• من نحن
  • تواصل معنا
Description of the image
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات
Description of the image
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • شركات تأمينية
  • توعية تأمينية
  • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

عيد التجليّ عند المسيحيين
علامة رجاء لمواجهة المحن و الضيقات..
د. الياس ميشال الشويري:
نور جبل طابور
دعوة لكشف الحقيقة
و مواجهة الفساد و إقامة العدالة...

2026/08/06
- محليات
عيد التجليّ عند المسيحيينعلامة رجاء لمواجهة المحن و الضيقات..د. الياس ميشال الشويري:نور جبل طابوردعوة لكشف الحقيقةو مواجهة الفساد و إقامة العدالة...

تمثال يسوع الملك “يتجلّى” إنسجاماً مع فكرة الموضوع

يأتي عيد تجلّي الرب كرسالة نور ورجاء في حياة المؤمنين، إذ يكشف مجد المسيح ويذكّر الإنسان بأن الله حاضر حتى في أصعب مراحل الألم والتجربة. فالتجلّي لا يتحدث فقط عن حدث روحي وقع في الماضي، بل يحمل معنى متجددًا لكل إنسان يبحث عن الأمل وسط الأزمات. وفي حياة اللبناني اليوم، الذي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية ووطنية كبيرة، يصبح هذا العيد مناسبة للتأمل في معنى الصبر والإيمان والقدرة على النهوض، والتأكيد بأن الظلمة مهما اشتدت لا يمكن أن تطفئ نور الرجاء.

د. الياس ميشال الشويري

يُعدّ عيد تجلّي الرب من أعمق الأعياد المسيحية في دلالاته الروحية واللاهوتية، لأنه يكشف عن مجد المسيح الإلهي ويعلن حقيقة رسالته الخلاصية قبل دخوله طريق الآلام والصليب. ففي حادثة التجلّي على جبل طابور، ظهر المسيح أمام تلاميذه في بهائه الإلهي، محاطًا بموسى وإيليا، ليمنحهم رؤية مسبقة للمجد الذي ينتظر القيامة، وليقوي إيمانهم في مواجهة لحظات الألم والاضطراب. وهكذا لم يكن التجلّي مجرد حدث تاريخي مرتبط بزمن معين، بل أصبح رسالة مستمرة لكل إنسان يمرّ بالتجارب، تؤكد أن النور الإلهي قادر على اختراق ظلمات الخوف والمعاناة، وأن الرجاء يبقى ممكنًا مهما اشتدت الصعوبات.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في حياة الإنسان اللبناني اليوم، لأن لبنان يعيش مرحلة استثنائية من التحديات والأزمات المتراكمة التي طالت مختلف جوانب الحياة. فمن الانهيار الاقتصادي والمالي، إلى ضعف المؤسسات، وتراجع الثقة بالدولة، والهجرة الواسعة للشباب، وصولًا إلى المآسي الوطنية الكبرى مثل انفجار مرفأ بيروت، وجد اللبناني نفسه أمام واقع مليء بالألم والقلق وعدم اليقين. وفي خضم هذه الظروف، يأتي عيد تجلّي الرب ليذكّر بأن الإنسان لا يُقاس فقط بحجم الأزمات التي يواجهها، بل بقدرته على التمسك بالأمل والإيمان والعمل من أجل النهوض.

إن قراءة عيد التجلّي في السياق اللبناني لا تعني تجاهل الواقع الصعب أو الهروب من مسؤولية مواجهة الأزمات، بل تعني اكتشاف معنى أعمق للمعاناة، حيث يصبح الألم فرصة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع على أسس جديدة من الحقيقة والعدالة والمحبة. فكما كشف المسيح لتلاميذه مجده قبل الصليب، لكي لا يفقدوا الرجاء في لحظة الألم، كذلك يحتاج اللبناني اليوم إلى نور روحي يساعده على تجاوز اليأس، وإلى إيمان يؤكد له أن الانهيار ليس النهاية، وأن القيامة تبقى ممكنة لكل شعب يتمسك بالحق والكرامة.

1. عيد التجلّي : من الحدث الإنجيلي إلى واقع الإنسان اللبناني

يشكّل عيد تجلّي الرب أحد أهم الأعياد المسيحية، لأنه يكشف بصورة واضحة حقيقة شخص يسوع المسيح، الإله المتجسّد الذي أظهر لتلاميذه مجده الإلهي على جبل طابور قبل دخوله طريق الآلام والصليب. ولم يكن هذا الحدث مجرد معجزة استثنائية أو إعلان لاهوتي عن طبيعة المسيح، بل كان إعدادًا روحيًا للتلاميذ كي يثبتوا في الإيمان عندما يشاهدون معلمهم مصلوبًا ومتألمًا. ومنذ ذلك الحين، أصبح التجلّي علامة رجاء لكل مؤمن يواجه المحن والضيقات، ورسالة تؤكد أن نور الله يبقى حاضرًا حتى في أحلك لحظات التاريخ.

وفي هذا الإطار، يكتسب عيد التجلّي أهمية استثنائية في حياة اللبنانيين، لأنهم يعيشون منذ سنوات سلسلة من الأزمات المتلاحقة التي أصابت مختلف جوانب حياتهم. فقد عرف لبنان انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وانهيارًا في مؤسسات الدولة، وتراجعًا في الخدمات الأساسية، وارتفاعًا كبيرًا في معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى الانقسامات السياسية والطائفية، والهجرة الواسعة للشباب، وما خلّفه انفجار مرفأ بيروت من جراح إنسانية ووطنية لا تزال تنزف حتى اليوم. وأمام هذا الواقع، يشعر كثيرون بأن المستقبل أصبح غامضًا، وأن الوطن الذي أحبوه يفقد شيئًا فشيئًا مقومات بقائه.

وسط هذه الصورة القاتمة، يأتي عيد تجلّي الرب ليحمل رسالة مختلفة تمامًا، مفادها أن الظلمة ليست نهاية الطريق، وأن الله لا يترك شعبه مهما اشتدت التجارب. فكما أشرق نور المسيح على جبل طابور وسط حديثه عن الآلام المقبلة، يستطيع هذا النور أن يشرق أيضًا في قلب كل لبناني يشعر بأن حياته غارقة في الأزمات. إن التجلّي يدعو الإنسان إلى أن ينظر إلى الواقع بعين الإيمان، لا بعين الخوف فقط، وأن يدرك أن الله يعمل حتى عندما تبدو الأحداث وكأنها تسير نحو الانهيار الكامل.

ومن الناحية الروحية، يذكّر التجلّي اللبناني بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من مال أو سلطة أو نفوذ، بل بما يحمله في داخله من إيمان ورجاء ومحبة. فالخسائر المادية، مهما كانت قاسية، لا تستطيع أن تسلب الإنسان كرامته إذا بقي ثابتًا في الله. لذلك، فإن عيد التجلّي يشكل دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإلى العودة إلى الجذور الروحية التي طالما صنعت قوة لبنان ورسالة أبنائه عبر التاريخ.

تفصيل من لوحة “تجلّي السيد المسيح” لرافائيل، نحو عام 1520

2. التجلّي ورسالة الرجاء في وطن يعيش الانهيار

يعيش لبنان منذ سنوات واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، حتى باتت معاناة اللبنانيين تمتد إلى مختلف جوانب حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإنسانية. فقد أدى الانهيار المالي إلى فقدان العملة الوطنية معظم قيمتها، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة، بينما ارتفعت معدلات الفقر والبطالة، وتدهورت الخدمات الأساسية من كهرباء واستشفاء وتعليم، إضافة إلى استمرار الأزمات السياسية والأمنية التي عمّقت حالة عدم الاستقرار. وفي ظل هذا الواقع، يشعر كثير من اللبنانيين بأنهم يعيشون في نفق طويل لا تبدو له نهاية، وأن المستقبل أصبح مليئًا بالغموض والخوف.

وسط هذه الظلمات، يأتي عيد تجلّي الرب ليعيد إلى الإنسان البوصلة الروحية التي يحتاج إليها، فيؤكد أن الله لا يترك شعبه مهما اشتدت المحن، وأن التاريخ لا تحكمه الأزمات وحدها، بل تحكمه أيضًا عناية الله التي تعمل بصمت لتحقيق الخير. فعندما تجلّى المسيح أمام بطرس ويعقوب ويوحنا، كان يعلم أن طريقه يقوده إلى الصليب، لكنه أراد أن يمنح تلاميذه لمحة من المجد الآتي حتى لا تنهار ثقتهم عندما يشاهدون آلامه. ومن هنا، فإن رسالة التجلّي تؤكد أن النور الإلهي يسبق الظلمة ويرافقها ويتغلب عليها، وأن الألم ليس الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان.

إن هذه الرسالة تحمل أهمية خاصة للبناني الذي يواجه يوميًا ضغوطًا معيشية ونفسية قاسية. فكثيرون فقدوا وظائفهم أو مدخراتهم، وآخرون خسروا بيوتهم أو أحبّاءهم، ولا تزال جراح انفجار مرفأ بيروت شاهدة على حجم الألم الذي أصاب الوطن. ومع ذلك، يدعو عيد التجلّي المؤمن إلى عدم الاستسلام لليأس، لأن الرجاء المسيحي لا يقوم على قوة الإنسان أو على الظروف السياسية والاقتصادية، بل على الثقة بالله الذي يستطيع أن يخرج الخير حتى من قلب المأساة.

كما يعلّم التجلّي اللبناني أن الرجاء ليس انتظارًا سلبيًا لتغيّر الظروف، بل هو موقف إيماني يدفع الإنسان إلى العمل والمثابرة وعدم الاستسلام. فالرجاء الحقيقي يولّد قوة داخلية تساعد الإنسان على مواجهة الصعوبات بثبات، وعلى مواصلة العطاء رغم الخيبات، وعلى الإيمان بأن لكل ليل فجرًا، ولكل صليب قيامة. وهذا ما يحتاج إليه لبنان اليوم، إذ إن النهوض الوطني لا يمكن أن يتحقق إذا استسلم المواطنون لليأس أو فقدوا الثقة بإمكان بناء مستقبل أفضل.

حيث يتجلّى الألم… تتجلّى المحبة

3. التجلّي ومعنى الألم في الحياة اللبنانية

شكّل الألم جزءًا أساسيًا من تاريخ لبنان الحديث، إذ لم يعرف هذا الوطن استقرارًا طويلًا منذ عقود. فقد مرّ بحروب أهلية ونزاعات إقليمية واحتلالات وأزمات سياسية واقتصادية متكررة، وصولًا إلى الانهيار المالي غير المسبوق، وانفجار مرفأ بيروت الذي ترك جرحًا عميقًا في ذاكرة اللبنانيين، إضافة إلى موجات الهجرة التي فرّقت العائلات وحرمت الوطن من طاقات شبابه. وأمام هذا الكمّ من المعاناة، يطرح الإنسان اللبناني أسئلة وجودية عميقة حول معنى الألم، وحضور الله في وسط المآسي، وإمكانية استمرار الرجاء رغم كل ما يعيشه من خسائر وإحباطات.

يأتي عيد تجلّي الرب ليقدّم جوابًا روحيًا لهذه التساؤلات، إذ يكشف أن الألم ليس نهاية الطريق ولا علامة على غياب الله، بل قد يكون مرحلة في مسيرة الخلاص والنضوج الروحي. فالمسيح لم يتجلَّ بعد القيامة، بل قبل الصليب، أي قبل دخوله الآلام بإرادته الحرة. لقد أراد أن يكشف لتلاميذه مجده الإلهي حتى لا يسقطوا في اليأس عندما يشاهدونه متألمًا ومصلوبًا، وليفهموا أن الصليب ليس هزيمة، بل طريق يقود إلى القيامة. ومن هنا، يصبح التجلّي مفتاحًا لفهم معنى الألم في الحياة المسيحية، حيث يتحول الألم، عندما يُعاش بالإيمان، إلى طريق للرجاء والقداسة.

كما يعلّم عيد التجلّي أن الله لا يبقى بعيدًا عن آلام البشر، بل يدخل إليها ويشارك الإنسان أوجاعه. فالمسيح الذي أشرق وجهه كالشمس على جبل طابور هو نفسه الذي حمل الصليب وسقط تحت ثقله وتألم من أجل خلاص العالم. وهذا يعني أن المؤمن ليس وحده في معاناته، بل إن الله يسير معه في الطريق ذاته، ويحوّل دموعه إلى ينبوع رجاء. وهذه الحقيقة تمنح اللبناني عزاءً عميقًا، لأنها تؤكد أن الله لم يتخلَّ عن شعبه رغم كثرة الأزمات، بل ما زال يعمل في الخفاء ليقودهم نحو مستقبل أفضل.

ومن جهة أخرى، يدعو التجلّي الإنسان إلى عدم السماح للألم بأن يحوّله إلى إنسان حاقد أو يائس أو فاقد للإيمان. فالشدائد قد تدفع البعض إلى الانغلاق أو الانتقام أو الاستسلام، لكن نور المسيح يدعو إلى موقف مختلف يقوم على الثبات والثقة والصبر. إن الألم، عندما يُعاش بروح الإنجيل، يصقل شخصية الإنسان، ويزيده نضجًا وتعاطفًا مع الآخرين، ويجعله أكثر قدرة على حمل رسالة المحبة والغفران وسط عالم يزداد انقسامًا.

عيد التجلّي… يومٌ من الصلاة والفرح والأخوّة

4. التجلّي ودعوة اللبناني إلى التحول الداخلي

يحمل عيد تجلّي الرب في جوهره دعوة عميقة إلى التحول الداخلي، لأن كلمة “التجلّي” نفسها تعني الانتقال من حالة إلى أخرى أكثر إشراقًا وكمالًا. ولم يكن تجلّي المسيح مجرد تغيّر في مظهره الخارجي، بل كشفٌ لحقيقته الإلهية التي كانت حاضرة فيه منذ التجسد، وإن كانت محجوبة عن أعين البشر. ومن هنا، فإن هذا العيد لا يدعو المؤمن إلى الاكتفاء بتأمل مجد المسيح، بل إلى أن يسمح لهذا النور بأن يغيّر حياته من الداخل، فيتجدد فكره وقلبه وسلوكه، ويصبح أكثر شبهًا بالمسيح في محبته ورحمته وقداسته.

إن التجلّي يدعو اللبناني إلى مراجعة ذاته قبل أن يحمّل الآخرين وحدهم مسؤولية ما آلت إليه البلاد. فالإصلاح يبدأ عندما يعترف الإنسان بأخطائه، ويقرر أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة. ومن هنا، يصبح عيد التجلّي مناسبة لفحص الضمير الشخصي والجماعي، والسؤال عمّا إذا كانت ممارساتنا اليومية تنسجم مع المبادئ التي نؤمن بها، أم أننا نساهم، ولو بصورة غير مباشرة، في تكريس ثقافة الفساد أو اللامبالاة أو الانقسام.

ومن جهة أخرى، يذكّر عيد التجلّي بأن الإنسان مدعو إلى أن يكون نورًا في محيطه. فالتحول الداخلي لا يبقى تجربة شخصية معزولة، بل ينعكس في العائلة، ومكان العمل، والمؤسسات، والحياة العامة. فالموظف الأمين، والقاضي العادل، والطبيب المخلص، والمعلم النزيه، والسياسي الذي يخدم الصالح العام، جميعهم يساهمون في تجلي قيم الحق والخير داخل المجتمع. وهكذا، يتحول الإصلاح من شعار نظري إلى ممارسة يومية تبدأ من الإنسان نفسه وتمتد إلى مختلف مؤسسات الوطن.

إن عيد تجلّي الرب يؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من القلب قبل أن يظهر في القوانين والمؤسسات. فكل إصلاح خارجي يبقى هشًا إذا لم يسبقه إصلاح داخلي يغيّر عقلية الإنسان وسلوكه. ولذلك، فإن لبنان يحتاج اليوم إلى تجلٍّ جديد في ضمائر أبنائه، حيث يحل نور الحقيقة محل الكذب، وروح الخدمة محل الأنانية، والمحبة محل الكراهية، والعدالة محل الظلم. وعندما يتحقق هذا التحول، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته، ويستعيد الوطن رسالته القائمة على الحرية والكرامة والعيش المشترك، ويغدو عيد التجلّي مناسبة متجددة لإطلاق مسيرة نهضة أخلاقية ووطنية تنبع من الإنسان وتتجسد في حياة الوطن بأسره.

في عيد التجلّي… من نور الإيمان إلى عطاء الإنسان

5. التجلّي ومسؤولية القيادات السياسية

يحمل عيد تجلّي الرب رسالة عميقة تتجاوز البعد الروحي الفردي لتصل إلى مفهوم السلطة والمسؤولية في المجتمع. فالمسيح الذي ظهر في مجده على جبل طابور لم يكشف مجدًا قائمًا على القوة الزمنية أو النفوذ السياسي، بل كشف مجد الخدمة والتواضع والبذل من أجل الإنسان. ومن هنا، يشكّل التجلّي معيارًا أخلاقيًا لكل من يتولى مسؤولية عامة، إذ يذكّر بأن السلطة في مفهومها الحقيقي ليست امتيازًا شخصيًا أو وسيلة للسيطرة، بل أمانة ومسؤولية تهدف إلى خدمة الإنسان وحماية كرامته وتحقيق الخير العام.

إن نور التجلّي يضع أمام القيادات السياسية امتحانًا أخلاقيًا واضحًا، لأن المسؤول الحقيقي هو من يسمح لنور الحقيقة بأن يوجّه قراراته وخياراته. فالسياسة، في مفهومها الأسمى، ليست صراعًا على السلطة، بل عمل نبيل يهدف إلى بناء المجتمع وحماية الحقوق وتحقيق العدالة. والمسؤول الذي يستلهم قيم التجلّي يدرك أن مكانته ليست مصدرًا للتعالي على الناس، بل دعوة إلى الاقتراب منهم، والاستماع إلى معاناتهم، والعمل من أجل تخفيف أعبائهم.

إن لبنان يحتاج اليوم إلى قيادات تتجلى فيها قيم النزاهة والمسؤولية، قيادات ترى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وفي المواطن شريكًا لا تابعًا، وفي الوطن أمانة لا غنيمة. فالتجلّي يدعو كل مسؤول إلى مراجعة ذاته والسؤال عن نوع الأثر الذي يتركه في تاريخ بلده: هل يساهم في بناء وطن أكثر عدالة وكرامة، أم يزيد من أعباء شعب أنهكته الأزمات؟

وفي النهاية، يبقى عيد تجلّي الرب دعوة دائمة إلى تحويل السلطة من أداة نفوذ إلى رسالة خدمة. فكما أشرق نور المسيح على جبل طابور، يحتاج لبنان إلى نور أخلاقي وسياسي يبدد ظلمات الفساد والانقسام وسوء الإدارة. وعندما تتجلى في قياداته قيم الحق والعدل والمحبة، يصبح الوطن قادرًا على استعادة عافيته، وتتحول السياسة من مصدر للأزمات إلى وسيلة للنهوض، ويعود لبنان إلى دوره كأرض تحمل رسالة إنسانية وحضارية قائمة على الحرية والكرامة والسلام.

شموعٌ تُنير طريق الحقيقة والعدالة

6. التجلّي والحقيقة في قضية العدالة

يرتبط عيد تجلّي الرب ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحقيقة، لأن النور الذي ظهر على جبل طابور هو رمز إلهي لكشف ما هو مخفي، وإظهار ما هو حق، وتبديد كل أشكال الظلام الروحي والأخلاقي. فالتجلّي لم يكن مجرد ظهور خارجي لمجد المسيح، بل كان إعلانًا عن حقيقة شخصه ورسالته، وعن انتصار النور الإلهي على كل ما يحاول حجب الحقيقة. ومن هنا، يحمل هذا العيد رسالة عميقة لكل مجتمع يبحث عن العدالة، إذ يؤكد أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن الظلم مهما طال لا يستطيع أن يكون أقوى من إرادة الله والحق.

إن نور التجلّي يذكّر بأن العدالة ليست مجرد مطلب قانوني أو سياسي، بل هي قيمة أخلاقية وروحية ترتبط بكرامة الإنسان. فالله الذي كشف مجده على الجبل هو نفسه إله الحق الذي لا يقبل أن يبقى المظلومون بلا صوت، أو أن تُدفن الحقيقة تحت المصالح والحسابات. لذلك، فإن البحث عن العدالة يصبح جزءًا من رسالة الإيمان، لأن احترام الإنسان لا يكتمل إلا عندما تُصان حقوقه ويُعترف بآلامه ويُحاسب من تسبب في معاناته.

كما يعلّم التجلّي أن النور لا يخاف من المواجهة مع الظلام، ولذلك فإن المؤمن مدعو إلى الدفاع عن الحقيقة مهما كانت صعبة أو مؤلمة. فالصمت أمام الظلم أو قبول الفساد بحجة الواقعية لا ينسجم مع رسالة المسيح الذي أعلن أن الحق يحرر الإنسان. ومن هنا، تصبح مسؤولية كل مواطن لبناني أن يرفض الكذب والتضليل، وأن يطالب بدولة تقوم على الشفافية والمساءلة، لأن بناء الوطن لا يمكن أن يتم فوق أساس من الغموض أو إنكار المعاناة.

ومن جهة أخرى، فإن العدالة التي يدعو إليها التجلّي ليست عدالة انتقامية، بل عدالة تهدف إلى إصلاح الإنسان والمجتمع. فالمسيحية تجمع دائمًا بين الحقيقة والرحمة، وبين المحاسبة والغفران، لأن الغفران الحقيقي لا يعني تجاهل الظلم أو محو المسؤولية، بل يعني التحرر من الحقد بعد الوصول إلى الحقيقة. ولذلك، فإن لبنان يحتاج إلى عدالة تُنصف الضحايا وتحفظ كرامتهم، وفي الوقت نفسه تفتح الطريق أمام مصالحة وطنية قائمة على الاعتراف والشفاء.

صلاةٌ من أجل لبنان الغد

7. التجلّي والرجاء المسيحي في مستقبل لبنان

يمثّل الرجاء أحد أعمق المعاني التي يحملها عيد تجلّي الرب، لأن التجلّي لم يكن وعدًا بحياة خالية من الألم، بل كان إعلانًا بأن الألم لا يملك الكلمة الأخيرة في مسيرة الإنسان. فعندما ظهر المسيح في مجده أمام تلاميذه على جبل طابور، كان يهيئهم لمواجهة الصليب، ويكشف لهم أن وراء المعاناة نورًا، وأن وراء الموت قيامة، وأن وراء لحظات الضعف البشري قدرة إلهية قادرة على صنع بداية جديدة. ومن هنا، يصبح التجلّي رسالة رجاء لكل شعب يمرّ بالمحن، ولا سيما الشعب اللبناني الذي يعيش منذ سنوات ظروفًا صعبة جعلت الكثيرين يشعرون بأن الأفق مسدود وأن المستقبل مجهول.

إن الرجاء المسيحي الذي يعلنه التجلّي يختلف عن التفاؤل السطحي الذي يتجاهل المشكلات أو ينكر حجم المعاناة. فالرجاء لا يعني أن الإنسان لا يرى الألم، بل يعني أنه يرفض أن يسمح للألم بأن يسيطر على حياته بالكامل. فالإنسان المؤمن ينظر إلى الواقع بصدق، لكنه يؤمن في الوقت نفسه بأن هناك إمكانية للتغيير، وأن التاريخ ليس مغلقًا أمام قدرة الله وعمل الإنسان. وهذه النظرة ضرورية جدًا للبناني اليوم، لأن فقدان الرجاء قد يؤدي إلى الاستسلام واللامبالاة، بينما الرجاء يولّد القوة والإرادة والعمل.

ومن هذا المنطلق، يصبح الرجاء مسؤولية وليس مجرد شعور داخلي. فالمؤمن الذي يستلهم نور التجلّي لا ينتظر المعجزات من دون عمل، بل يتحول إلى عنصر فاعل في مجتمعه. فالرجاء يدفع الإنسان إلى خدمة الآخرين، والمشاركة في الإصلاح، والدفاع عن الحق، والمساهمة في بناء مؤسسات أفضل. وهكذا يتحول الإيمان من فكرة روحية إلى قوة تغيير اجتماعي، لأن النور الذي يملأ قلب الإنسان يجب أن ينعكس على حياته وسلوكه وعلاقته بالآخرين.

وفي النهاية، يبقى الرجاء المسيحي الذي يحمله عيد التجلّي مصدر قوة للبنان في مواجهة أزماته. فهو لا يقدم هروبًا من الواقع، بل يمنح القدرة على مواجهته بشجاعة وإيمان. ومن خلال هذا الرجاء، يستطيع اللبنانيون أن يؤمنوا بأن وطنهم ليس مجرد أرض عانت من الجراح، بل وطن قادر على التجدد واستعادة رسالته. فكما تجلّى المسيح بالنور وسط ظلمة الصليب، يمكن للبنان أن يخرج من ظلمات أزماته نحو فجر جديد يقوم على الحرية والعدالة والكرامة والسلام.

8. الخاتمة

عيد تجلّي الرب ليس مجرد مناسبة دينية مرتبطة بحدث إنجيلي وقع على جبل طابور، بل هو رسالة إيمانية وإنسانية ووطنية تحمل معاني عميقة لكل إنسان يعيش زمن المحن والتحديات. فالتجلّي يكشف أن الله لا يغيب عن تاريخ البشر، وأن النور الإلهي يبقى حاضرًا حتى عندما تشتد ظلمات الألم والخوف والانهيار. ومن هنا، فإن هذا العيد يشكل دعوة دائمة إلى النظر إلى الواقع بعين الرجاء، وإلى الإيمان بأن كل صليب يمكن أن يقود إلى قيامة، وأن كل مرحلة من الألم يمكن أن تحمل بذور بداية جديدة.

إن التجلّي يدعو اللبناني إلى تحول داخلي عميق، لأن قيامة الوطن تبدأ بقيامة الإنسان من الداخل. فلا يمكن بناء دولة عادلة من دون مواطنين يؤمنون بالصدق والنزاهة وخدمة الخير العام، ولا يمكن تحقيق المصالحة الوطنية من دون تجاوز ثقافة الحقد والانقسام والانتقام. لذلك، فإن نور التجلّي يضع أمام كل فرد مسؤولية أن يكون عنصر بناء لا عنصر هدم، وأن يحمل في حياته اليومية قيم الرحمة والعدالة والتسامح، لأن التغيير الحقيقي يبدأ من القلب قبل أن يصل إلى المؤسسات.

كما يحمّل هذا العيد المسؤولين والقيادات مسؤولية تاريخية، إذ يذكّرهم بأن السلطة ليست امتيازًا أو وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، بل أمانة لخدمة الإنسان وحماية كرامته. فلبنان لا يحتاج فقط إلى حلول اقتصادية أو سياسية، بل يحتاج إلى تجدد أخلاقي يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والقانون والعدالة. فالنور الذي ظهر على جبل طابور هو دعوة إلى كشف الحقيقة، ومواجهة الفساد، وإقامة العدالة، لأن المجتمعات لا تستطيع النهوض فوق جراح لم تُشفَ أو حقوق لم تُحترم.

أخبار ذات صلة

CMA CGMتُنجز الاستحواذ على مجموعة فتّال:حضورها في الشرق الأوسطاستثمار استراتيجي يعزّزويؤكد ثقتها بلبنان واقتصاده...
محليات

CMA CGM
تُنجز الاستحواذ على مجموعة فتّال:
حضورها في الشرق الأوسط
استثمار استراتيجي يعزّز
ويؤكد ثقتها بلبنان واقتصاده...

06/08/2026

...

محليات

06/08/2026

...

نتائج شركات التأمين الأردنيةفي النصف الأول من 2026..الشركات الكبرى مستمرةفي تعزيز مواقعهارغم التحديات التشغيلية و الإستثمارية...
محليات

نتائج شركات التأمين الأردنية
في النصف الأول من 2026..
الشركات الكبرى مستمرة
في تعزيز مواقعها
رغم التحديات التشغيلية و الإستثمارية...

05/08/2026

...

عُمان تُعفي رعايا 100 دولةمن تأشيرة الدخول لـ14 يوماً...
محليات

عُمان تُعفي رعايا 100 دولة
من تأشيرة الدخول لـ14 يوماً...

03/08/2026

...

تحميل المزيد
المنشور التالي
CMA CGMتُنجز الاستحواذ على مجموعة فتّال:حضورها في الشرق الأوسطاستثمار استراتيجي يعزّزويؤكد ثقتها بلبنان واقتصاده...

CMA CGM تُنجز الاستحواذ على مجموعة فتّال: حضورها في الشرق الأوسط استثمار استراتيجي يعزّز ويؤكد ثقتها بلبنان واقتصاده...

Tamin wa Masaref | by OnSups

  • سياسة خاصة
  • الأحكام والشروط
  • تواصل معنا
يرجى الانتظار...

اشترك في نشرتنا الإخبارية

هل تريد أن يتم إعلامك عند نشر مقالتنا؟ أدخل عنوان بريدك الإلكتروني واسمك أدناه لتكون أول من يعرف.
اشترك في النشرة الإخبارية الآن
لا نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الرئيسية
  • رسالة من المحرر
  • الحدث
  • المفكرة
  • مصارف
  • تأمينية
    • شركات تأمينية
    • توعية تأمينية
    • فتاوى تأمينية
  • ملف
  • مقابلات
  • مقالات
  • طب
  • فـي ميزان العدالة
  • منوعات
  • مؤتمرات

Tamin wa Masaref | by OnSups