من صور الغش
د. غالب خلايلي
أثار موضوع الغش المنشور في (تأمين ومصارف) يوم 6/6/2026 تفاعلاً من قبل (النخبة) التي أتعامل معها، إذ شعر هؤلاء بصدق المقال حول شيوع الغش، وأبدوا أسفهم لحالة تبدو يائسة ولا مهرب منها بسوى الوقاية وأخذ الحذر.
وهذا التفاعل يدل على أن الأصدقاء يعانون ما أعانيه، ويتألمون كما أتألم، وأننا جميعاً لسنا استثناء في عالم غشّاش يندر فيه الصادق الأمين في مختلف المجالات التي أشرت إليها، والتي يمكنني كتابة قصة أو مقال عن كل كلمة وردت فيها.
صديق عزيز وطبيب لبيب لفت النظر إلى أنّ الجبنة المشلّلة (غير المغشوشة) تذوب ببطء في الماء، فيما تتكتل نقيضتها، وأنا هنا أصحّح أن جبنتي التي أشرت إليها أصبحت غروية الملمس فوق جسم قاسٍ شديد الملوحة، وكان لا بد من التخلص منها إذ صعب علاجها.
وصديق يعمل كهربائي سيارات أخبرني بمرارة عن قصص الغش السائدة في سوق السيارات، سواء أمن قبل العاملين فيه أم الزبائن أنفسهم الذين يأخذون سياراتهم ويهربون إلى غير رجعة دون أن يدفعوا حساب التعب وثمن قطع الغيار.
هذا يدفعنا إلى توسيع مفهوم الغش، الذي قلنا إنه آتٍ من المشرب المكدر، ومن ثم فإن كل ما يكدر ماء شربنا أو صفو عيشنا هو غِش موصوف، وأنا لا أنكر أنني تعرّضت لما تعرض له الكهربائي وغيره، حيث يستغل أهل المريض طيبة قلبك وحبك للمساعدة، فيقتنصون الجواب هاتفياً أو الوصفة حضورياً ويختفون، خاصة مع قلّة استخدام الأوراق النقدية، والاستعاضة عنها بالتحويل، ناهيك عمّن يدعي الفقر والفاقة ويأتي خالي الجيب إلا من (فكّة) بسيطة، فيما تلاحظ عليه القوة البدنية وحسن اللباس والهاتف المحمول الذي ربما يكون أغلى من هاتفك.
تعود بي الذاكرة إلى عقود التسعينيات من القرن الماضي، وأتذكر بالخير الخبير القانوني المحامي الصديق الدكتور محمد رياض الخاني، وهو الأستاذ الجامعي والباحث الضليع بالقانون، ولا سيما القانون الجنائي، ليخبرني -رحمه الله- كيف يأتي المأزوم وهو في حالة كآبة ومُوات، فما إن يحصل على الحلّ (حبة الأسبرين) حتى ينكر أهمّيتها وقيمتها، ويرفض الدفع، ولولا تلك الحبة لما نام الليل، ولربما التف حبل المشنقة حول عنقه.
***

لن أطرح أمثلة على الغش، ولديّ الكثير، ولكنّني أشير إلى أحد معانيه ألا وهو أنه نقيض النصح، بإظهار خلاف ما يبطن الإنسان، وتزيين غير المصلحة، ومن ذلك كل سلوك يتضمن الخداع والتضليل وسوء النية للحصول على منفعة غير مشروعة أو الإضرار بالآخرين. وهذه -مع الأسف- حالة نعيشها كل يوم، في بيوتنا وخارجها.
أتذكر قصة سمعتها عن طفلة ولدت بأنف غير جميل، فيما راح الأهل يمدحون أنفها في الصبح والعشي حتى إذا ما كبرت ودخلت المدرسة (أو المجتمع) صدمت من تعليقات زميلاتها، علماً أن الغيرة قد تدفع الزميلات إلى انتقاص كل صاحبة جمال أو موهبة (وهذا موضوع آخر).
وعلى المستوى الأعلى كم نجد مثل هذا السلوك المشين بين الموظفين في كل مجال.
المدرّسون يغدقون المديح على مدير المدرسة، والعمال والمهندسون يغدقون المديح لمدير المصنع، أو الوزير… والأخير -إن كان ذا عقل غير حكيم يصدّق الترهات- يكبر رأسه ويصدّق أنه أفهم من عليها، ويبدأ باتخاذ القرارات التي تهدم مؤسسته أو مصنعه أو مدرسته.
لقد شهدت انهيار مدارس مهمة عندما تم تغيير مدير كفء فيها، وانهدام مؤسسات كبيرة بوجود مدير أحمق، وتراجع جامعات مهمة إلى الدرك الأسفل مع عميد متراخٍ لا يعرف ماذا يفعل، و(أساتذة) شر منه.
الشاهد أن أي غش، من خلط الحليب بالماء، أو تمديد بنزين السيارات بالماء (الذي ينكب السيارة وصاحبها، والذي خبرناه في أيام سلفت)، إلى غش التدريس…، سوف يؤدي إلى أسوأ العواقب الشخصية والمجتمعية.
ويبقى أخطر غش هو غش العقول الذي يهدم مجتمعا بأسره، إن غاب الناصح الصادق، وغابت الشفافية.
أقولها دائماً لبعض مستمعي: إذا كنت تقصد الشمال أو الغرب، وسرتَ باتجاه الجنوب أو الشرق، فلن تصل إلى غايتك ومقصدك، إذ لا بد من بداية صحيحة قبل التوغل في الطريق الخطأ.
وكما أسلفت في الجزء الأول، مهما طال الزمان بالغشاش لا بد أن يقع في شر أعماله، ويعلق في علاقة المفاتيح التي تحيط برقبته، فلينتبه كل منا إلى أن يدخل مدخل صدق في أقواله وأعماله، كي يخرج مخرج صدق يوم صدور النتائج.
دمتم بخير.
العين في 9/6/2026


























































