أسهل أنواع الحماق
د. غالب خلايلي
لا أدري لماذا سمّوا ذلك الحُماق (أي الجدري المائي) حُماقاً؟ أغلبُ الظن لأن اندفاعاته حمقاء، تبدأ في الجسم بحبّة أو اثنتين، ثم لا يستطيع أحدٌ أن يتنبأ كيف ستنتهي!..
– أستملأ اندفاعاته الحِمّصية الكبيرة كل الجلد غير تاركةٍ مكاناً سليماً؟
– أم ستشوّه البشرة تشويهاً لا يزول أثرُه مع الزمن أو حتى مع آخر صيحات التجميل؟
– أم سوف يلهب الرئة أو المخيخ بلهيبه أو يشعل الجلد بنزوف حادة (الفرفرية الصاعقة)؟
– أم سوف ينتهي هكذا (وهو الأغلب) بكل يُسر؟
حقاً إنه مرض تغلب عليه السلامة عند الأطفال، لكن.. لا أحد يدري، فحتى الإخوة في العائلة الواحدة لا يصابون بالأعراض ذاتها، ومن كان يُتوقَّع له التعافي السريع تراه عليلاً سقيماً، ومن تتوقع له شدة المرض تراه وقد عفّ عنه وكأنه لم يره.. ولهذا كلما رأيتُ مريض حُماق تذكّرت قول الشاعر مسكين الدارمي:
(اتق الأحمق ألاّ تصحبه/ إنما الأحمق كالثوب الخلِق /المهترئ / كلما رقّعت منه جانباً/ حرّكته الريح وهْـناً فانخرق).. لكن هل لأيّ منا أن يتجنب ما يشاء أو يختار براحته؟
وسبب الحماق حُمَةٌ تدعى Varicella، وهي من زمرة حمات الحلأ (الهربس)، واللافت بل الطريف أن لا علاقة للدجاج بالتسمية المعروفة Chickenpox، فهي محرّفة عن الـ Chickpeas أي الحِمِّص، فبعض اندفاعات المرض تأتي كبيرة كالحِمِّص، فيما هناك من يشير إلى أن تعبير (تشيكن) الإنجليزي دالّ على المرض الخفيف، فهو ليس بخطورة جدري البقر Cowpox.
وجدير بالذكر أن حماق الطفولة قد يرى في الشيخوخة عندما تضعف المناعة، ويسمى عندها داء المنطقة Herpes Zoster ( أو الحلأ النطاقي) ذا الطفح الذي يصيب مسار عصبٍ ما مسبباً ألماً شديداً يدوم أشهراً أحياناً.
***
منذ صغري أصبت بطفح الحُماق (بل وأكثر أمراض الطفولة المعروفة كالحصبة وأبو كعب وغيرهما). وقتها لم يكن الداء يترك أحداً من أبناء جيلنا، ومن عفّ عنه لسبب ما، أصابه في الكبر شرّ إصابة. ثم رأيت منه الكثير أثناء دراستي الطب وعقب تخرجي وعملي مع الأطفال. رأيت ما لا يأبه المرء له، ورأيت ما يقف له شعر الرأس هولاً. أُصيبَ به ولدان من أولادي قبل أن يبلغا السّنة، ثم تكررت -على ندرة التكرار- إصابتهما به في سن اليفع (قبل عهد اللقاح) فتعطلا أسبوعاً عن الدراسة، وطُليا بطلاء لا ينفع، وعانيا ما عانيا من الغياب عن المدرسة مع أنهما أخذا المرض منها.. وهكذا يمنعون دوام كل (محموق)، ومع ذلك لا يبقى أحدٌ لا يصاب بالمرض، ولهذا حرصت الأمهات قديماً على حشر المريض بين أولادهنّ علّهم يأخذون المرض منه في وقت مبكر، حيث لم يكن وقتها من علاج ولا من وقاية. أما ولداي الآخران اللذان أخذا التطعيم، في عهدٍ توفر به، فقد أصيبا بالمرض مرتين أيضاً، مرة بشكل خفيف، لعلّه من اللقاح، وأخرى بشكل أشدّ في سن أكبر وإن لم يترك أثراً.

إن من حسنات أواخر القرن الماضي ظهور لقاحات مفيدة لم تكن متاحة من قبل إلا لمن كان ماله كثيراً أو كانت مناعته قليلة مثل أولئك الذين يعالجون من أمراض منهكة كالسرطان (أبعده الله عنكم)، فقد اشتهر أن السرطان يشفى بعد تعب مضنٍ، لكن الحماق قد يهلك صاحبه.
أما من سيئات القرن -عدا ما ذكرت- فهو قلة مناعة الناس على العموم بسبب كثرة تلوث ما يغتسلون به أو يشربونه أو يأكلونه أو يستنشقونه أو حتى يرونه ويسمعونه، والأسوأ هو قلة وعيهم ودرايتهم، حيث تم سحب عقول أغلبهم باتجاه حاجات ضرورية (كالرغيف) و(الأمان)، ولهم العذر، أو تافهة تتعلّق بتحمية الغريزة، وهكذا صار على المرء أن يجاهد حتى يسمع كلمة مفيدة، مع كثرة وسائل الإعلام والتواصل التي لم نحلم يوماً أنها ستصبح بمثل هذا العدد الخرافي.
أقول ذلك لأن ذلك الحماق ولقاحه أتعباني بما فيه الكفاية، دليل غياب التوعية المناسبة.
وأول التعب (رغم فائدة اللقاح التي يشكك بها بعض الناس والأطباء) كائن في سعره، فهو ليس من اللقاحات الرخيصة (إذ يكلف من 50-100 دولار حسب مكان التلقيح)، كما أنه لا يقبل المنافسة حيث يستفرد به صانع أو اثنان لا يتزحزحان (دانقاً) واحداً عما هو مقرر، مع أنهما ربحا الكثير، ولهذا كنت أرى نفراً يطلب اللقاح في الصباح ثم يغيب في المساء، فلم أعهد طيلة سنوات تعاملي معه، أنْ أخَذَ اللقاح من طلبه ذاته أو في وقته الموعود إلا النزر اليسير من المرضى.
وهنا، لن يغيب عن ذاكرتي الإنجاز العجيب قبل نحو ربع قرن، يوم ألححتُ على صديق كي يذهب على وجه السرعة من العين إلى دبي فيؤمن لي (إسعافياً) هذا اللقاح، وقام الصديق مشكوراً بذلك، متحمّلاً عناء الحرّ والزحمة والتعب، باسم الصداقة، وكانت المفاجأة أنّ من طلب اللقاح ملهوفاً لم يأتِ لأخذه حتى اليوم.
كان ذلك هو الدرس الأول لي في عالم التعامل المادي مع هذا اللقاح وغيره، وكنت قد عبتُ على زميلٍ يصرّ على أخذ الثمن مقدماً (على مبدأ الوقاية خير من العلاج)، فعذرته، وإن لم أستطع أن أفعل مثله لا في اللقاحات ولا في غيرها (وأخص الجهد الفكري الذي يغمط حقنا به) طيلة عملي الطبي في العقود الأربعة الماضية.
وهأنذا أفكر اليوم في الأمر، وقد توقّفت عن إعطاء اللقاحات منذ عقد (لقلة جدواها وتعب البال بها)، فأجد أن فكرة إرسال صديق -مثلما فعلت- كانت خرافية بل مجنونة، وأنا، إن فكّرت بمثلها اليوم، ويقيناً لن أفكّر بعد طول الخبرة، فلن أجد ذلك الفارس، مع غروب شمس الفرسان، وهزال معظم أحصنة السباق.
آه، كم تغير الزمان والناس والطب.
العين في 18 حزيران 2026

























































