لم يكن انتخاب بشارة الأسمر رئيساً لمجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مجرد خبر إداري عابر، ولا مجرد ملء لمقعد شاغر في مؤسسة عانت طويلاً من الشلل المؤسساتي، بل جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى العمال والمضمونين والدولة على حد سواء، وفي توقيت يجعل السؤال أكبر من اسم الرئيس الجديد: ماذا يستطيع بشارة الأسمر، الذي أمضى سنوات في موقع الدفاع عن حقوق العمال من رئاسة الاتحاد العمالي العام، أن يفعل الآن بعدما انتقل إلى موقع يستطيع من خلاله التأثير مباشرة في المؤسسة التي يفترض أن تحمي جزءاً أساسياً من هذه الحقوق؟ وهل يمكن أن يتحول انتقاله من الاتحاد إلى الضمان إلى فرصة تاريخية للعمال، أم أن الأمر يخفي أيضاً إعادة ترتيب للمشهد النقابي اللبناني وإخراجاً تدريجياً للأسمر من رأس الاتحاد؟
الثابت حتى الآن أن مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عقد اليوم، الاثنين 17 آب 2026، جلسته الأولى بعد صدور مراسيم تعيين أعضائه ونشرها في الجريدة الرسمية، بحضور أعضاء المجلس العشرة إلى جانب المدير العام للصندوق ورئيس اللجنة الفنية، في خطوة أنهت عملياً مرحلة طويلة جداً من غياب مجلس إدارة مكتمل الصلاحيات. وترأس الجلسة الأولى أكبر الأعضاء سناً أسعد ميرزا، فيما شارك وزير العمل محمد حيدر في بدايتها قبل أن يغادر لإفساح المجال أمام إجراء الانتخابات بصورة مستقلة، فانتُخب بشارة الأسمر رئيساً لمجلس الإدارة، وبسام عليق نائباً للرئيس، ومارون السيقلي أميناً للسر.
وهنا تكمن أولى المفارقات المهمة في القصة. فالأسمر لم يُعيَّن مباشرة رئيساً لمجلس إدارة الضمان بقرار حكومي، بل عُيّن عضواً في المجلس ضمن التشكيلة الجديدة، ثم انتخبه أعضاء المجلس رئيساً لهم. وهذا التفصيل ليس بسيطاً، لأنه يضع فاصلاً بين حقيقة يمكن إثباتها وبين تحليل سياسي قد يكون جذاباً لكنه يحتاج إلى دليل. فالدولة ساهمت في تشكيل مجلس الإدارة الجديد من خلال التعيينات، لكن رئاسة المجلس جاءت نتيجة انتخاب داخلي بعدما غادر وزير العمل الجلسة، بحسب ما نقلت المصادر عن مجريات الاجتماع.
لكن في المقابل، هناك واقعة أخرى لا تقل أهمية، وربما هي التي ستجعل هذا الانتقال موضع نقاش سياسي ونقابي واسعاً في الأيام المقبلة. فقد شدد وزير العمل محمد حيدر، بعد انتخاب الأسمر، على أهمية الالتزام بمبدأ فصل السلطات، وتمنى عليه الاستقالة من رئاسة الاتحاد العمالي العام والدعوة إلى انتخابات جديدة للاتحاد، بما ينسجم، بحسب موقف الوزير، مع مقتضيات المسؤولية والموقع الجديد الذي تولاه الأسمر في الضمان.
ومن هنا ولد السؤال الذي سيصعب تجاهله: هل كان انتخاب الأسمر للضمان مجرد استحقاق مؤسساتي طبيعي، أم أن النتيجة السياسية لهذا الانتقال هي عملياً إخراجه من رئاسة الاتحاد العمالي العام؟
حتى الآن لا توجد، في المعطيات المنشورة، أدلة تثبت أن الدولة أعطت الأسمر رئاسة الضمان بهدف التخلص من وجوده على رأس الاتحاد، ولذلك لا يصح تحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة صحافية. لكن من حق أي مراقب أن يطرح السؤال، خصوصاً أن النتيجة العملية تبدو واضحة: إذا استقال الأسمر من رئاسة الاتحاد كما طلب وزير العمل، فإن الاتحاد العمالي العام سيجد نفسه أمام انتخابات جديدة ومرحلة جديدة من إعادة تكوين قيادته. وبمعنى آخر، فإن الموقع الجديد للأسمر يمكن أن يؤدي عملياً إلى تغيير رأس الهرم النقابي، سواء كان ذلك الهدف المعلن من الخطوة أم مجرد نتيجة طبيعية لفصل المسؤوليات.
وهنا تحديداً تصبح قصة بشارة الأسمر أكبر من قصة رجل انتقل من منصب إلى منصب. فالأسمر أمضى سنوات في قيادة الاتحاد العمالي العام، وهو موقع جعله في مواجهة مباشرة مع ملفات الأجور والعمال والضمان والتقديمات الاجتماعية والسياسات الاقتصادية وعلاقة الدولة بأصحاب العمل. واليوم يجد نفسه على الجانب الآخر من المعادلة، داخل مؤسسة يتعين عليه فيها ألا يكون ممثلاً للعمال فقط، بل رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة تضم في بنيتها مصالح الدولة وأصحاب العمل والعمال والمضمونين.
وهذا التحول قد يكون أحد أكبر مصادر القوة لدى الأسمر، وقد يكون في الوقت نفسه أحد أكبر مصادر التحدي أمامه.
فمن يعرف مشاكل العمال من الداخل يعرف أين تكمن نقاط الضعف في منظومة الضمان، ويعرف أيضاً لماذا فقد كثير من اللبنانيين ثقتهم بالنظام الاجتماعي خلال سنوات الانهيار. العامل الذي دفع اشتراكاته لسنوات لا يريد في النهاية أن يسمع خطاباً عن «استدامة الصندوق» فقط، بل يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه عندما يمرض، وماذا سيحصل عليه عندما يتقاعد، وماذا يبقى له من تعويض نهاية الخدمة، وهل يستطيع الصندوق أن يؤمن له حماية حقيقية عندما يدخل المستشفى أو عندما يصبح غير قادر على العمل.
وهنا تبدأ المهمة الأصعب.
فالضمان الاجتماعي اللبناني لا يدخل مرحلة طبيعية حتى يكتفي رئيسه بإدارة مؤسسة قائمة. إنه يدخل مرحلة إعادة بناء بعد سنوات من أزمة اقتصادية ونقدية غير مسبوقة أضعفت قيمة الأموال والتقديمات وضربت قدرة المؤسسات الاجتماعية على الاستجابة للحاجات الفعلية للمواطنين. ولذلك فإن نجاح الأسمر لن يقاس بعدد الاجتماعات التي سيترأسها ولا بعدد البيانات التي ستصدر عن مجلس الإدارة، بل بما إذا كان المضمون اللبناني سيشعر فعلاً بأن الضمان عاد ليكون ضماناً.
ولعل أكثر الملفات حساسية على الإطلاق هو ملف تعويضات نهاية الخدمة، لأن هذه الأموال ليست مجرد أرقام محاسبية في دفاتر الصندوق، بل هي حصيلة سنوات طويلة من العمل والاقتطاع والانتظار بالنسبة إلى الموظف والعامل. وقد تحولت قضية التعويضات إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً منذ الأزمة المالية، بعدما أدت خسارة قيمة العملة إلى تآكل القيمة الفعلية لمدخرات شريحة واسعة من اللبنانيين.
وليس صدفة أن يكون هذا الملف حاضراً بقوة في مواقف الأسمر نفسه قبل انتقاله إلى رئاسة الضمان. ففي أيار الماضي، أعلن الأسمر أن مجلس الوزراء قرر الطلب من شركتي الخليوي تسديد مستحقات الضمان المرتبطة بتسويات نهاية الخدمة للعاملين فيهما، بعد مسار قانوني شارك فيه الاتحاد العمالي العام والصندوق ونقابة موظفي ومستخدمي الشركات المشغلة للقطاع، في قضية ارتبطت مباشرة بحماية حقوق العاملين وتعويضاتهم.
وهذه الخلفية مهمة جداً لفهم ما ينتظر الأسمر. فهو يدخل إلى رئاسة الضمان وهو يحمل معه تجربة طويلة في الدفاع عن قضية نهاية الخدمة، لكنه لم يعد اليوم في موقع المطالبة فقط. أصبح في موقع القرار، وسيكون عليه أن يثبت أن ما كان يقوله من موقع النقابة يمكن أن يتحول إلى سياسات وإجراءات داخل المؤسسة.
وقد يكون هذا تحديداً أحد أفضل السيناريوهات الممكنة للعمال: أن ينتقل الصوت النقابي من خارج المؤسسة إلى داخلها، وأن تتحول المطالب التي كانت تُرفع في المؤتمرات والاعتصامات والمفاوضات إلى قرارات عملية في مجلس الإدارة. لكن الأمر لن يكون بهذه السهولة، لأن رئيس الضمان لا يستطيع أن يتصرف كما يتصرف رئيس الاتحاد.
رئيس الاتحاد يستطيع أن يرفع سقف المطالب، وأن يضغط، وأن يحتج، وأن يفاوض الدولة وأصحاب العمل من موقع المطالبة بحقوق العمال. أما رئيس مجلس إدارة الضمان فعليه أن يحافظ على توازن مالي ومؤسساتي بالغ الحساسية، وأن يتعامل مع الإيرادات والنفقات والاشتراكات والتقديمات والالتزامات، وأن يوازن بين الحقوق المشروعة للمضمونين وبين قدرة الصندوق على الاستمرار.
وهذا يعني أن نجاح الأسمر سيتطلب منه أن يفصل بوضوح بين شخصيته النقابية ودوره المؤسساتي، من دون أن يفقد في الوقت نفسه البوصلة الاجتماعية التي جعلته أصلاً شخصية بارزة في الحركة العمالية.
فالمطلوب ليس أن يصبح الضمان «اتحاداً عمالياً» داخل الدولة، كما أنه ليس مطلوباً أن يتحول إلى مؤسسة مالية باردة لا ترى سوى الأرقام. المطلوب هو الجمع بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية، وهي معادلة تبدو سهلة في الخطاب لكنها من أصعب المعادلات في الإدارة العامة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يأتي توقيت انتخاب الأسمر في لحظة شديدة الأهمية. فمجلس الإدارة الجديد ليس مجرد مجلس جديد، بل هو أول مجلس إدارة مكتمل الصلاحيات منذ أكثر من عشرين عاماً وفق ما أُعلن اليوم، وهو ما يجعل إعادة تفعيل المؤسسة بحد ذاتها حدثاً مؤسسياً كبيراً. وقد اعتبر الأسمر نفسه أن إنجاز هذا الاستحقاق بعد أكثر من عقدين يشكل خطوة أساسية لإعادة تفعيل عمل المؤسسة وتعزيز دورها، مؤكداً أن المجلس الجديد سيعمل لمصلحة الصندوق والمضمونين والمواطنين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا استغرق تشكيل مجلس إدارة جديد كل هذا الوقت؟
الإجابة ترتبط بطبيعة النظام الإداري والسياسي اللبناني وتعقيد التعيينات والتمثيل داخل المؤسسات العامة، إضافة إلى الخلافات والتجاذبات التي عطلت استكمال بنية المجلس لسنوات طويلة. والنتيجة أن مؤسسة بحجم الضمان، التي تمس حياة أعداد ضخمة من اللبنانيين، ظلت تعمل لفترة طويلة من دون مجلس إدارة مكتمل الصلاحيات، في وقت كانت فيه البلاد تمر بأسوأ أزمة مالية واقتصادية في تاريخها الحديث.
ولهذا فإن التحدي الذي يواجه الأسمر والمجلس الجديد لا يبدأ من الصفر فقط، بل يبدأ من تراكم سنوات من المشاكل.
المطلوب اليوم ليس إدارة ما هو موجود فحسب، بل إعادة النظر في طريقة عمل الضمان نفسه. هل يمكن تطوير الإدارة إلكترونياً؟ هل يمكن تقليص زمن إنجاز معاملات المضمونين؟ هل يمكن بناء قاعدة بيانات دقيقة تمنع التهرب من الاشتراكات؟ هل يمكن ضبط التصريح عن الأجور الحقيقية؟ هل يمكن معالجة الفجوة بين قيمة الاشتراكات التي يدفعها العامل وقيمة التقديمات التي يحصل عليها؟ وهل يمكن وضع آلية شفافة للتعامل مع أموال الصندوق بحيث يعرف المضمونون أين تذهب اشتراكاتهم وكيف تُدار؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً.
فالضمان الاجتماعي لا يعيش فقط على الاشتراكات، بل يعيش على الثقة أيضاً. وعندما يفقد العامل الثقة بأن ما يدفعه اليوم سيعود إليه غداً على شكل حماية اجتماعية، يبدأ النظام كله بالاهتزاز. وعندما يرى صاحب العمل أن الاشتراكات عبء لا يقابله نظام خدمات فعال، تزداد حوافز التهرب. وعندما تعجز الدولة عن دفع ما عليها أو عن تأمين إطار قانوني مستقر، تصبح المؤسسة أسيرة أزمة أكبر منها.
وهنا يمكن أن يكون للأسمر دور مهم جداً، لأنه يعرف من موقعه السابق كيف يفكر العمال وأصحاب العمل، ويعرف في الوقت نفسه كيف تتحرك الدولة. وإذا نجح في وضع هذه الخبرة في خدمة مؤسسة مستقلة وشفافة، فقد يتحول انتخابه إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة.
لكن هناك جانباً آخر لا ينبغي تجاهله.
رئاسة الضمان قد تمنح الأسمر موقعاً أكثر تأثيراً على المستوى الاجتماعي، لكنها في المقابل قد تسحب منه جزءاً من القوة السياسية والنقابية التي كان يمتلكها كرئيس للاتحاد العمالي العام. ففي الاتحاد كان الأسمر يمثل صوتاً عمالياً واضحاً في مواجهة الدولة وأصحاب العمل، أما في الضمان فأصبح جزءاً من آلية صنع القرار نفسها.
ومن هنا يمكن أن يكون انتقاله مكسباً للعمال، ويمكن أيضاً أن يكون خسارة للاتحاد إذا لم يتمكن من الحفاظ على استقلالية الحركة النقابية بعد مغادرته.
والسؤال هنا ليس فقط من سيخلف الأسمر إذا استقال، بل أي اتحاد عمالي سيخرج من الانتخابات المقبلة. هل سيكون اتحاداً أقوى وأكثر استقلالية وقدرة على تمثيل العمال؟ أم ستتحول الانتخابات إلى ساحة جديدة للتجاذب السياسي والحسابات الداخلية؟
هذه النقطة تحديداً تستحق متابعة دقيقة، لأن الاتحاد العمالي العام ليس مجرد نقابة أخرى. إنه أحد أبرز الأطر التي تجمع الحركة النقابية اللبنانية، وبالتالي فإن تغيير قيادته قد يفتح الباب أمام إعادة توزيع النفوذ داخل الحركة العمالية.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن يُختزل انتخاب الأسمر في نظرية إبعاده عن الاتحاد. فهناك حجة مؤسساتية قوية تقول إن الجمع بين رئاسة الاتحاد العمالي العام ورئاسة مجلس إدارة الضمان يخلق تضارباً محتملاً في الأدوار، وهو ما دفع وزير العمل إلى طرح مبدأ الفصل بوضوح.
ومن الناحية المبدئية، يمكن فهم هذا الطرح.
فالضمان مؤسسة تضم أطرافاً متعددة، ورئيس مجلس إدارتها يحتاج إلى مساحة من الاستقلالية في اتخاذ القرار. وإذا بقي رئيسها في الوقت نفسه رئيساً لأكبر إطار نقابي عمالي، فقد يجد نفسه في موقف يفرض عليه أحياناً أن يتعامل مع ملفات تتعارض فيها مصالح الأطراف التي يمثلها.
لكن السؤال السياسي يبقى قائماً: لماذا الآن؟ ولماذا بعد أن أصبح الأسمر رئيساً للضمان مباشرة؟
هذا سؤال مشروع، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى وقائع إضافية قبل أن تتحول إلى اتهام أو استنتاج نهائي.
ما نعرفه حتى الآن هو أن وزير العمل نفسه شارك في بداية جلسة مجلس الإدارة، وأشاد بإنجاز تعيين المجلس، ثم غادر لإجراء الانتخابات، وبعد إعلان النتيجة طرح بوضوح مسألة استقالة الأسمر من رئاسة الاتحاد وإجراء انتخابات جديدة.
أما القول إن هذا كان الهدف الأساسي من إعطاء الأسمر موقع الضمان، فلا يزال في خانة التحليل السياسي وليس الحقيقة المثبتة.
وهذا التمييز مهم جداً لأن الصحافة القوية لا تحتاج إلى اختراع مؤامرة حتى تجعل القصة مثيرة. الوقائع نفسها كافية.
رجل يقود الاتحاد العمالي العام ينتقل إلى رئاسة الضمان بعد أكثر من عشرين عاماً من غياب مجلس إدارة مكتمل الصلاحيات، ووزير العمل يطلب منه فوراً تقريباً أن يترك رئاسة الاتحاد ويفتح الباب أمام انتخابات جديدة. وفي الخلفية، هناك مؤسسة اجتماعية ضخمة تحتاج إلى إعادة بناء، وملف تعويضات نهاية الخدمة الذي يضغط على آلاف العائلات، وقطاع صحي يواجه ارتفاعاً كبيراً في كلفة الاستشفاء، واقتصاد لا يزال يحاول الخروج من آثار الانهيار.
هذه ليست قصة عادية.
إنها لحظة يمكن أن تعيد رسم العلاقة بين الدولة والعمال والضمان والاتحاد العمالي.
وإذا أراد الأسمر فعلاً أن يثبت أن وصوله إلى الضمان هو انتصار للعمال، فعليه أن يبدأ من الملفات التي يعرفها أكثر من غيره. عليه أن يجعل تعويضات نهاية الخدمة في مقدمة الأولويات، وأن يعمل على حماية القيمة الحقيقية لحقوق المضمونين، وأن يدفع نحو تحسين التقديمات الصحية، وأن يطالب بالشفافية الكاملة في أرقام الصندوق، وأن يواجه التهرب من التصريح عن العمال والأجور، وأن يدفع باتجاه تحديث الإدارة وتقصير المعاملات، وأن يحافظ على استقلالية الضمان عن أي تدخل سياسي.
كما سيكون عليه أن يثبت أن خبرته النقابية ليست عبئاً على موقعه الجديد بل قيمة مضافة له.
والأهم أن عليه أن يثبت أن الضمان ليس صندوقاً تابعاً لأي طرف سياسي أو نقابي، بل ملك للمضمونين.
فإذا نجح في ذلك، فإن انتقاله من الاتحاد إلى الضمان قد يصبح من الحالات النادرة التي يتحول فيها انتقال مسؤول نقابي إلى موقع مؤسساتي إلى مكسب فعلي للطبقة العاملة.
أما إذا بقيت الأمور عند حدود تغيير الأسماء، وإذا بقيت تعويضات نهاية الخدمة بلا حل جذري، وإذا بقيت التقديمات الصحية غير متناسبة مع الأسعار، وإذا لم تتوافر الشفافية حول أموال الصندوق، وإذا استمرت التدخلات السياسية، فقد يكتشف اللبنانيون أن المشكلة لم تكن يوماً في اسم رئيس مجلس الإدارة، بل في النظام الذي يعمل داخله.
والخطر الأكبر سيكون أن تضيع هذه الفرصة.
فبعد أكثر من عشرين عاماً من غياب مجلس إدارة مكتمل الصلاحيات، يمتلك الضمان اليوم فرصة لإعادة بناء نفسه على أسس جديدة. وإذا لم تستغل هذه اللحظة، فقد يكون الثمن أكبر من مجرد فشل إداري. فقد يخسر العمال المزيد من الثقة، وقد تتآكل حقوق المضمونين أكثر، وقد يصبح إصلاح الضمان في المستقبل أصعب وأكثر كلفة.
أما إذا استُغلت اللحظة بطريقة صحيحة، فقد يتحول مجلس الإدارة الجديد إلى نقطة انطلاق نحو نظام ضمان اجتماعي أكثر عدالة واستدامة، لا سيما أن هناك حاجة متزايدة إلى حماية اجتماعية حقيقية في بلد لا يزال يعاني آثار الأزمة الاقتصادية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو لماذا أصبح بشارة الأسمر رئيساً للضمان، ولا حتى هل أرادت الدولة إبعاده عن الاتحاد العمالي العام.
السؤال الحقيقي هو ماذا سيفعل الآن.
لأن الأسمر انتقل من موقع كان يستطيع فيه أن يقول للدولة «احموا حقوق العمال» إلى موقع يستطيع فيه أن يكون جزءاً من القرار الذي يحمي هذه الحقوق.
وهنا يصبح الاختبار شخصياً ومؤسساتياً في آن واحد.
إذا استطاع أن يجعل من رئاسة الضمان معركة لاستعادة أموال العمال وحقوقهم، وأن يحمي تعويضات نهاية الخدمة، وأن يعيد الاعتبار للتقديمات الصحية، وأن يفرض الشفافية، وأن يبعد المؤسسة عن المحاصصة، فقد يقول العمال إن انتقال رئيس اتحادهم إلى رئاسة الضمان كان خطوة في الاتجاه الصحيح.
أما إذا حدث العكس، فسيبقى السؤال السياسي مفتوحاً: هل انتقل بشارة الأسمر إلى المكان الذي يستطيع فيه خدمة العمال أكثر، أم انتقل ببساطة من موقع كان يملك فيه صوتاً عالياً إلى موقع جديد قد يضعف حضوره في قيادة الحركة العمالية؟
في كل الأحوال، الأيام المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة.
فالضمان لا يحتاج اليوم إلى رئيس يرفع شعار حماية العامل فقط، بل إلى رئيس يستطيع أن يحوّل هذا الشعار إلى أرقام وقرارات وحقوق مدفوعة في مواعيدها، وتقديمات يشعر بها المضمون، وتعويض نهاية خدمة يحفظ كرامة من أفنى عمره في العمل.
وهنا تحديداً سيكون معيار الحكم على بشارة الأسمر.
ليس بما قاله عندما كان رئيساً للاتحاد، بل بما سيفعله بعدما أصبح رئيساً للضمان.
وبين الموقعين، قد تكون أمامه فرصة نادرة: أن يثبت أن النقابي عندما يدخل إلى مؤسسة القرار لا يفقد صوته العمالي، بل يحوّله إلى نتائج ملموسة.






















































