عاد ملف العلاقة المالية بين حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة والقطاع المصرفي الخاص إلى الواجهة بقوة، مع تطور قضائي جديد يسلّط الضوء على عمليات مالية ضخمة تمت عبر مصرف لبنان وشركات أوف شور، ويضع بنك عوده ومسؤولين مصرفيين في قلب تحقيق يبحث في كيفية استخدام أموال عامة ضمن ترتيبات مالية معقدة.
القضية ليست جديدة بالكامل، لكنها اليوم تدخل مرحلة أكثر حساسية، بعدما أصبح التحقيق يقترب من تفكيك شبكة العمليات التي جرت خلال سنوات سلامة الطويلة في حاكمية مصرف لبنان، وتحديد المسؤوليات الشخصية لكل من ورد اسمه في الملف.
وفي أحدث تطور، ادعى القضاء اللبناني على رياض سلامة وعلى الرئيس السابق لمجلس إدارة بنك عوده سمير حنّا في ملف يتضمن شبهات اختلاس وإثراء غير مشروع ورشى. ووفق المعطيات التي أوردتها وكالة رويترز، يرتبط التحقيق بعمليتين ماليتين بلغت قيمة الأولى نحو 154 مليون دولار في عام 2010 والثانية نحو 102 مليون دولار في عام 2012، أي ما مجموعه 256 مليون دولار.
وتعود جذور القضية إلى عملية مالية بدأت عام 2010 عندما تأسست شركة أوف شور في جزر كايمان باسم M.O.S.F.، وقامت بشراء نحو 17 مليون سهم من أسهم بنك عوده من شركة Hermes بقيمة تقارب 153 مليون دولار. اللافت في العملية أن تمويل شراء الأسهم جاء من مصرف لبنان نفسه من خلال قرض.
وبحسب تفاصيل التحقيق التي أوردتها LBCI، لم تكن العملية مجرد صفقة تجارية عادية، إذ انتقلت ملكية الدين لاحقًا بين عدد من شركات الأوف شور، بما في ذلك Levant Finance 1 ثم Levant Finance 2، في سلسلة من العمليات التي جعلت تتبع الملكية النهائية للأموال والأسهم أكثر تعقيدًا.
هذه البنية المالية هي التي أعطت القضية أهميتها، لأن التحقيق لا ينظر فقط إلى الأموال التي تحركت، بل يحاول تحديد المستفيد الحقيقي من هذه الشركات والأصول، وما إذا كانت هناك علاقة بين هذه العمليات والمصالح الشخصية لرياض سلامة.
وتشير المعطيات نفسها إلى ظهور شركة Crossland في عام 2016، مع وجود أموال نقدية وأسهم في بنك عوده ضمن أصولها، فيما يشتبه المحققون بأن سلامة كان المستفيد الحقيقي منها. ووفق المعلومات المنشورة، كانت الشركة تمتلك نحو 14 مليون دولار نقدًا وأسهمًا في بنك عوده قدرت قيمتها بنحو 25 مليون دولار.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف، لأن القضية تتحول من مجرد تمويل عملية شراء أسهم إلى تحقيق في احتمال استخدام هياكل شركات خارجية لإخفاء المستفيد الفعلي من الأموال والأصول.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع الحديث عن مدفوعات وصلت إلى شركة Crossland من رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وشقيقه طه ميقاتي، قيل إنها جاءت مقابل خدمات استشارية. إلا أن طبيعة هذه المدفوعات وعلاقتها بباقي العمليات لا تزال جزءًا من التحقيق، ولا يجوز التعامل معها على أنها إدانة بحد ذاتها.
أما رقم 256 مليون دولار، فهو يحتاج إلى قراءة دقيقة. فالـ154 مليون دولار ترتبط بالعملية التي تعود إلى عام 2010، بينما يرتبط مبلغ 102 مليون دولار بعملية أخرى في عام 2012، بحسب ما أوردته رويترز استنادًا إلى معطيات التحقيق. لذلك فإن الرقم لا يعني بالضرورة أن 256 مليون دولار خرجت من لبنان دفعة واحدة، أو أن كامل المبلغ يمثل أموالًا مودعين جرى تحويلها إلى الخارج، بل هو مجموع مبالغ العمليات التي أصبحت محورًا للتحقيق القضائي.
وهذه التفرقة مهمة جدًا، لأن الملف لا يزال في مرحلة التحقيق والادعاء، وليس أمام حكم قضائي نهائي يثبت أن كل الأموال المذكورة اختُلست أو يحدد بصورة نهائية وجهتها والمستفيدين منها.
لكن القضية اكتسبت بعدًا إضافيًا بسبب ما حدث في سويسرا. ففي عام 2024 أعلنت هيئة الرقابة على الأسواق المالية السويسرية FINMA عن وجود مخالفات خطيرة في مجال مكافحة غسل الأموال لدى Banque Audi Suisse، مشيرة إلى أوجه قصور في التعامل مع علاقات مصرفية مرتبطة بأشخاص مصنفين سياسيًا ذوي مخاطر مرتفعة. وفرضت الهيئة إجراءات تصحيحية، إلى جانب مصادرة أرباح غير مشروعة بقيمة 3.9 ملايين فرنك سويسري وزيادة متطلبات رأس المال بقيمة 19 مليون فرنك.
ولا يعني ذلك أن الإجراءات السويسرية تثبت تلقائيًا الاتهامات الواردة في الملف اللبناني، فلكل قضية مسارها وأدلتها، لكن تزامن الملفين يوضح أن التعامل مع الأموال المرتبطة بشخصيات سياسية ومالية عالية النفوذ أصبح موضع تدقيق دولي متزايد.
ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه مصرف لبنان نفسه إلى استعادة أموال عامة يُشتبه في أنها خرجت بصورة غير مشروعة خلال السنوات الماضية. فقد أعلن الحاكم الحالي كريم سعيد في بداية عام 2026 أن المصرف المركزي يعمل على استرداد الأموال العامة التي يُشتبه في اختلاسها، وأن شكوى جنائية قُدمت في هذا الإطار، مع تعاون مع جهات تحقيق أجنبية. وتحدثت المعطيات عن عمليات مرتبطة بأربع شركات أوف شور في جزر كايمان.
وهذا التحول مهم لأنه ينقل القضية من مرحلة الاتهامات السياسية والإعلامية إلى مرحلة محاولة استعادة الأموال والأصول نفسها.
فلبنان لا يحتاج فقط إلى معرفة من يتحمل المسؤولية، بل يحتاج إلى معرفة أين أصبحت الأموال. فالأموال التي خرجت عبر شركات متعددة أو حسابات خارجية يمكن أن تتحول إلى عقارات أو أسهم أو استثمارات أو حسابات جديدة، وكلما طال الزمن أصبح تتبعها واستعادتها أكثر صعوبة.
ومن هنا تأتي أهمية التعاون القضائي الدولي، لأن جزءًا كبيرًا من هذه الملفات لا يمكن حسمه داخل لبنان وحده. الأموال قد تكون تحركت بين أكثر من دولة، والشركات قد تكون مسجلة في ولايات قضائية مختلفة، والحسابات المصرفية قد تكون موزعة بين مراكز مالية دولية.
وفي حال أثبت القضاء وجود اختلاس أو إثراء غير مشروع، فإن الخطوة الأهم بعد الأحكام يجب أن تكون استرداد الأموال وتجميد الأصول المرتبطة بها، لأن العدالة التي تنتهي عند إصدار الحكم ولا تصل إلى استعادة الأموال تبقى ناقصة بالنسبة إلى اللبنانيين الذين دفعوا ثمن الانهيار المالي.
القضية أيضًا تتجاوز رياض سلامة وبنك عوده بالمعنى الضيق، لأنها تفتح الباب أمام مراجعة العلاقة التي نشأت خلال عقود بين مصرف لبنان والمصارف التجارية. فالسلطة النقدية كانت تتمتع خلال سنوات طويلة بدور استثنائي في إدارة السيولة وسعر الصرف والهندسات المالية، فيما كانت المصارف التجارية تعتمد بصورة كبيرة على السياسات والأدوات التي كان يطلقها مصرف لبنان.
وعندما تتداخل هذه السلطة مع عمليات شراء أسهم وقروض وشركات أوف شور وأموال عابرة للحدود، يصبح وجود قواعد صارمة لتضارب المصالح والإفصاح والشفافية أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه.
والأهم أن المسؤولية في النظام المالي لا يمكن أن تكون محصورة بشخص واحد. فإذا أثبتت التحقيقات وجود مخالفات، فإن المطلوب معرفة من وقّع، ومن وافق، ومن نفذ، ومن استفاد، ومن كان يعلم، ومن كان يفترض أن يراقب ولم يفعل.
أما بالنسبة إلى المودعين، فإن القضية تحمل معنى أكبر بكثير من أرقامها. فمنذ الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، يعيش اللبنانيون أزمة ثقة عميقة بالقطاع المصرفي، فيما فقدت الليرة اللبنانية معظم قيمتها وتعرضت الودائع لقيود قاسية. ولذلك فإن كل ملف يكشف احتمال خروج أموال عامة أو أموال مرتبطة بالنظام المالي بطريقة غير مشروعة يعيد فتح الجرح نفسه.
وإذا ثبتت المخالفات، فإن استرداد الأموال لن يعيد وحده القطاع المصرفي إلى الحياة، ولن يحل أزمة الودائع التي تبلغ عشرات مليارات الدولارات، لكنه سيكون خطوة ذات قيمة مالية ورمزية كبيرة. فالرسالة التي يحتاجها لبنان اليوم هي أن الأموال العامة لها صاحب، وأن النفوذ السياسي أو المصرفي لا يمنح حماية دائمة، وأن الأصول التي خرجت بصورة غير مشروعة يمكن ملاحقتها حتى خارج الحدود.
أما إذا بقيت الملفات معلقة سنوات إضافية، فإن الخطر لا يقتصر على ضياع الأموال، بل يمتد إلى ضياع الثقة. فالعدالة المتأخرة جدًا قد تجد نفسها أمام أصول تغيرت ملكيتها، وحسابات أغلقت، وشركات حُلّت، وأموال انتقلت من ولاية قضائية إلى أخرى.
لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحقيق مالي مهني ومستقل، وإلى تتبع كامل لمسار الأموال، وتحديد المستفيدين الحقيقيين من الشركات، ومراجعة القرارات التي سمحت بتمويل العمليات، وتبادل المعلومات مع السلطات القضائية والرقابية في الخارج، إلى جانب نشر نتائج واضحة للرأي العام ضمن الحدود التي يسمح بها القانون.
وفي نهاية المطاف، فإن قصة رياض سلامة وبنك عوده ليست مجرد قصة عن 154 مليون دولار أو 102 مليون دولار أو حتى 256 مليون دولار. إنها قصة عن الطريقة التي يمكن أن تصبح فيها الأدوات المالية المعقدة ستارًا يحجب مسار الأموال، وعن الحدود التي يجب أن تفصل بين السلطة النقدية والمصالح الخاصة، وعن الحاجة إلى نظام مصرفي لا يستطيع فيه النفوذ أن يحل محل الرقابة.
لقد دفع اللبنانيون ثمن الانهيار من مدخراتهم وأعمالهم ومستقبلهم، ولذلك فإن الحقيقة الكاملة في هذا الملف لا يجب أن تكون ملكًا للمتهمين أو للمصارف أو للسياسيين أو حتى للسلطات وحدها.
الحقيقة يجب أن تكون ملكًا للرأي العام، واسترداد المال يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من العدالة.
























































