هل يحصل على ثمن الحبر والورق؟
د. غالب خلايلي
يظنّ بعض الناس أن كتابة تقرير طبي أمر سهل، ولا يحتاج إلا إلى الإمساك بالقلم، أو الجلوس إلى الحاسوب، وهذا بالتأكيد ليس الحقيقة، إذ يجد أطباء كثيرون عنتاً في كتابة سطرين أو تلخيص ملفّ. ولمن لا يعرف، أخبره أن أي تقرير، مهما يكن بسيطاً، يأخذ من الوقت نصف ساعة، وقد يصل إلى ساعتين أو أكثر حتى بيد الخبير، فيما يأخذ أسبوعاً أو أكثرَ بيد المشغول أو الأقل خبرة بالكتابة، لتطبعه السكرتيرة بعدئذ على آلة كاتبة (قبل عهد الحاسوب)، ثم يوقَّع ويُختَم بختم العيادة أو المستشفى، وكل ّذلك يأخذ وقتاً، إن لم يتعهدْه أحدٌ بيده فينجزه بسرعة، وهذا احتمال بائس، اللهم إلا إذا كان طالب التقرير نافذاً.
ومع أن التطوّر التقني دخل مستشفيات كثيرة، وسيطر على الملفات، إلا أنه – للأسف – لامس الجلد فحسب، وهنا تحول التقرير إلى طباعة آلية لملفٍّ مكوّن من عدد كبير من الصفحات، لكن المعلومات المفيدة فيه لا تتجاوز الأسطر.
تعود بي الذاكرة إلى عقود خلت، كانت إحدى مهامنا فيها تلخيص الملفّات (الطّبلات)، من أجل جمع المعلومات المتناثرة بين عشرات الصفحات، في ملفّ قد يصل وزنه إلى كيلوغرامين. ولا يحسبنّ أحد أن هذه مهمة سهلة، خاصة أن الأوراق قد تكون غير مرتّبة، بسبب صعوبة ضمّها في ملف واحد، أو بسبب خطوط بعض الزملاء التشكيلية الصعبة. ذلك العمل (المنحوس) كان يأخذ ليلتين أو أكثر من الوقت العزيز، فيما يكون الطبيب غارقاً حتى أذنيه بأعمال أخرى لا يمكن تأجيلها، فتراه كالشبح المسحور يترنح بين أسرّة المرضى، وبين المختبر وقسم الأشعة والإسعاف، فإن فاز بنصف ساعة من النوم، فيا لسعادته.
على أن مقدرة الكتابة تختلف كثيراً بين زميل وآخر، فلبعضهم قلمٌ سيّال يجمع الشتيتين بكل يسر، ولبعضهم قلم جاف عَصِيّ يمشي بالكاد ليشتّت حتى توأمين سياميين!. هذا ما عرفتُه مع الوقت، خاصّة أنني سرتُ في طريق الكتابة مبكراً، فصار موضوع كتابة تقرير طبي أمراً سهلاً، ومع ذلك يستهلك الوقت مهما صغر.
ولنذكر أن التقارير ليست مجانية في المستشفيات، حالها حال أية ورقة تطلبها من جهة رسمية، ولو كانت نصاً جاهزاً لا يكلّف سحبُه سوى الطباعة، والتبرير هو أنّك شغلتَ الموظف بعض الوقت، ولهذا الوقت ثمن، وما هو الراتب أصلاً؟ أليس عملية شراء وقت الموظف بأوراق مالية يأخذها آخر الشهر، ومن ثم لا بد من فرض الرسوم على كل معاملة من أجل تأمين رواتب ومصاريف أخرى.
***

وفي الطب أهمية كبيرة للوقت.
الطبيب ذاتُه هو أول عناصر الوقت، فهو لا يُثمر في قبل مضيّ ربع أو ثلث قرن، وبتكاليف عالية جداً، سواء أدفعها أهلُه، أم تحمّلتْها الدولة. غيرُه يثمر قبل ذلك بكثير. صبي الحلاق قد يصبح حلاقاً في السادسةَ عشرة، وهكذا صِبية التجّار والصاغة وغيرهم. والتجهيزات الطبية هي أغلى التجهيزات، وأي شيء يوسم بِسِمة “طبي” يتضاعف سعره مرّات.
كما أن دقائق المستشفى غاليةٌ جداً وتشمل تكاليف البناء أو الإيجارات العالية وأثمان الأجهزة والأدوية وأجور الأطباء والممرضات والضرائب وغير ذلك.
ويبقى أن أغلى شيء في الكون هو الحياة الإنسانية، ولو أنها ترخص في أماكن كثيرة (أماكن الحروب مثلاً)، لكنها عند الطبيب غالية، ولكل دقيقة ثمنها في علاج أمراض خطيرة. إن أي كائن لا يتحمل الاختناق والغرق، وإسعاف هؤلاء بسرعة يبين قيمة الثواني لا الدقائق.
أذكر ذلك الآن، إذ تمر على الطبيب قصص وأخبار، بعضها عادي تمحوه الذاكرة بسرعة، وبعضها لافت لا يمحوه الزمن. ومن القصص الصغيرة المتكرّرة ضياع وثائق مهمة عند أناس لا يعرفون كيف يحفظون أوراقهم، حتى في الظروف الطبيعية التي لا حرب فيها ولا تشرد. وأكثر ما تضيع بطاقات الميلاد والتحصين الخاصة بالأولاد، إذ يفاجأ الأهل أن تلك البطاقات مطلوبة عندما يكبر الأولاد، ويدخلون الجامعة، أو يسافرون إلى الخارج للدراسة. هنا يلجؤون (رغم الانقطاع بعد طول العِشرة الحسنة) إلى المراكز التي أعطتهم التحصينات، فقد يجدون ضالتهم أو لا يجدونها، مع ضياع المعلومات بسبب نقل المخازن أو دخول فيروس على البيانات، ويكون من حسن حظهم أن يجدوا طبيبهم الذي عرفهم طويلاً، وهم صغار، فإذا بهم أمامه، كما كانوا قبل عقد أو أكثر. لكن مهما كانت مشاعر الطبيب وقتها، فإنه يغلّب إيجابيته الفطرية، فيقوم بخدمة مرضاه الذين رعاهم رعاية العين للحاجب، ومن المحزن هنا أن بعضهم يأخذ مراده حتى دون كلمة شكر، وقد يرسل مندوباً عنه مثل سائق أو عامل تجنباً للمواجهة، إن لم يطلب الخدمة عبر البريد الإلكتروني أو الواتس آب.
كثرةٌ من الناس لا تدرك قيمة الوقت، فتضطهد الطبيب الفارس (وكل فارس في مجال آخر) ووقته وعلمه، وتظنّ أن قيمة الطب من قيمة (خشبة) فحص اللوزتين، وقيمة التقرير أو الوصفة من قيمة الورقة التي تكتب عليها المعلومات، ولا تسلْ عن القيمة عند الجَشِعين، خاصة إن كان المرض لا يحتاج إلى وصفة.

وكثيرون لا يفهمون أن الجهد العقلي مهمّ جداً، فكم هو الفرق شاسع بين أن تقول للمريض: هذا التهاب سحايا أو سرطان، فتدخله في ألف دوامة وحساب، أو تقول له: أنت بخير، ولا تحتاج شيئاً، فيذهب لينام بين أهله مطمئن البال.
الوقت ذهبٌ غير مرئي، إنْ ذهبَ لا يعوّض، وكثير من أهل بلادنا لا يعملون عملاً ذا قيمة، لذا يجهلون شيئاً ليس في حياتهم، وإن كان أغلب الصناعيين والتجار والأطباء والمهندسين والمدرّسين والصحفيين والمحامين… يدركون قيمة الوقت، ويعرفون أن التأخير مكلف جداً، وفيه خراب بيوت أحياناً. ثم ما ذا يفعل أي مسؤول أو وزير أو حتى صاحب تسلا؟ أيطحن الحجارة وينطح الجدران أم يفكّر ويقرر؟
ومع إدراكٍ يكاد يكون فطرياً عند أهل الحِرَف، بدليل أنهم يخبرونك أن تلك المهمة تأخذ وقتاً أطول، ومن ثم أجرتُها أعلى، إلا أن العمل الفكري لا ينال – مع الأسف – تلك الحظوة في بلادنا، ولا يعدّ وقتُه ذا أهمية، فمن يقيم قيمة مثلاً لشاعر مبدع أو كاتب أو رسّام أو موسيقار، علماً أن تأليف مسرحية أو كتاب نقدي قد يستغرق عاماً أو عامين، وإن وُجِد مقابل فغالباً ما يكون زهيداً أو مشروطاً بأهداف معينة.
والحالة هذه أستغرب لمَ يقتني الناس أغلى الأجهزة الإلكترونية، ويلبسون أغلى الساعات!


























































