الولد سر أبيه
د. غالب خلايلي
يطيب لي -وأنا طبيب الأطفال- أن أقارن أطفالي الأعزاء بأهليهم. وكثيراً ما ألاحظ درجة عالية من التشابه، وتكون بين الولد وأبيه مثلاً، أو بينه وبين جدّه، أو خاله، أو عمّه أو أمّه، وكذا بين البنت وأمها أو أبيها أو عمّها أو عمّتها أو جدّها أو جدّتها، أو خالتها.
ومع هذا التشابه الشكلي قد نجد تشابهاً في الصفات النفسية، لنرى أن (الولد سرّ أبيه)، يشبهه في صفات متعددة منذ نعومة أظافره، وقبل أن يلقّن شيئاً، أو أن يمتصّ ما يرى ويسمع، وأن البنت لأمها (حسب المثل المعروف)، لكنها قد تشبه عمّتها أو جدّها في صفات كثيرة، علماً أنها قد لا تعرفهما، أو تعش في كنفهما.
وتكون الصفات الشكلية واضحة منذ الولادة، وتتعمّق كلما كبر الولد أو البنت. أما الصفات المعنوية فتظهر مبكّرة أو متأخرة، وتصبح أوضحَ بكثير في مرحلة الشباب، لا سيما بعد العشرين، فإذا بالولد صورة عن أبيه، وحتى البنت قد تصبح صورة عن أبيها، لنسمع القول المعروف أنها (ابنة أبيها)، فما لم يكن مهماً للأولاد صار فجأة يهمّهم، من اطلاعٍ على التاريخ، وحبّ للوطن، وإعجابٍ بنمط من الفن القديم، والتمسّك بقواعد العربية، ونقد من يخطئون بها، مع أنهم لم يُبدوا ذلك من قبل، وما عرفوا غير أغانٍ أجنبية في مطلع المراهقة، وما عرفوا وطنهم حقّ المعرفة، إذ كانوا (مع أهليهم) بعيدين عنه، وأقدم حالة عربيّة حديثة هي حال أهل فلسطين المبعثرين في الأرض، لاسيما في دول بعيدة مثل كندا أو نيوزيلندة أو السويد، ترى فلذاتِ أكبادهم عاشقين للقدس لأرض كنعان من غير أن يروها.
وهكذا أصل إلى قناعة بأن الأجيال يتوارث بعضُها بعضاً جسدياً ومعنوياً، فيخطر على بالي سؤال: أين هم أحفاد أبقراط وأفلاطون وابن النفيس والزهراوي وزهير… (القائمة تطول)؟ فلا بد أن هناك من يشبههم في الأجيال الجديدة، نبحث عنهم وننتظرهم بعين الأمل أو ننتظر أمثالهم في أمّة أنجبتهم.
***

انْظُرْ إلى المرء نطفةً التقتْ بيضةً في رحم الأم، كيف ينمو رويداً رويداً، ثم تكتسي عظامه لحماً، وتتشكل أعضاؤه وتتميز، حتى يبلغَ تمامَ الحمل، فيولد مخلوقاً سويّاً كامل الخِلقة، ليفتح عينيه على هذه الدنيا، فيتواصل مع كل ما في الكون العظيم.
وانظرْ إلى بذرة التفاح الصغيرة أو بذرة البرتقال الأكبر بقليل، أو إلى بذرة البطيخ، بل كل البذور، ما صغر منها حتى لا ترى بالكاد، وما كبر، كيف يضعها الزارع في التراب، ويسقيها بالماء، فإذا بكل بذرة تنبت بشكل مختلف جداً، لتعطيَنا أشجاراً أو نباتاتٍ ذات أزهار مختلفة الألوان والروائح، ثم تثمر ثماراً مختلفة الألوان والطعم، فتُدهش لما ترى، كيف تنبِت الأرض ذاتها هذه الأشكال المختلفة من الخضر والفواكه والحبوب.
عندما أتأمل حالة كل الخلق من البشر والحيوان والنبات أقول: سبحان الخالق العظيم، إذ لم ينجح أحد في تقليد خلقة الله، من البعوضة إلى أعظم المخلوقات.
***
قد يخطر على بال بعض الناس ممّن يوسوس لهم عقلهم، أو يحبّون زرع الشكّ في كل شيء، أن يقولوا: هذه هي (الطبيعة)، وما لها من موجِد!.
هم أحرار فيما يفكّرون، لا أحد يمنع حرية الاعتقاد، لكن يصعب على كثير منا نحن البشر، بوسائطنا العادية، أن نثبت مادّياً ما يوسوس به العقل، على غرار فحص الجراثيم تحت المجهر، فنثبت أنها سبب ارتفاع الحرارة، أو رؤية الحصان يجر العربة. إن كثيراً من الأمور لا تدرك مادياً، مثل العقل ذاته، ومثل التيار الكهربائي، فمن ذا الذي يستطيع رؤية حركة الإلكترونات داخل الأسلاك؟ ومع ذلك نشعر بالسخّان يسخن، والمصباح يضيء، فندرك أن هناك شيئاً يدعى الكهرباء.
نعرف أيضاً بالدليل القاطع استحالة أن يتحرّك حجرٌ من مكانٍ معين إذا لم يقم أحدٌ بتحريكه، سواء أكان بشراً حرّكه بيديه أو بآلة، أم كان اهتزازاً في المكان، مثل تحريك الطاولة الموضوع عليها ذلك الحجر، أو اهتزاز الأرض بتفجيرٍ أو بزلزال. المهم أن هناك سبباً لتحرّك ذلك الجماد، لا يتحرك بدونه.
وفي هذا الكون العظيم لا بدّ من سببٍ يجعل السماء لا تقع على الأرض، ويجعل الشمس تشرق وتغيب، ويجعل الأمطار أو الثلوج تهطل، ويجعل القمر يضيء ويتحرك، ويجعل الروح يدخل في المضغة التي تشكّلت بعد التلقيح، ويجعل الجنين يتكوّن ويتميز، ويجعل بذرة التفاح تصبح شجرة، وبذرة القمح سنبلة، بما فيها كلّها من مورّثات تحمل صفاتِها. وهذا السبب ذاته هو الذي يؤذن بانتهاء الحياة، إذ يخرج الروح من الجسم، فإذا بالحيوان يفقد حيويته، وإذا بالمرء يفقد حياته، بعد أن كان -قبل قليل- يرى ويسمع ويشمّ ويميز طعم الفاكهة من الخبز.

أمام عظمة الخلْق المدهشة، يتساءل المرء: ما الغاية من هذا الخلق، ومن تكرار البشر بصورهم التي ذكرناها، يرثون بعضهم بعضاً؟ أما من حكمة؟ أم أنّ كل ذلك عبث من الطبيعة؟
العقل السليم يقول: إنّه ما من عبث في هذا الكون، فلكل شيء قانونه وحكمته، وإلا صار إلى التصادم والتهدّم. هذا يُدرك بالعقل، أهم ما يميز الإنسان، سيد المخلوقات، ولولا أن الإنسان مطالبٌ بأن يعمل ويتعلّم من أجل خير إخوته في الخلق، لكان من العبث بالفعل هذا الخلق المتكرّر والتوارث.
ومع ملاحظة أن عمر المرء محدود، وأنّ الروح تقبض في الأجل المحدّد، ويغلب أن يكون ذلك بعدما صار الإنسان في قمة النضج والخبرة، فلا بد أن يتساءل المرء: ما الحكمة؟ أتكون خبرات الروح مطلوبة في حياة أكثر تطوراً مثلاً؟ أم أنها، وهي النور الإلهي الذي يعود إلى مصدره الرئيس، يُعاد في حياة أخرى أو جسدٍ آخر؟
مثل هذا التفكير، لا بدّ أن غيري فكّر فيه من قبل، وكتب فيه أيضاً، إنما أذكره اليوم بطريقتي، مع التأكيد على أن العقلَ هو أهم ما يميز البشر السويّ. ومثلما يعرف معظمنا، فإن كلمة (العقل) آتيةٌ من (الرّبط)، وكلنا نذكر عبارة (اعقلْها وتوكّل)، فهو يوقف جموح الإنسان نحو الشرّ، ليكون في جانب الخير، ولولا العقل الحكيم، لما كان خير.
أنظُرُ إلى حال العالم اليوم، فأرى العقل الحكيم في إجازة طويلة، من أعلى المستويات، فإذا بالشرّ ينفلتُ ويتحكّم في نفوس عدد كبير من البشر، ليؤلموا أرواحاً بريئة هي من روح الله.
ومثل هذا الشرّ المستطير، لا بد أن عقوبته (القريبة أو البعيدة) كبيرة، ما آمنّا أن لكلّ شيء سبباً، وأننا لم نتخذْ بالأسباب، ولم نستخدمِ العقل الموهوب لنا فيما ينفع العباد، ويريح الأرواح المعذّبة.
العين في 7/5/2026

























































