نجوم المنتخبات العربية المشاركة في كأس العالم 2026 يتطلعون إلى كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة العربية على الساحة العالمية.
للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، تدخل الكرة العربية نسخة 2026 بثمانية منتخبات كاملة، في حدث غير مسبوق يعكس التطوّر الكبير الذي شهدته كرة القدم العربية خلال السنوات الأخيرة. فمن المغرب إلى السعودية، ومن مصر إلى العراق والأردن والجزائر وقطر وتونس، حملت المنتخبات العربية آمال أكثر من 450 مليون عربي إلى الملاعب الأميركية والكندية والمكسيكية، وسط تطلعات بتحقيق إنجاز جديد يوازي أو يتجاوز ملحمة المغرب التاريخية في مونديال قطر 2022.
ومع دخول البطولة مراحلها الحاسمة، بدأت صورة المنتخبات العربية تتضح شيئاً فشيئاً بين من اقترب من العبور إلى الأدوار الإقصائية، ومن وجد نفسه خارج الحسابات مبكراً، ومن لا يزال يقاتل من أجل كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة العربية.
المنتخبات العربية المشاركة في البطولة هي: المغرب ومصر والجزائر وتونس من شمال أفريقيا، إضافة إلى السعودية وقطر والعراق والأردن من آسيا. وقد شكّل هذا الرقم القياسي أكبر حضور عربي في تاريخ المونديال منذ انطلاقه عام 1930.
حتى الآن، يبدو المنتخب المغربي صاحب الحظوظ العربية الأكبر في الذهاب بعيداً. “أسود الأطلس” أكدوا أن إنجاز قطر 2022 لم يكن مجرد صدفة، بعدما تعادلوا مع البرازيل ثم حققوا فوزاً مهماً على اسكتلندا، ليصلوا إلى أربع نقاط ويتنافسوا مباشرة مع البرازيل على صدارة المجموعة الثالثة. الأداء المغربي اتسم بالنضج التكتيكي والصلابة الدفاعية والسرعة الهجومية، بقيادة أسماء بارزة مثل أشرف حكيمي وإبراهيم دياز وياسين بونو، بينما نجح المدرب محمد وهبي في الحفاظ على الهوية التي صنعت مجد المنتخب قبل أربع سنوات.
أما مصر، فقد دخلت البطولة وسط آمال كبيرة يقودها النجم العالمي محمد صلاح إلى جانب عمر مرموش الذي أصبح أحد أبرز المهاجمين العرب في أوروبا. وتُعد مصر ثالث أعلى المنتخبات العربية من حيث القيمة السوقية للاعبين، والتي تُقدَّر بنحو 135 مليون يورو، بفضل الثنائي صلاح ومرموش تحديداً.
ورغم أن المنتخب المصري لم يُصنَّف بين المرشحين الكبار للقب، إلا أن فرصه في تحقيق مسيرة متقدمة تبقى قائمة إذا نجح في تجاوز مرحلة المجموعات بثقة. ويملك “الفراعنة” مزيجاً من الخبرة والشباب، كما أن شخصية محمد صلاح قادرة على صناعة الفارق في المباريات الكبرى. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في العمق المحدود نسبياً مقارنة بمنتخبات أوروبا وأميركا الجنوبية، إضافة إلى اعتماد الفريق أحياناً بصورة كبيرة على نجومه الفرديين.
من وجهة نظر محللين رياضيين، إذا نجحت مصر في إنهاء مجموعتها ضمن المركزين الأول أو الثاني وتجنّبت مواجهة أحد العمالقة في دور الـ32، فإن الوصول إلى ثمن النهائي يبدو هدفاً واقعياً جداً، بينما سيكون بلوغ ربع النهائي إنجازاً تاريخياً جديداً. أما الوصول إلى نصف النهائي فيحتاج إلى ظروف استثنائية وإلى مستويات فردية خارقة من صلاح ومرموش وبقية العناصر الأساسية.
في المقابل، عاش المنتخب السعودي بداية صعبة بعد تعادله مع الأوروغواي ثم خسارته الثقيلة أمام إسبانيا برباعية نظيفة، ما جعل فرصه في التأهل معقدة للغاية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الروح القتالية التي أظهرها “الأخضر”، خاصة أن أغلب لاعبيه ينشطون في الدوري المحلي ويواجهون منتخبات تضم نخبة نجوم أوروبا والعالم.
أما قطر، صاحبة تجربة استضافة مونديال 2022، فقد واجهت صعوبات كبيرة خلال البطولة الحالية، خصوصاً بعد الخسارة القاسية أمام كندا بستة أهداف نظيفة، ما وضعها في موقف حرج للغاية ضمن مجموعتها.
العراق بدوره دخل البطولة بطموحات كبيرة بعد عودته إلى كأس العالم، لكنه اصطدم بقوة المنافسة، إذ خسر أمام النرويج ثم أمام فرنسا، ليصبح قريباً من مغادرة المنافسات. ورغم النتائج، فقد أظهر المنتخب العراقي شخصية قتالية تعكس تطور الكرة العراقية خلال السنوات الأخيرة.
الأردن، الذي يعيش أول مشاركة مونديالية في تاريخه، كتب بعض اللحظات الجميلة قبل أن يصطدم بالواقع القاسي للبطولة. فقد تقدم أمام الجزائر وسجل أول هدف أردني في تاريخ كأس العالم، لكنه خسر في النهاية وودّع المنافسات رسمياً. ومع ذلك، فإن مجرد الوصول إلى المونديال يمثل خطوة تاريخية لكرة القدم الأردنية التي شهدت تطوراً لافتاً خلال العقد الأخير.
الجزائر من جهتها لا تزال تتمسك بأمل التأهل بعدما حققت فوزاً مهماً على الأردن بقيادة المخضرم رياض محرز والمهاجم المتألق أمين غويري. ويُعد المنتخب الجزائري ثاني أغلى منتخب عربي من حيث القيمة السوقية بنحو 256 مليون يورو، ويضم مجموعة من المواهب الأوروبية الصاعدة أبرزها إبراهيم مازا وريان آيت نوري وأمين غويري.
أما تونس، فقد عاشت بطولة مضطربة للغاية، بدأت بخسارة ثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف، وانتهت بإقالة المدرب صبري لموشي خلال المنافسات نفسها في خطوة نادرة في تاريخ كأس العالم. هذه الأحداث تعكس حجم الأزمة التي واجهها “نسور قرطاج” في البطولة الحالية.
وعند الحديث عن أبرز اللاعبين العرب في مونديال 2026، يتصدر المشهد بلا شك محمد صلاح، الذي يخوض ربما آخر فرصة حقيقية له لتحقيق إنجاز عالمي مع منتخب بلاده. ويأتي خلفه المغربي أشرف حكيمي الذي يُعتبر أحد أفضل الأظهرة في العالم، ثم عمر مرموش، وإبراهيم دياز، وياسين بونو، ورياض محرز، وأمين غويري، وسالم الدوسري، إضافة إلى العراقي أيمن حسين والأردني موسى التعمري.
إحصائياً، تشير الأرقام إلى أن المغرب والجزائر ومصر يمتلكون أعلى القيم السوقية بين المنتخبات العربية، وهو مؤشر مهم غالباً ما يرتبط بعمق التشكيلة وجودة اللاعبين. وتبلغ القيمة السوقية للمغرب أكثر من 390 مليون يورو، تليها الجزائر، ثم مصر، فيما تأتي تونس والسعودية والعراق وقطر والأردن في المراكز التالية.
لكن كرة القدم لا تعترف بالأرقام وحدها. فقد أثبت المغرب في 2022 أن الانضباط التكتيكي والروح الجماعية قادران على هزيمة منتخبات تتفوق بمئات الملايين من اليوروهات. ولذلك فإن فرص المنتخبات العربية لا تُقاس فقط بقيمة لاعبيها أو أسماء نجومها، بل بقدرتها على التعامل مع ضغط المباريات الكبرى.
وفي تقدير ألخبراء، يبقى المغرب المرشح العربي الأول للوصول إلى ربع النهائي وربما أبعد من ذلك، بينما تملك مصر فرصة واقعية لبلوغ الأدوار الإقصائية إذا استثمرت خبرة صلاح ومرموش بالشكل المطلوب. أما الجزائر فقد تكون الحصان الأسود إذا نجحت في تجاوز دور المجموعات، فيما تبدو مهمة بقية المنتخبات أكثر تعقيداً في ظل النتائج الحالية.
ومهما تكن النتائج النهائية، فإن مونديال 2026 سيبقى محطة تاريخية للكرة العربية. ثمانية منتخبات عربية في أكبر بطولة رياضية على وجه الأرض ليست مجرد صدفة، بل نتيجة سنوات من الاستثمار والعمل والتطوير. والسؤال الذي سيبقى مطروحاً حتى صافرة النهائي: هل نشهد في أميركا الشمالية إنجازاً عربياً جديداً يتجاوز ملحمة المغرب في قطر، أم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن يطرق العرب أبواب اللقب العالمي؟


























































