلى سوق للمصالح السياسية والمالية. التمويل يحدد الخط التحريري، والإعلانات السياسية تشتري الولاءات، والعلاقات مع الزعماء تفتح أبواب النفوذ. وهكذا، ضعفت الرسالة الحقيقية للإعلام كسلطة رقابة ومحاسبة، وتحولت بعض المنابر إلى أدوات في خدمة المنظومة نفسها التي دمّرت لبنان.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار وجود أصوات إعلامية وصحافية شجاعة حاولت كشف الحقائق ومواجهة الفساد، ودفع بعضها ثمناً باهظاً من سمعته أو أمنه أو مستقبله المهني. لكن هذه الأصوات بقيت تواجه منظومة ضخمة تمتلك المال والسلطة والنفوذ والقدرة على التأثير بالرأي العام.

المأساة الكبرى أن اللبناني عاش سنوات طويلة داخل عالم من الأوهام السياسية المصنوعة إعلامياً. أوهام القوة والانتصارات الوهمية والإصلاحات الكاذبة والخطط التي لا تُنفذ والوعود التي لا تتحقق. ومع كل أزمة، كانت السلطة تعيد إنتاج الوهم نفسه: كلمات كبيرة، خطابات عاطفية، وشعارات براقة تخفي تحتها بلداً يتآكل من الداخل.

لقد نجحت المنظومة اللبنانية في استخدام الإعلام كسلاح للسيطرة النفسية على الناس. فمن يملك القدرة على توجيه الرواية، يملك القدرة على توجيه الوعي الجماعي. ولذلك، لم تكن معركة اللبنانيين مع الفساد فقط، بل أيضاً مع ماكينة ضخمة لصناعة التضليل وتزوير الحقائق وتقديس الزعامات.

وفي النهاية، يمكن القول إن كثيراً من وسائل الإعلام في لبنان لم تكن مجرد شاهد على سقوط الدولة، بل كانت أحياناً شريكاً مباشراً في هذا السقوط، لأنها ساعدت في حماية من نهبوا البلد، وغطّت على فشلهم، وشاركت في إبقاء الشعب أسير الانقسام والخوف والوهم، حتى بات اللبناني يرى الخراب بعينيه، لكنه يسمع على الشاشات من يقول له إن الوطن بخير.

بيوت تحترق

5. لبنان بين الحلم الضائع والنهضة الممكنة

رغم كل ما أصاب لبنان من خراب وانهيار وإذلال، ما زالت فكرة النهوض ممكنة، لأن الأوطان لا تموت بالكامل ما دام فيها شعب يرفض الاستسلام. قد تُنهك الدولة، وقد تُسرق المؤسسات، وقد يهاجر الشباب، لكن يبقى هناك دائماً شيء عصيّ على الموت: إرادة الناس في استعادة وطنهم من أيدي الذين حوّلوه إلى سوق مفتوح للطوائف والمحاور والفساد.

لبنان لم يكن بلداً فقيراً في يوم من الأيام، بل كان بلداً غنياً بعقوله وثقافته وانفتاحه وموقعه وطاقات شعبه. المشكلة لم تكن في غياب الإمكانيات، بل في وجود منظومة سياسية تعاملت مع هذه الإمكانيات كغنيمة شخصية لا كمشروع وطني. ولذلك، فإن إنقاذ لبنان لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى كسر الحلقة التاريخية نفسها التي أعادت إنتاج الطبقة السياسية ذاتها لعقود طويلة.

النهضة الحقيقية تبدأ أولاً من سقوط وهم الزعيم المنقذ. فالأوطان لا تُبنى على أكتاف الأشخاص مهما كانت شعبيتهم، بل على قوة المؤسسات والقوانين والعدالة. المشكلة في لبنان أن المواطن اعتاد البحث عن “الأب السياسي” الذي يحميه، بدل أن يطالب بدولة تحمي الجميع بالتساوي. ولذلك بقي اللبناني أسيراً للخوف والحاجة والتبعية، فيما الزعماء يتوارثون السلطة جيلاً بعد جيل.

إن أي مشروع نهضة فعلي لا بد أن يبدأ بإعادة بناء مفهوم المواطن. المواطن لا يعني الفرد المنتمي إلى طائفة فقط، بل الإنسان الذي يملك حقوقاً ثابتة لا ترتبط بمزاج زعيم أو بحجم نفوذ حزب. عندما يشعر اللبناني أن القانون يحميه أكثر من الطائفة، عندها فقط تبدأ الدولة بالولادة من جديد.

لبنان يحتاج إلى ثورة وعي قبل أي إصلاح اقتصادي أو سياسي. لأن الأزمة الحقيقية ليست فقط في انهيار العملة أو الكهرباء أو المصارف، بل في العقلية التي قبلت لعقود بتحويل الدولة إلى مزرعة. لقد اعتاد كثير من الناس على منطق “سرق لكن خدم طائفته“، وهذه الجملة وحدها كانت كافية لتدمير فكرة الوطن المشترك. فلا يمكن بناء دولة إذا بقي الفاسد محمياً بعصبيته الطائفية.

النهضة تحتاج أيضاً إلى قضاء مستقل لا يخاف من السياسيين. فلا دولة في العالم تُحترم إذا كان القاضي ينتظر إشارة من الزعيم قبل اتخاذ القرار. العدالة ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي أساس بقاء الدول. وعندما يفقد المواطن ثقته بالقضاء، يبدأ المجتمع كله بالتحلل تدريجياً.

كما أن لبنان بحاجة إلى إعادة الاعتبار للتعليم الرسمي والجامعة اللبنانية والمؤسسات العامة. فالدولة القوية لا تقوم على الولاءات الحزبية بل على الكفاءة والعلم والإدارة السليمة. وقد أثبت اللبناني في كل دول العالم أنه قادر على النجاح والإبداع عندما يجد نظاماً يحترم طاقاته، وهذا أكبر دليل على أن المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان اللبناني بل في السلطة التي حكمته.

الاقتصاد اللبناني أيضاً يحتاج إلى إعادة تأسيس كاملة. لا يمكن الاستمرار في اقتصاد قائم على الديون والمضاربات والخدمات الهشة والارتهان للخارج. المطلوب اقتصاد منتج يحترم العمل الحقيقي، يدعم الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقات الشبابية، لا اقتصاداً يعيش على الاستدانة والسمسرات والاحتكارات.

ومن أهم شروط النهوض أيضاً تحرير القرار الوطني من الارتهان الخارجي. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً لأنه تحوّل إلى ساحة صراعات إقليمية ودولية. كل فريق استقوى بالخارج على الداخل، فضاع الوطن بين المحاور. الدولة الحقيقية لا تُبنى عندما تكون قراراتها موزعة بين السفارات والعواصم، بل عندما يصبح ولاء الجميع للبنان أولاً وأخيراً.

ولا يمكن الحديث عن المستقبل من دون التوقف عند الشباب اللبناني. هذا الجيل الذي عاش الانهيار بكل قسوته، وشاهد أحلامه تتكسر أمامه، يملك رغم ذلك قدرة استثنائية على التغيير. كثير من الشباب لم يعد مقتنعاً بخطابات الحرب الأهلية والطائفية القديمة، بل يبحث عن دولة مدنية حديثة تحترم الإنسان وتمنحه فرصة للحياة الكريمة. وهنا يكمن الأمل الحقيقي.

لقد كشفت انتفاضات اللبنانيين في السنوات الأخيرة أن هناك وعياً جديداً يتشكل، وعياً يرفض تقديس الزعماء ويرى الفساد كجريمة وطنية لا كخلاف سياسي عابر. صحيح أن المنظومة نجحت في احتواء كثير من الغضب الشعبي، لكنها لم تستطع قتل فكرة التغيير بالكامل. وهذا بحد ذاته تطور مهم في مجتمع عاش طويلاً تحت سطوة الخوف والطائفة.

النهضة تحتاج أيضاً إلى مصالحة اللبناني مع وطنه. فالكثير من الناس باتوا يشعرون بالغربة داخل بلدهم. فقدوا الثقة بالدولة، وبالاقتصاد، وبالسياسة، وحتى بالمستقبل. لذلك، فإن إعادة بناء الأمل ليست مسألة شعارات، بل مسألة أفعال حقيقية يشعر من خلالها المواطن أن هناك دولة بدأت تعود فعلاً.

لبنان لا ينقصه الذكاء ولا الموارد البشرية ولا الموقع الجغرافي ولا التاريخ الثقافي، بل ينقصه الحكم النظيف والإرادة السياسية الصادقة. ينقصه مسؤولون يشعرون بالخجل عندما يجوع الناس، لا سياسيون يتقنون فقط الخطابات والمزايدات. ينقصه رجال دولة حقيقيون، لا تجار أزمات وطوائف.

ورغم السواد الكبير، يبقى لبنان قادراً على النهوض لأن الشعوب التي مرت بالحروب والانهيارات قادرة أيضاً على إعادة بناء نفسها عندما تمتلك الإرادة. والتاريخ مليء بدول خرجت من تحت الركام وعادت أقوى مما كانت. لكن البداية في لبنان يجب أن تكون من الاعتراف بالحقيقة: أن المنظومة التي حكمت البلد لعقود أوصلته إلى الانهيار، وأن استمرارها يعني استمرار الموت البطيء للوطن.

إن الحلم اللبناني لم يمت، لكنه مختطف. وما لم يستعد اللبنانيون دولتهم من أيدي الفساد والطائفية والتبعية، سيبقى الوطن معلقاً بين ماضٍ مجروح ومستقبل مؤجل. أما إذا نجحوا يوماً في كسر هذه الحلقة، فقد يعود لبنان فعلاً وطناً يشبه شعبه، لا سجناً كبيراً تحكمه زعامات بالكاد تصلح كأرجل لطاولة الخراب.

نفايات لبنان تفتك بشعبه

6. الخاتمة

في النهاية، لا يمكن لوطن أن يعيش طويلاً وهو محكوم بمن يعتبر الدولة غنيمة لا مسؤولية، والطائفة درعاً للفساد، والشعب مجرد وقود لمعركة السلطة. لقد سرقوا لبنان ثم وقفوا فوق أنقاضه يخطبون عن الوطنية. دمّروا الاقتصاد ثم تحدثوا عن الصمود. أذلّوا الناس حتى صار المواطن يحلم فقط بالنجاة، ثم طلبوا منه أن يصفق لهم ويهتف بأسمائهم وكأنهم أنبياء السياسة لا تجار الخراب.

إن أخطر ما فعلته هذه الطبقة السياسية ليس فقط أنها نهبت المال العام، بل أنها سرقت ثقة اللبناني بوطنه، وقتلت داخله الإيمان بالدولة والعدالة والمستقبل. جعلت الشاب يرى الهجرة خلاصاً، والأب يرى العجز هزيمة يومية، والأم ترى مستقبل أولادها معلقاً على باب سفارة لا على باب وطن. وهذا النوع من الخراب لا يُقاس بالأرقام فقط، بل يُقاس بحجم الانكسار داخل أرواح الناس.

لكن مهما اشتد الظلام، تبقى الحقيقة أوضح من كل خطاباتهم: لبنان لم يسقط لأن شعبه فاشل، بل لأن كثيراً ممن حكموه كانوا أصغر من الوطن، وأفقر من معنى الدولة، وأضيق من حلم اللبنانيين بحياة كريمة. كانوا يتقنون صناعة الأزمات أكثر من صناعة الحلول، ويتقنون تقسيم الناس أكثر من توحيدهم، ويتقنون حماية مصالحهم أكثر من حماية بلد ينهار أمام أعينهم.

سيأتي يوم يُفتح فيه سجل هذه المرحلة السوداء، ويُكتب فيه أن وطناً جميلاً خُنق على أيدي من ادّعوا حمايته. وسيُكتب أيضاً أن الشعوب قد تصبر وتتعب وتنكسر، لكنها لا تنسى من سرق خبزها وكرامتها ومستقبل أبنائها. وعندها فقط، سيفهم الجميع أن رجالات الدولة الحقيقيين يُبنون بالأخلاق والرؤية والتضحية، لا بالخطب الفارغة والطائفية والصفقات، وأن الذين حكموا لبنان لعقود لم يكونوا رجال وطن، بل مجرد أرجل مهترئة لطاولة فساد كبرى التهمت بلداً اسمه لبنان.

مظاهر مسلّحة في الشوارع

أخبار ذات صلة

الودائع المفقودة و لبنان المُنهك..د. الياس ميشال الشويري معقّباً:العدو من يحكم بعقلية الإستيلاءلا من يقف خلف الحدود...
بحث

الودائع المفقودة و لبنان المُنهك..
د. الياس ميشال الشويري معقّباً:
العدو من يحكم بعقلية الإستيلاء
لا من يقف خلف الحدود...

14/05/2026

...

لبنان أمام سؤال كبير:هل يبقى ساحة مفتوحةأو ينتقل الى استعادة قراره الوطني؟د. الياس ميشال الشويري:الجنوب يحترق على مذبحصراعات لا تشبهه!
بحث

لبنان أمام سؤال كبير:
هل يبقى ساحة مفتوحة
أو ينتقل الى استعادة قراره الوطني؟
د. الياس ميشال الشويري:
الجنوب يحترق على مذبح
صراعات لا تشبهه!

13/05/2026

...

يوم سقط لبنان تحت السلاحوانكشف وجهه المكسور..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً :7 أيار أحيا "الخوف المتبادل"وكرّس منطق: "الطائفة هي الملجأ"
بحث

يوم سقط لبنان تحت السلاح
وانكشف وجهه المكسور..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً :
7 أيار أحيا "الخوف المتبادل"
وكرّس منطق: "الطائفة هي الملجأ"

12/05/2026

...

حين تُستباح الرموز وتنهار اللغةتتعمّم فوضى الخطاب الرقميوتنهار القيم..د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:حرية التعبير للبناء لا للهدم!
بحث

حين تُستباح الرموز وتنهار اللغة
تتعمّم فوضى الخطاب الرقمي
وتنهار القيم..
د. الياس ميشال الشويري معلّقاً:
حرية التعبير للبناء لا للهدم!

11/05/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
القمة الأميركية-الصينية اقتصادياً:فشل في الصفقات التجاريةنجاح في ابقاء المنافسة بينهماسلمية و تحت السيطرة...

القمة الأميركية-الصينية اقتصادياً: فشل في الصفقات التجارية نجاح في ابقاء المنافسة بينهما سلمية و تحت السيطرة...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups