بعد أشهر من التوترات العسكرية والاضطرابات التي هزّت واحداً من أهم الشرايين الاقتصادية على وجه الأرض، بدأت الحركة تعود تدريجياً إلى مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي وجزء كبير من تجارة الغاز الطبيعي المسال. غير أن عودة السفن لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة، لأن الأسئلة الكبرى بدأت تُطرح الآن: من سيدفع كلفة التعطيل؟ وهل خرجت شركات التأمين من هذه الأزمة خاسرة أم رابحة؟
فما حدث خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل تحول إلى اختبار غير مسبوق لصناعة النقل البحري وأسواق الطاقة وقطاع التأمين العالمي. ومع عودة عدد متزايد من ناقلات النفط والغاز إلى عبور المضيق، بدأت الأسواق تتنفس الصعداء، إلا أن العودة لا تزال حذرة وبعيدة عن المستويات الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الأزمة.
لقد أثبتت أزمة هرمز مرة جديدة أن الاقتصاد العالمي لا يزال رهينة عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة. فحين تراجعت حركة الملاحة بصورة حادة، ارتفعت أسعار النفط والشحن، وقفزت تكاليف النقل، ووجدت مئات السفن نفسها عالقة، بينما راحت الشركات تبحث عن مسارات بديلة أكثر أمناً وأكثر كلفة في الوقت نفسه.
لكن إذا كانت شركات الشحن قد تكبدت خسائر كبيرة نتيجة التأخير والاضطرابات، فإن الصورة بالنسبة إلى شركات التأمين تبدو أكثر تعقيداً.
فمن جهة، حققت شركات التأمين البحري وشركات إعادة التأمين ارتفاعات كبيرة في أقساط تأمين مخاطر الحرب، بعدما قفزت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفعت تكلفة تغطية بعض الناقلات عدة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة. وقد أدى تصاعد المخاطر إلى زيادة الطلب على التغطيات الخاصة بالمخاطر السياسية وأخطار الحرب، الأمر الذي عزز الإيرادات التأمينية بصورة ملحوظة.
إلا أن الوجه الآخر للصورة يكشف أن الأرباح الإضافية لم تأتِ من دون مخاطر. فبعض شركات التأمين اضطرت إلى تقليص تغطياتها، فيما أوقفت أندية الحماية والتعويض البحرية تقديم تغطيات لسفن معينة، خشية التعرض لخسائر كارثية في حال تعرض ناقلات النفط أو منشآت الطاقة لهجمات مباشرة. ومع ازدياد المخاطر، أصبح السؤال بالنسبة إلى شركات التأمين ليس كم ستربح، بل ما إذا كانت ستتمكن من تفادي خسائر قد تصل إلى مليارات الدولارات في حال وقوع حادث كبير.
ولعل أكثر ما أثار قلق الأسواق خلال الأزمة لم يكن فقط احتمال توقف تدفق النفط، بل أيضاً الخوف من السيناريو الأسوأ، أي وقوع حادث كارثي يصيب ناقلة عملاقة أو منشأة للطاقة، وهو سيناريو كان من شأنه أن يطلق واحدة من أكبر موجات التعويضات في تاريخ التأمين البحري الحديث.
ففي عالم النقل البحري، لا تقتصر المخاطر على السفينة نفسها أو حمولتها، بل تمتد إلى المسؤوليات البيئية والتلوث البحري والخسائر الناتجة عن توقف سلاسل الإمداد، وهي أخطار قد تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، ما يجعل شركات إعادة التأمين العالمية وأندية الحماية والتعويض البحرية في قلب أي أزمة من هذا النوع.
وقد دفعت التطورات الأخيرة عدداً من شركات التأمين إلى إعادة تقييم مفهوم «المخاطر الجيوسياسية»، بعدما كان ينظر إليها لسنوات على أنها أخطار بعيدة الاحتمال. فالأحداث التي شهدها مضيق هرمز أعادت إلى الواجهة أسئلة كانت تبدو نظرية في السابق: ماذا يحدث إذا تعرضت ناقلة نفط لهجوم مباشر؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أدت الأضرار إلى تلوث واسع النطاق؟ وكيف يمكن توزيع الخسائر بين شركات التأمين وإعادة التأمين؟
وفي خضم هذه التطورات، برز دور سوق لويدز أوف لندن وأندية الحماية والتعويض البحرية التي وجدت نفسها أمام تحدٍ مزدوج: الاستمرار في توفير الحماية التأمينية للحركة التجارية العالمية، وفي الوقت نفسه تجنب التعرض لخسائر استثنائية قد تهدد توازنات السوق.
واللافت أن الأزمة لم تؤثر فقط في أسعار التأمين البحري، بل امتدت تداعياتها إلى قطاعات أخرى، بما في ذلك تأمين الطاقة والتأمين على البضائع والتأمين ضد المخاطر السياسية، حيث شهدت هذه الفروع زيادة ملحوظة في الطلب وارتفاعاً في الأقساط، في انعكاس مباشر لازدياد المخاوف من اتساع رقعة التوترات الإقليمية.
وفي المقابل، لم يكن ارتفاع الأقساط يعني بالضرورة تحقيق أرباح مضمونة. فكل دولار إضافي دخل إلى خزائن شركات التأمين كان يقابله ارتفاع مماثل في مستوى القلق وحجم الالتزامات المحتملة. ولهذا السبب، فضلت بعض الشركات الحد من انكشافها على المنطقة، فيما لجأت شركات أخرى إلى تشديد شروط التغطية ورفع نسب التحمل وإعادة تسعير الأخطار بصورة شبه يومية.
وفي الواقع، فإن الفاتورة النهائية للأزمة لا تقع على عاتق طرف واحد. فشركات الشحن تحملت جزءاً كبيراً من الكلفة، كما تكبدت شركات الطاقة خسائر مرتبطة بالتأخير وارتفاع تكاليف النقل. أما المستوردون والمستهلكون حول العالم، فهم الطرف الذي يدفع الثمن بصورة غير مباشرة من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والسلع والخدمات.
وبالنسبة إلى شركات التأمين، فإن الأزمة تمثل نموذجاً كلاسيكياً للعلاقة المعقدة بين المخاطر والفرص. ففي حين ارتفعت الأقساط وتحسنت الإيرادات، ارتفع معها أيضاً حجم المسؤوليات والمطالبات المحتملة. ولهذا السبب، ينظر كثير من الخبراء إلى ما جرى على أنه تذكير جديد بأهمية إعادة التأمين وإدارة المخاطر الجيوسياسية في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.
وإذا كانت الأزمة قد كشفت هشاشة الاقتصاد العالمي أمام اضطراب ممر بحري واحد، فإنها كشفت أيضاً مدى الترابط بين صناعة التأمين والاستقرار الجيوسياسي. فالتأمين، الذي يبدو في الظروف العادية نشاطاً مالياً هادئاً، يتحول في أوقات الأزمات إلى خط الدفاع الأخير الذي يمنع تحول الصدمات الاقتصادية إلى كوارث مالية شاملة.
واليوم، ومع عودة الملاحة تدريجياً إلى مضيق هرمز، بدأت مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن الأزمة نفسها. فشركات التأمين لا تراقب عدد السفن العابرة فقط، بل تراقب أيضاً المؤشرات السياسية والعسكرية، لأن أي تصعيد جديد قد يعيد الأسواق إلى نقطة الصفر ويعيد معه موجة القلق وارتفاع الأسعار.
وحتى مع عودة الحركة إلى المضيق، فإن العودة إلى الوضع الطبيعي لن تكون فورية. فالكثير من شركات الملاحة لا تزال تتعامل بحذر شديد، وبعض السفن تواصل العبور تحت إجراءات أمنية مشددة، فيما يتوقع متخصصون أن يستغرق استعادة مستويات الحركة السابقة أشهراً طويلة، حتى في حال استمرار التهدئة السياسية.
والواقع أن الأزمة غيّرت قواعد اللعبة بالنسبة إلى سوق التأمين البحري. فبعد هرمز، لن تكون الأسعار كما كانت، ولن تكون حسابات المخاطر كما كانت، ولن تنظر شركات التأمين إلى الممرات البحرية الاستراتيجية بالطريقة نفسها التي كانت تنظر إليها قبل اندلاع الأزمة.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن الأزمة التي رفعت أرباح بعض شركات التأمين على المدى القصير، قد تكون في الوقت نفسه مقدمة لعصر جديد من المخاطر الأكثر تعقيداً والأكثر كلفة. فالأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بما تسببه من خسائر فورية، بل بما تتركه من تغييرات دائمة في قواعد اللعبة.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من ربح ومن خسر، بل من سيدفع الفاتورة النهائية.
والجواب، كما في معظم الأزمات الكبرى، هو أن الجميع سيدفع جزءاً منها.
فالحكومات ستدفع، وشركات الطاقة ستدفع، وشركات النقل ستدفع، وشركات التأمين ستتحمل نصيبها من المخاطر، لكن المستهلك العالمي يبقى الطرف الذي يدفع الثمن الأخير، ولو بصورة غير مباشرة.
لقد عاد هرمز إلى العمل تدريجياً، لكن الأزمة تركت وراءها حقيقة لا يمكن تجاهلها: في عالم يعتمد على بضعة ممرات بحرية حيوية، قد تكون تكلفة الخوف أحياناً أكبر من تكلفة الحرب نفسها.
ومن هنا، فإن عودة هرمز إلى العمل لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة، بل ربما تكون بداية مرحلة جديدة من الحسابات الدقيقة وإعادة رسم خريطة المخاطر العالمية.
فالسفن عادت إلى الإبحار، لكن القلق لم يغادر الأسواق بعد…
أما الفاتورة، فلا تزال مفتوحة.
























































