جيل زد الأقل ذكاء
د. غالب خلايلي
لم يعد خافياً أن التقنية تهيمن -إيجاباً والأخطر سلباً- على كل مفاصل حياتنا، في الطب والهندسة والاقتصاد والتجارة …، في الصحو والنوم، وفي السلم والحرب، حتى أفقدتنا وظائف كثيرة، وحيوات كثيرة، وجعلتنا عبيداً عندما تحكّمت (أو كادت) بأنفاسنا ونبضنا.
وقد أشرتُ ذات يوم في (تأمين ومصارف) إلى هذا الموضوع، وتحدّثت عن أفكار مختلفة منها تعفّن الدماغ، واليوم أركّز على تدهور القدرة المعرفية عند الطلاب، لاسيما أبناء الجيل Z، المولودين بين (1997-2012)، علماً أنني عانيت شخصياً عندما فُرِضت الأجهزة اللوحية في المدارس، فصرختُ وقتها: لا تتركوا الدببة تعيث فساداً في كروم أطفالكم (1).
واليوم يرتفع صوت الأساتذة في الغرب قبل الشرق عالياً بسبب معاناتهم وطلاب لا يعرفون كيف يمسكون بالقلم، فيما اعتمدوا على الذكاء الاصطناعي في كتابة أبحاثهم دون بذل أي جهد، ودون فهم ما كتبه لهم.
هل يعود العالم إلى الورقة والقلم والقراءة؟
أنفقتِ المدارس الأميركية ثلاثين مليار دولار على التقنيات في التعليم عام 2024 وحده، وهو رقم يزيد عشرة أضعاف على حجم الإنفاق المخصص للكتب المدرسية التقليدية، فيما حدث تراجع ملحوظ في مستويات القراءة والرياضيات والإبداع عند جيل الشباب، مما طرح تساؤلاً حول جدوى الاعتماد المطلق على التقنية.
وتعود جذور هذا التوجه إلى عام 2002، عندما أصبحت ولاية مين Maine (إحدى ولايات نيوإنجلاند أقصى شمال شرق الولايات المتحدة) الأولى في توزيع الحواسب والأجهزة اللوحية على طلاب الصف السابع، لتقليص الفجوة الرقمية وربط المدارس بالشابكة (الإنترنت)، مع تخصيص ميزانية سنوية من اثني عشر مليون دولار، حتى وصل عدد الأجهزة في المدارس بحلول 2016 إلى 66 ألف جهاز.
لكن المفاجئ بعد عقد ونصف هو تدهور القدرة المعرفية للطلاب، مع فجوة واضحة بين المدارس الغنية والفقيرة، الأغنياء انخرطوا في مشاريع إبداعية، والفقراء اكتفوا بما نكتفي به “وورد وباوربوينت”.
وفي معرض البحث عن أسباب، تحولت قضية الوقت الذي يقضيه الطلاب أمام الشاشات إلى محور رئيس، حيث أظهر استطلاع أن وقت الشاشة يصل وسطياً إلى أربع ساعات، وأن الطلاب الجامعيين يقضون ثلثي وقت الدراسة في أنشطة غير علمية (تصفح شبكات التواصل..)، وحذرت دراسات من التأثير المتزايد للمقاطع القصيرة على تركيز الطلاب.
وهنا رأى الخبراء أن التجربة الأميركية فتحت النقاش حول التوازن المطلوب بين التقنية والوسائل التقليدية، مما دفع بعض المعلّمين إلى استخدام الوسائل التقليدية، حيث بدأ أستاذ السياسة الأميركية جيمس ويلش (في مدرسة غورهام الثانوية بولاية مين) بإلزام الطلاب بكتابة المسوّدات الأولى بخط اليد، بعدما لاحظ تراجع جودة النصوص المكتوبة رقمياً وازدياد المقاطع المنسوخة وضعف الترابط اللغوي (2).
هل حقاًّ جيل زد هو “الأقلّ ذكاء” في التاريخ؟
في ذات مساء نرويجي بارد من شهر يناير 2018، وفي مركز Ragnar Frisch للأبحاث الاقتصادية في أوسلو، أعلن الباحث أولي روغبيرغ بحماسة فائقة نتائج بحثه على مئات الآلاف من النرويجيين المولودين بين 1962 و 1991 ضمن اختبارات التجنيد الإلزامي، وقال: “نحن جاهزون الآن لضرب رأس المجتمع العلمي بمطرقة جديدة تقول: إن شبّان العالم يتجهون نحو “الغباء”!. وتلاقى ذلك مع عنوان يتردد في وسائل الإعلام يقول: إن جيل “زد” هو الأقل ذكاء في التاريخ، إذ نشأ مع الشابكة والهواتف الذكية ووسائل التواصل منذ الطفولة والمراهقة، فتراجعت قدراته المعرفية في اختبارات الذكاء، وتدهور التحصيل الدراسي، ومعدلات القراءة (هبطت عشر نقاط)، وتعلّم الرياضيات والعلوم (هبطت خمس عشرة نقطة).. والمعنى هو أن قطاعاً من مراهقي اليوم صار أضعف في القراءة التي تتطلب فهماً واستنتاجاً، وأقل تمكناً في الرياضيات ومن ثم أضعف في حل المشكلات.

وقد أكدت شهادة عالم الأعصاب والتربية الأميركي جاريد كوني هورفاث أمام لجنة في مجلس الشيوخ يوم 15 يناير 2026، ضرر الوقت الطويل الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشة، فهو سبب لنقص الانتباه المصاحب للفضاء الإلكتروني، ذلك أن العالم الرقمي مشتِّتٌ -عن عمد- للانتباه لأنه مصمّم أصلاً لهذا الغرض: إشعارات ملوّنة، ونقرات صوتية، وتطبيقات تملأ الهواتف، وكلها تعزز الاقتصاد الرقمي المبني على جوائز وحوافز صغيرة متكررة نتيجة إفراز الدوبامين (هرمون المكافأة) مع كل تمرير سريع، وإشعار، وتفاعل، ومقطع قصير، ناهيك عن تأكيد الأبحاث لضرر استخدام الشاشات في المساء إذ يؤخر النوم ويضعف جودته ويقصر مدته عند الأطفال والمراهقين، علماً أن النوم ركيزة أساسية لترسيخ الذاكرة والانتباه والمزاج.
أما ثالثة الأثافي فهي أن عالم المقاطع والمنشورات والتغريدات القصيرة جداً يضعف القدرة على قراءة المقالات الطويلة (والبحوث والروايات)، وكذا يمنع مشاهدة الأفلام الطويلة (بسبب اعتياد هؤلاء على السرعة في كل شيء)، وهذا يغيب الحس النقدي، لأن معلومة المقطع القصير لا تعطي الوقت الكافي للتفاعل معها، في حين أن قراءة كتاب على مدى شهر تعطي فرصة “لتدوير الأمر” في المخ، ذلك أن التعلم الأكاديمي، وجوانب الفهم والاستدلال، تحتاج “زمن تركيز متصلاً لا نبضات انتباه”.
لقد نشأ جيل زد بالكامل في عالم رقمي، واتصاله بالشابكة ليس اختياراً، بل هو حياة متسارعة مقصودة لأسباب تجارية، وأحسن موسوعة في عرفه هي ويكيبيديا، لا الموسوعة البريطانية…، مما يضيع الفهم العميق للأمور.
كل ذلك لا يعني أن الأجيال الأخرى بمنأى عن المشكلة فالجميع واقع فيها، لكن خصوصية الجيل زد أن الفترة الأهم للتحصيل المعرفي في عمره تزامنت وفورة العالم الرقمي.

ما هو الحل لمعضلة التقنية؟
الحل العملي الحكيم هو العودة إلى أساسيات التعلّم، مثل القراءة الطويلة اليومية، والكتابة التي تتطلب شرحاً وحججاً وأمثلة بدل الاعتماد على أسئلة الخيارات المتعددة MCQs، وهذا يعيد للدماغ انتباهته المتواصلة بدل التدفقات المتقطعة. أما على مستوى المدرسة، فالمطلوب ترشيدٌ ذكي لا حرب على التقنية، عبر تقليل زمن الشاشة داخل الصف لصالح الورق والنقاش والتجارب، مع استخدام رقمي محدّد لا رقمنة كل شيء.
وفي المنزل، لا بد من ضبط بيئة الهاتف للمراهقين، خاصة في الليل، لأن النوم والانتباه هما البنية التحتية للذاكرة والتعلم:
– تحديد ساعات ثابتة للنوم.
– وترك الهاتف خارج غرفة النوم ومنع الإشعارات.
– وإبعاد الهاتف أثناء الطعام وممارسة الرياضة والجلسة اليومية مع الأهل.
كل ذلك يعيد القطار إلى سكته، ويصنع فرقاً تعليمياً هائلاً (3).
فانتبهوا يا أولي الألباب لذلك السوط، أم فات الفوت وما عاد ينفع الصوت؟
العين في 13 أيار 2026


























































