عائدة إلى قريتها رافعةً إشارة النصر وبدا جسر الليطاني مهدماً
سينثيا هدايا
في خضمّ الحرب الأخيرة التي اندلعت في لبنان منذ شباط، تتكشّف يوماً بعد يوم صورة قاتمة لحجم الخسائر الاقتصادية التي طالت مختلف القطاعات، في بلد يعاني أساساً من واحدة من أعمق الأزمات المالية في تاريخه الحديث. وتشير التقديرات إلى أنّ كلفة هذه الحرب تجاوزت خلال فترة قصيرة حدود القدرة الاحتمالية للاقتصاد اللبناني، مع تسجيل خسائر مباشرة وغير مباشرة بمليارات الدولارات، وسط شلل شبه كامل في مفاصل الإنتاج والخدمات.
تُقدَّر الخسائر الإجمالية المتراكمة بنحو 7 مليارات دولار، توزّعت بشكل أساسي على تدمير المساكن والبنى التحتية والمؤسسات الاقتصادية، في حين تخطّت كلفة إعادة الإعمار المتوقعة 11 مليار دولار، ما يعكس حجم الدمار الذي أصاب رأس المال المادي في البلاد. ويُضاف إلى ذلك نزيف يومي في الاقتصاد يُقدّر بما بين 100 و110 ملايين دولار، نتيجة توقف الأنشطة الإنتاجية والتجارية والخدماتية.

في ما يتعلق بالبنية التحتية، كانت الخسائر الأشد وطأة، حيث طالت الأضرار شبكات الطرق والكهرباء والمياه، إضافة إلى آلاف المباني السكنية التي تضررت أو دُمّرت بشكل كامل. وتشير بيانات دولية إلى تضرر أكثر من 90 ألف منشأة بين منازل ومؤسسات ومرافق حيوية، من بينها مستشفيات ومدارس، ما أدى إلى تعطيل الخدمات الأساسية لمئات آلاف المواطنين. هذا الدمار لا يقتصر على الخسائر الحالية، بل يمتد ليشكّل عبئاً طويل الأمد على المالية العامة، في ظل الحاجة إلى إعادة بناء شبه شاملة.
أما على صعيد التجارة، فقد شهد هذا القطاع تراجعاً حاداً في النشاط وصل إلى نحو 50%، نتيجة تعطل سلاسل التوريد وارتفاع كلفة الاستيراد والتأمين والشحن. وقد انعكس ذلك مباشرة على الأسواق المحلية، حيث ارتفعت أسعار السلع الغذائية بنسبة تراوحت بين 7% و15%، ما زاد من الضغوط المعيشية على المواطنين. كما تراجعت حركة الاستيراد والتصدير بشكل كبير، خاصة في المناطق التي تشكل ما بين 30% و40% من الاقتصاد الوطني وتعرضت لشلل شبه كامل.
في القطاع الصناعي، سجّلت المصانع تراجعاً في الإنتاج تراوح بين 40% و50%، نتيجة الأضرار المباشرة وانقطاع الكهرباء ونقص المواد الأولية. وتشير تقارير إلى أنّ نحو نصف المؤسسات الصناعية تعرضت لأضرار مادية، فيما توقّف عدد كبير منها عن العمل كلياً أو جزئياً، ما أدى إلى خسائر مباشرة في الإنتاج وفرص العمل. كما أُجبرت العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، على الإقفال المؤقت أو الدائم، مع تسجيل نسبة إقفال نهائي وصلت إلى نحو 15%.

القطاع السياحي، الذي يُعد من أبرز مصادر الدخل في لبنان، كان من أكثر القطاعات تضرراً، إذ تراجع النشاط فيه بنسبة وصلت إلى 90%، مع انخفاض إشغال الفنادق بنسبة تقارب 95% وتراجع كبير في حركة المطاعم ومكاتب السفر. وقد أدى توقف الرحلات الجوية وتعليق الحجوزات إلى خسائر بمليارات الدولارات، ما حرم البلاد من أحد أهم مصادر العملة الصعبة.
ولا تقلّ تداعيات الحرب خطورة على المستوى الاجتماعي، حيث أدت إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل. فقد أظهرت البيانات أنّ نحو 35% من العاملين شهدوا انخفاضاً في مداخيلهم، في حين تراجع متوسط الأجور بنسبة 15% على المستوى الوطني. كما ارتفعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ، مع فقدان نحو 25% من الوظائف في القطاع الخاص، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.
في المحصّلة، تكشف هذه الأرقام عن واقع اقتصادي شديد القسوة، حيث تتداخل الخسائر المباشرة الناتجة عن الدمار مع الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالركود والانكماش. وبينما تستمر الحرب، تبقى الكلفة مفتوحة على مزيد من التصاعد، ما يضع لبنان أمام تحدٍّ وجودي يتمثل في كيفية احتواء الانهيار وإطلاق مسار تعافٍ في ظل موارد محدودة وأزمات متراكمة


























































