تبدو مقولة الدكتور علي شريعتي: “إننا نعيش الآن بين مطرقة الاستبداد السياسي وسندان الاستحمار الديني” كأنها تصف مأزقاً إنسانياً يتجاوز زمانها ومكانها، لأنها تضع إصبعها على أخطر أشكال السيطرة: السيطرة على الإنسان حين يُنتزع منه حقه في التفكير، ويُطلب منه أن يطيع باسم الخوف حيناً، وباسم المقدس حيناً آخر. والاستبداد السياسي لا يحتاج دائماً إلى السجون كي يفرض نفسه، كما أن الاستحمار الديني لا يحتاج دائماً إلى الجهل الصريح؛ فقد يكفي أن يُخيف الإنسان من السلطة، أو أن يُرعبه من السؤال، أو أن يقنعه بأن الولاء للجماعة أهم من الحقيقة، وأن الدفاع عن الزعيم هو دفاع عن الكرامة، وأن نقد رجل الدين هو نقد للدين، وأن الاختلاف مع الطائفة هو خيانة لها. وعندما تتشابك هذه الأدوات، يصبح الإنسان محاصراً بين قوة تريد منه الصمت، وقوة تريد منه التسليم، وبينهما تضيع المساحة التي يولد فيها المواطن الحر، القادر على التفكير والنقد والمساءلة والاختيار. ومن هنا تكتسب مقولة شريعتي أهمية خاصة في قراءة الواقع اللبناني، حيث لا تزال العلاقة بين الدولة والطائفة والحزب والزعامة والدين والمواطن علاقة شديدة التعقيد، وحيث لم تنجح الدولة بعد في أن تصبح المرجعية الأولى والنهائية في حياة الناس، الأمر الذي يجعل تحرير الإنسان من الخوف والتبعية شرطاً سابقاً على أي إصلاح سياسي حقيقي.
د. الياس ميشال الشويري
لم يكن شريعتي ينظر إلى الإنسان باعتباره مجرد فرد يعيش داخل نظام سياسي، بل باعتباره كائناً ينبغي أن يمتلك وعياً نقدياً يجعله قادراً على فهم القوى التي تؤثر في حياته وتحديد موقعه منها. ومن هنا فإن الاستبداد السياسي والاستحمار الديني، رغم اختلاف أدواتهما، يلتقيان في نقطة جوهرية هي مصادرة وعي الإنسان وتحويله من فاعل إلى مفعول به. فالاستبداد السياسي يريد مواطناً مطيعاً لا يسأل كثيراً عن مصادر القرار، ولا يراجع أداء السلطة، ولا يطالب بحقوقه إلا بالحدود التي تسمح بها منظومة الحكم، بينما الاستحمار، في المفهوم الذي طرحه شريعتي، لا يعني مجرد الجهل أو نقص المعرفة، بل يعني تزييف الوعي وإغراق الإنسان في قضايا جانبية وإلهائه عن القضايا التي تمس وجوده وكرامته وحريته. ولذلك قد يكون الإنسان متعلماً ومثقفاً وحاصلاً على أعلى الشهادات، ومع ذلك يكون مستحمراً إذا فقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الدين وتوظيف الدين، وبين الوطنية والولاء للأشخاص، وبين الإيمان الحر والتبعية العمياء. والخطر الأكبر يظهر عندما تتحالف السلطة السياسية مع الخطاب الديني المغلق، فيصبح المقدس غطاءً للسياسة، وتصبح السياسة حامية للمقدس، ويُطلب من المواطن أن يقبل الاثنين معاً دون مساءلة. عندها لا يعود القمع بحاجة إلى أن يظهر دائماً في صورته الخشنة، لأن الإنسان يبدأ بممارسة الرقابة على نفسه، ويخاف من السؤال قبل أن يُمنع من طرحه، ويخشى الاختلاف قبل أن يتعرض للعقاب، ويتحول الخوف إلى ثقافة اجتماعية، والتبعية إلى فضيلة، والصمت إلى حكمة، والاعتراض إلى تهمة.
وعندما نضع هذا الإطار الفكري أمام التجربة اللبنانية، نجد أن المسألة تصبح أكثر تعقيداً لأن لبنان قام تاريخياً على تعددية دينية ومذهبية وثقافية كان يفترض أن تكون مصدر غنى، لكنها تحولت في مراحل كثيرة إلى مادة للصراع السياسي وإعادة إنتاج النفوذ. فالطائفية حين تبقى مجرد انتماء ثقافي أو ديني يمكن أن تكون جزءاً من التنوع الطبيعي للمجتمع، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول إلى نظام ولاء سياسي يجعل المواطن يرى الدولة من خلال طائفته، والحقوق من خلال زعيمه، والأمن من خلال جماعته، والمستقبل من خلال ميزان القوى بين الطوائف. عندها يصبح الإنسان اللبناني موزعاً بين هويات متعددة، وقد يجد نفسه مطالباً في كل مرة بأن يختار بين الحقيقة والانتماء، أو بين النقد والولاء، أو بين المواطنة والطائفة. والمشكلة ليست في الدين نفسه، ولا في المؤمنين، ولا في التعددية اللبنانية، بل في تحويل الدين إلى أداة سياسية، والطائفة إلى مؤسسة ولاء، والخوف إلى وسيلة انتخابية، والمقدس إلى حصانة تمنع المساءلة. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه مقولة شريعتي على لبنان ليس: كيف نتخلص من الدين؟ ولا: كيف نتخلص من السياسة؟ بل كيف نمنع السياسة من استعباد الإنسان، ونمنع توظيف الدين من تعطيل عقله، ونبني دولة يكون فيها القانون أقوى من الزعيم، والمواطنة أقوى من العصبية، والضمير أقوى من الخوف؟

- الاستبداد السياسي حين تتحول السلطة من خدمة الدولة إلى امتلاك المجتمع
الاستبداد السياسي لا يبدأ بالضرورة بانقلاب عسكري أو بإلغاء الانتخابات أو بإغلاق البرلمان، بل قد يبدأ بصورة أكثر هدوءاً عندما تتسرب فكرة خطيرة إلى وعي المجتمع، وهي أن السلطة حق لمن يملك القوة، وأن المواطن موجود لكي يخدم النظام السياسي لا لكي يحاسب عليه. وحين تستقر هذه الفكرة، يصبح السياسي في نظر الناس شخصية فوق النقد، وتصبح الدولة ملكاً للذين يمسكون بمفاصلها، ويتحول القانون من قاعدة عامة إلى أداة يمكن استخدامها ضد الضعيف والتغاضي عنها عندما يتعلق الأمر بالقوي. والاستبداد في هذه الحالة لا يكون مجرد ممارسة من جانب الحاكم، بل يصبح ثقافة كاملة تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع؛ فالناس الذين اعتادوا الخضوع قد يخافون من الحرية لأنها تحملهم مسؤولية الاختيار، والذين اعتادوا التبعية قد يجدون في الزعيم أباً سياسياً يحميهم من قسوة الواقع، والذين فقدوا ثقتهم بالمؤسسات قد يفضلون الواسطة على القانون لأنها أسرع وأكثر ضماناً في حياتهم اليومية. وهكذا تتحول الدولة تدريجياً من فضاء للمواطنة إلى شبكة من العلاقات الشخصية، ويصبح الإنسان مضطراً إلى البحث عن “من يعرف” بدلاً من أن يسأل عن “ما هو حقه“. وفي هذه اللحظة يكون الاستبداد قد انتصر حتى من دون أن يرفع صوته، لأنه نجح في تغيير تصور الإنسان لمعنى الدولة نفسها.
وفي لبنان، يأخذ هذا الاستبداد أشكالاً أكثر تعقيداً لأن السلطة ليست محصورة دائماً في مركز واحد، وإنما تتوزع بين زعامات وأحزاب وقوى طائفية واقتصادية واجتماعية متعددة. وقد يبدو للوهلة الأولى أن تعدد مراكز القوة يعني غياب الاستبداد، لكن الحقيقة أن المواطن قد ينتقل من سلطة واحدة إلى مجموعة سلطات صغيرة، لكل منها مجال نفوذها وشبكة علاقاتها وأدواتها في التأثير. وفي هذه الحالة يصبح المواطن حراً نظرياً لكنه مقيد عملياً؛ يستطيع أن ينتقد، لكنه يعرف كلفة النقد؛ يستطيع أن يرفض، لكنه يخشى فقدان الحماية؛ يستطيع أن يطالب بحقه، لكنه يعلم أن الوصول إليه قد يحتاج إلى واسطة. وهكذا تنشأ علاقة غير متكافئة بين المواطن والسلطة، بحيث لا يعود الحق حقاً خالصاً، بل يصبح أحياناً خدمة يمنحها صاحب النفوذ لمن يطلبها. وهذه واحدة من أخطر صور إضعاف الدولة، لأن الدولة القوية لا تجعل المواطن مديناً للسياسي، بل تجعل السياسي مديناً للمواطن وللقانون. وحين يصبح السياسي هو الوسيط بين الإنسان وحقه، يفقد الحق معناه، ويصبح المواطن تابعاً لمن يستطيع تأمينه.
ولا يمكن فهم استمرار هذه العلاقة من دون التوقف عند عنصر الخوف، لأن الاستبداد يعيش طويلاً عندما يتحول الخوف من حالة فردية إلى سلوك اجتماعي. قد يكون الخوف من المستقبل، أو من فقدان الوظيفة، أو من انهيار الوضع الاقتصادي، أو من الحرب، أو من الطائفة الأخرى، أو من خسارة الخدمات، أو من أن يصبح الإنسان خارج شبكة الحماية التي اعتادها. وكلما زاد الخوف، أصبح الإنسان أكثر استعداداً للتنازل عن جزء من حريته مقابل الشعور بالأمان. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: السلطة التي يفترض أن تمنح المواطن الأمان قد تصبح هي نفسها مصدر الخوف، ثم تقدم نفسها في الوقت ذاته باعتبارها الحامي من الخطر الذي ساهمت في إنتاجه أو استثماره. وفي المجتمعات المنقسمة، يصبح هذا الأمر أكثر سهولة، لأن السياسي يستطيع أن يقول لجماعته إن الخطر موجود دائماً، وإن التخلي عنه يعني تعريض الجماعة للخطر، فيتحول الخوف إلى وقود دائم للولاء.
لكن مقاومة الاستبداد السياسي لا تعني استبدال زعيم بزعيم أو حزب بحزب، لأن المشكلة أعمق من الأشخاص. المطلوب هو تغيير العلاقة بين المواطن والدولة، بحيث يصبح القانون هو المرجعية وليس شبكة العلاقات الشخصية، وتصبح المؤسسات هي الحامية للحقوق لا الأشخاص، ويصبح المسؤول خاضعاً للمساءلة لا محصناً منها. فالحرية السياسية لا تعني فقط أن يستطيع الإنسان انتقاد السلطة، وإنما تعني أن يكون قادراً على العيش دون أن يحتاج إلى رضا السلطة لكي يحصل على حقه. والدولة الديمقراطية ليست الدولة التي تسمح للناس بالكلام فقط، بل الدولة التي تجعل كلامهم قادراً على التأثير في القرار، وتجعل السلطة قابلة للمحاسبة، وتجعل المواطن مطمئناً إلى أن مستقبله لا يتوقف على مزاج زعيم أو قوة حزب أو انتماء طائفي. وهذا هو المعنى الحقيقي لتحرير الإنسان من المطرقة السياسية: أن يصبح مواطناً لا تابعاً، وشريكاً لا رعية، وصاحب حق لا طالب منّة.

2. الاستحمار الديني وتزييف الوعي باسم المقدس
إذا كان الاستبداد السياسي يحاول السيطرة على الإنسان من الخارج، فإن الاستحمار الديني، في قراءة شريعتي، يمثل محاولة للسيطرة على وعيه من الداخل، بحيث يصبح الإنسان نفسه حارساً للأفكار التي تقيده. وهنا تكمن خطورة توظيف الدين في السيطرة، لأن المقدس عندما يدخل في الصراع السياسي يستطيع أن يمنح موقفاً بشرياً محدوداً سلطة مطلقة، وأن يحول رأياً سياسياً قابلاً للنقاش إلى قضية تبدو وكأنها فوق النقاش. فإذا قيل للمواطن إن موقف الزعيم هو موقف الدين، فإن معارضته تصبح في وعيه معارضة للدين، وإذا قيل له إن الدفاع عن الجماعة هو دفاع عن المقدسات، فإن أي نقد للجماعة يصبح اعتداءً على المقدس. وهكذا تُغلق أبواب الحوار، لأن الحوار يحتاج إلى إمكانية الخطأ والصواب، بينما توظيف المقدس في السياسة يجعل طرفاً معيناً يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. وهنا لا يعود الدين قوة لتحرير الإنسان من الظلم، بل يتحول إلى أداة لإقناع الإنسان بأن الظلم الذي يعيشه جزء من نظام مقدس لا يجوز الاعتراض عليه.
لكن من الضروري التمييز بوضوح بين الدين وبين استغلال الدين، لأن الخلط بينهما يوقع في خطأ فكري كبير. فالأديان، في جوهر رسالاتها الأخلاقية، تتحدث عن العدل والرحمة والكرامة والمسؤولية ومقاومة الظلم، بينما توظيف الدين سياسياً قد يحول هذه القيم إلى أدوات للهيمنة. ولذلك فإن نقد الاستحمار الديني لا ينبغي أن يتحول إلى هجوم على الإيمان، بل إلى دفاع عن حق الإيمان في أن يبقى مساحة للضمير والأخلاق والروح، لا مجرد شعار انتخابي أو وسيلة لحماية أصحاب النفوذ. وعندما يرفض الإنسان أن يُستخدم الدين لإسكات عقله، فهو لا يرفض الدين بالضرورة، بل قد يكون في الحقيقة أكثر تمسكاً بجوهره الأخلاقي، لأنه يرفض أن يجعل المقدس غطاءً لأفعال بشرية قابلة للخطأ والمساءلة. وهذه نقطة شديدة الأهمية في لبنان، حيث لا يمكن بناء حياة وطنية مستقرة إذا بقي كل خلاف سياسي قابلاً للتحول إلى خلاف ديني أو طائفي، وكل نقد لزعيم قابلاً لأن يُفسر كإهانة لجماعة بأكملها.
وفي لبنان، يمكن أن تصبح الطائفية السياسية شكلاً من أشكال الاستحمار عندما يُعاد إنتاج الخوف من الآخر بصورة مستمرة، وعندما يُقال للناس إن حقوقهم مهددة دائماً، وإن وجودهم السياسي لا يمكن أن يستمر إلا من خلال قوة زعيمهم، وإن ضعف الجماعة يعني بالضرورة ضعف كل فرد فيها. عندها يصبح المواطن أسيراً لمعركة وجودية دائمة، حتى في الظروف التي يمكن فيها بناء شراكة وطنية حقيقية. ويصبح السياسي قادراً على الإفلات من المساءلة عبر نقل النقاش من الأداء إلى الهوية، ومن الاقتصاد إلى الطائفة، ومن الفساد إلى الخوف، ومن الخدمات إلى حماية الجماعة. وعوض أن يسأل المواطن: لماذا لم تصلح هذه المؤسسة؟ لماذا لم تُحمَ أموالي؟ لماذا لا تتوافر الخدمات؟ لماذا يهاجر الشباب؟ لماذا لا يطبق القانون؟ يجد نفسه يناقش سؤالاً آخر أكثر سهولة في الاستغلال: من معنا ومن ضدنا؟
وهنا تصبح مسؤولية رجال الدين والمثقفين والمؤسسات الدينية كبيرة جداً، لأن الدين الذي لا يقف مع كرامة الإنسان يتحول بسهولة إلى مجرد هوية، والهوية وحدها لا تكفي لبناء مجتمع عادل. إن رجل الدين الذي يرفع صوته ضد الظلم، أيّاً كان مصدره، ويساند الفقير أياً كانت طائفته، ويرفض الفساد حتى عندما يصيب حليفه السياسي، ويسمح للإنسان بأن يسأل ويختلف، يساهم في تحرير الدين من الاستغلال السياسي. أما عندما يتحول الخطاب الديني إلى دفاع دائم عن الزعيم، أو إلى تخويف من الآخر، أو إلى تبرير للفشل، فإنه يساهم، عن قصد أو من دون قصد، في بناء الإنسان الذي حذر منه شريعتي: الإنسان الذي يملك الإيمان لكنه فقد النباهة، ويحفظ الشعارات لكنه لا يرى الواقع، ويعرف كيف يدافع عن جماعته لكنه لا يعرف كيف يدافع عن الحق.
3. إلهاء الإنسان عن قضاياه الكبرى وتحويل المجتمع إلى معارك جانبية
ربما تكون أخطر صور الاستحمار تلك التي لا تطلب من الإنسان أن يصدق كذبة واضحة، بل تجعله مشغولاً بأشياء كثيرة إلى درجة أنه لا يجد الوقت لاكتشاف الحقيقة الكبرى. فالإنسان قد يقضي ساعات في الدفاع عن موقف سياسي أو ديني أو طائفي، ويستهلك طاقته في نقاشات لا تغير شيئاً من واقعه، بينما تمر أمامه القضايا التي تحدد مستقبله من دون أن يلتفت إليها. وهذه الطريقة في السيطرة أكثر ذكاءً من القمع المباشر، لأن الإنسان يعتقد أنه يمارس حريته وهو في الحقيقة يتحرك داخل دائرة رسمها له الآخرون. إنه يصرخ، ويناقش، ويغضب، ويشارك، ويهاجم، لكنه لا يقترب من جوهر المشكلة. وفي هذه الحالة تصبح كثرة الكلام دليلاً على غياب الفعل، ويصبح الضجيج بديلاً عن التغيير، وتتحول السياسة إلى مسرح كبير يتحرك فيه الجميع بينما تبقى القضايا الأساسية في مكانها.
لبنان، بما فيه من انقسامات سياسية وطائفية وإعلامية، معرض بصورة خاصة لهذا النوع من الإلهاء. فقد يستطيع المواطن أن يقضي أياماً في متابعة سجال حول تصريح سياسي، أو صورة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو خلاف بين شخصيتين، أو حملة تخوين متبادلة، بينما لا يجد الوقت الكافي لقراءة مشروع قانون، أو فهم موازنة، أو متابعة ملف القضاء، أو دراسة واقع التعليم، أو السؤال عن سياسات النقل والصحة والبيئة والطاقة وفرص العمل. وهنا تكمن المشكلة: ليس كل ما يحتل مساحة كبيرة في الإعلام كبيراً في حياة الناس، وليس كل ما يثير الغضب يستحق أن يتحول إلى أولوية وطنية. إن المجتمع الواعي يحتاج إلى القدرة على التمييز بين ما هو عاجل وما هو مهم، وبين ما هو مثير وما هو مصيري، وبين ما يستحق النقاش وما يُطرح فقط لصرف الانتباه عن قضية أخرى.
وقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في العصر الحديث عاملاً مضاعفاً لهذه المشكلة، لأنها جعلت كل إنسان قادراً على المشاركة في إنتاج الضجيج. لم يعد الاستحمار يحتاج إلى منبر سياسي أو ديني واحد، بل أصبح من الممكن أن ينتشر عبر آلاف الحسابات والمقاطع والتعليقات والمعلومات غير الموثوقة. والخطر ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها، لأن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة لتحرير العقل إذا استُخدمت للمعرفة والتواصل، ويمكن أن تكون وسيلة لاستعباد الانتباه إذا تحولت إلى مصنع مستمر للغضب والخوف والإثارة. وعندما يصبح الإنسان مدفوعاً من خبر إلى آخر، ومن فضيحة إلى أخرى، ومن معركة إلى أخرى، يفقد القدرة على بناء صورة متماسكة عن الواقع، ويصبح مثل شخص يجري طوال اليوم من دون أن يعرف إلى أين يتجه.
ولهذا فإن النباهة التي يدعو إليها شريعتي تعني، في زمننا، القدرة على مقاومة اقتصاد الانتباه الذي يريد من الإنسان أن يكون دائماً غاضباً ومندهشاً ومشغولاً. المواطن الواعي هو الذي يستطيع أن يتوقف أمام الضجيج ويسأل: ما القضية الأساسية؟ لماذا يُطلب مني أن أنشغل بهذا الآن؟ من المستفيد من هذا الانقسام؟ ماذا يحدث في الخلفية بينما الجميع منشغلون بهذه المعركة؟ وهذه الأسئلة ضرورية جداً في لبنان، لأن الوطن الذي يضيع فيه النقاش العام بين العصبيات والخلافات الشخصية لن يستطيع بناء سياسة عامة حقيقية. فالسياسة ليست مجرد كلام عن السياسيين، وإنما هي الحديث عن حياة الناس ومستقبلهم. وحين يتحول المواطن من متابعة الأشخاص إلى متابعة السياسات، ومن الدفاع عن الزعامات إلى مراقبة النتائج، تبدأ عملية التحرر من الاستحمار.

4. الطائفية السياسية وصناعة المواطن التابع في لبنان
إن المأزق اللبناني لا يمكن اختزاله في الطائفية، كما لا يمكن تجاهل أثرها. فالطائفية في بعدها الديني والثقافي ليست بالضرورة مشكلة، لأن الإنسان من حقه أن ينتمي إلى دينه وثقافته وذاكرته، وأن يمارس شعائره ويعيش هويته بحرية. لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه الهوية إلى نظام سياسي يجعل المواطن محكوماً بها قبل أن يكون محكوماً بمواطنته، وعندما يصبح الانتماء الطائفي شرطاً ضمنياً للحصول على الثقة أو الوظيفة أو النفوذ أو الحماية. عندها تصبح الطائفة أكثر من هوية، وتتحول إلى مؤسسة سياسية واجتماعية واقتصادية، ويصبح الخروج من منطقها شديد الصعوبة، لأن الإنسان قد يشعر أن التخلي عن زعيم طائفته يعني التخلي عن نفسه وعن أهله وعن تاريخه وعن مستقبله. وهنا يتحول الانتماء من مصدر للمعنى إلى أداة للسيطرة.
وقد أدى تراكم الخوف والذاكرة والصراعات التاريخية إلى جعل المواطن اللبناني يحمل أحياناً إرثاً من القلق يتجاوز تجربته الشخصية. فقد يرث الإنسان قصة الحرب، وقصة الهزيمة، وقصة الخوف من الآخر، وقصة الخطر الدائم، ثم يعيش هذه القصص كأنها حقائق سياسية حاضرة حتى عندما تتغير الظروف. والذاكرة مهمة بلا شك، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى سلاح سياسي، وعندما يصبح الماضي مبرراً دائماً لعدم بناء المستقبل. فالمجتمع الذي يتذكر لكي يتعلم يستطيع أن يتقدم، أما المجتمع الذي يتذكر لكي يخاف فيظل سجيناً لما حدث. ومن هنا فإن المصالحة الحقيقية لا تعني محو الذاكرة، بل تعني تحويلها من وقود للانقسام إلى درس في ضرورة بناء دولة تمنع تكرار المأساة.
إن أخطر ما تفعله الطائفية السياسية أنها تجعل المواطن يرى نفسه محمياً بواسطة جماعته بدلاً من أن يرى نفسه محمياً بواسطة الدولة. وعندما يقتنع الإنسان بأن حقوقه لا يمكن أن تكون مضمونة إلا إذا كان لزعيمه نفوذ، فإنه يصبح مستعداً للدفاع عن هذا الزعيم حتى عندما يفشل، لأن العلاقة لم تعد مبنية على تقييم الأداء، بل على الخوف من البديل. وهذا ما يجعل المحاسبة السياسية ضعيفة، لأن المواطن لا يصوت دائماً لمن قدم الأفضل، بل قد يصوت لمن يعتقد أنه يحميه من الأسوأ. وهنا تتولد دائرة مغلقة: ضعف الدولة يؤدي إلى تقوية الزعيم، وقوة الزعيم تؤدي إلى إضعاف الدولة، وضعف الدولة يزيد خوف المواطن، وخوف المواطن يزيد حاجته إلى الزعيم.
ولذلك فإن بناء لبنان الجديد لا يحتاج فقط إلى قوانين جديدة، بل إلى تغيير عميق في مفهوم المواطنة. يجب أن يشعر اللبناني أن الدولة تستطيع أن تحميه دون أن تسأله إلى أي طائفة ينتمي، وأن القضاء يستطيع أن ينصفه دون أن يسأل عن اسمه، وأن الوظيفة العامة تُعطى على أساس الكفاءة، وأن التعليم والصحة والنقل والخدمات حقوق عامة لا هبات سياسية. عندها فقط تبدأ الطائفة بالعودة إلى مكانها الطبيعي كجزء من هوية الإنسان، لا كبديل عن الدولة. والمواطنة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن دينه أو ثقافته، بل تعني أن يعرف أن اختلافه الديني لا يمنحه امتيازاً على الآخرين ولا ينتقص من حقوقهم، وأن الوطن لا يحتاج إلى إلغاء التنوع كي يكون موحداً، بل يحتاج إلى دولة عادلة تجعل التنوع آمناً.
5. العلم والثقافة والتربية كطريق لمقاومة الاستحمار
إن مقاومة الاستحمار لا يمكن أن تنجح بمجرد مهاجمة الخطابات الدينية أو السياسية، لأن المشكلة أعمق من خطاب بعينه؛ إنها تتعلق بنوعية الإنسان الذي ينتجه المجتمع. وإذا أردنا إنساناً لا يُستحمر، فعلينا أن نربيه منذ الصغر على السؤال والتحليل والتحقق والنقاش واحترام الاختلاف. المدرسة التي تطلب من الطالب الحفظ فقط قد تنتج شخصاً يعرف الإجابة لكنه لا يعرف كيف يطرح السؤال، والجامعة التي تركز على الشهادة فقط قد تنتج خريجاً مؤهلاً لسوق العمل لكنه عاجز عن التفكير في المجتمع الذي يعيش فيه. أما التعليم الحقيقي، فهو الذي يجعل الإنسان قادراً على التمييز بين الادعاء والدليل، وبين السلطة والحقيقة، وبين الرأي والمعلومة، وبين الإيمان والتوظيف السياسي للإيمان. وهذا لا يعني تحويل المدارس والجامعات إلى ساحات سياسية، بل يعني جعلها مؤسسات تنتج عقلاً مستقلاً يستطيع أن يعيش داخل السياسة دون أن يصبح أسيراً لها.
وفي لبنان، تحتاج هذه المهمة إلى إعادة الاعتبار للجامعة والمدرسة باعتبارهما مؤسستين وطنيتين لا مجرد مكانين للحصول على الشهادة. فالأجيال الجديدة هي التي ستقرر ما إذا كان لبنان سيبقى أسيراً للانقسامات القديمة أم سينتقل إلى مرحلة جديدة من المواطنة. وإذا تعلم الطالب منذ صغره أن الآخر هو عدوه، أو أن طائفته فوق الوطن، أو أن الزعيم لا يُنتقد، أو أن الدين يمنع السؤال، فإن المجتمع يكون قد زرع في داخله بذور التبعية قبل أن يدخل الحياة السياسية. أما إذا تعلم أن الاختلاف طبيعي، وأن الحقيقة تحتاج إلى دليل، وأن المواطن يستطيع أن يختلف مع أخيه دون أن يكرهه، وأن رجل الدين والسياسي والأستاذ والصحافي جميعهم بشر يمكن مساءلتهم، فإنه يخرج إلى الحياة العامة بعقل أكثر مقاومة للتلاعب.
والثقافة أيضاً تمثل خط دفاع أساسياً ضد الاستحمار، لأن المجتمع الذي يقرأ ويبحث ويقارن ويعرف تاريخه يصبح أقل قابلية لأن يُختصر في شعار. إن القراءة لا تمنح الإنسان معلومات فقط، بل توسع المسافة بينه وبين أفكاره الجاهزة، وتجعله يرى نفسه من الخارج، ويكتشف أن ما يعتقده بديهياً قد يكون مجرد نتاج لبيئة أو تاريخ أو تجربة. وفي لبنان، حيث تتنافس الروايات السياسية والدينية حول تفسير الماضي والحاضر، تصبح الثقافة المستقلة ضرورة وطنية. نحن بحاجة إلى مؤرخين يكتبون بصدق، وباحثين لا يخافون من النتائج، وصحافيين يلاحقون الوقائع، وأساتذة يشجعون السؤال، ومثقفين يستطيعون نقد جماعتهم قبل نقد الآخرين. فالوعي الذي لا يستطيع نقد نفسه يتحول بسهولة إلى تعصب.
ومن هنا فإن العلم ليس نقيض الدين، كما أن الثقافة ليست نقيض الهوية، بل يمكن أن تكون جميعها عناصر لتحرير الإنسان عندما توضع في خدمة الحقيقة. والمجتمع الذي يقدّر العلم يستطيع أن يواجه الخرافة، والمجتمع الذي يحترم الفكر يستطيع أن يواجه التعصب، والمجتمع الذي يحترم الإنسان يستطيع أن يواجه الاستبداد. ولذلك فإن بناء الإنسان اللبناني الواعي يجب أن يكون مشروعاً وطنياً طويل الأمد، لأن الإصلاح السياسي من دون إصلاح ثقافي سيعيد إنتاج نفسه بأسماء جديدة. قد تتغير الوجوه، لكن إذا بقي الإنسان نفسه خائفاً وتابعاً ومستعداً لتصديق كل ما تقوله جماعته، فإن النظام القديم سيجد دائماً طريقاً للعودة.

6. نحو دولة لبنانية تحرر الإنسان من المطرقة والسندان
إن تجاوز المطرقة والسندان لا يعني الدخول في معركة بين الدين والسياسة، بل يعني إعادة كل منهما إلى مجاله الطبيعي. السياسة يجب أن تخدم الإنسان من خلال الدولة والقانون والمؤسسات، والدين يجب أن يخدم الإنسان من خلال القيم والضمير والأخلاق. وعندما تختلط الوظائف، يبدأ الخلل؛ فالسياسي عندما يقدم نفسه بوصفه ممثلاً حصرياً للمقدس يصبح فوق المساءلة، ورجل الدين عندما يتحول إلى طرف في شبكة المصالح السياسية قد يفقد استقلاله الأخلاقي، والمواطن عندما يخلط بين إيمانه وبين ولائه السياسي يصبح عاجزاً عن رؤية الخطأ عندما يأتي من جماعته. لذلك فإن الدولة المدنية العادلة ليست حرباً على الدين، بل يمكن أن تكون ضمانة لحماية الدين من التوظيف السياسي، وضمانة في الوقت نفسه لحماية السياسة من التحول إلى صراع ديني.
لبنان يحتاج إلى دولة لا تطلب من المواطن أن يختار بين هويته ودولته، بل تسمح له بأن يعيش هويته داخل دولة تحمي الجميع. دولة يكون فيها القضاء مستقلاً، والإدارة قائمة على الكفاءة، والوظيفة العامة حقاً لا مكافأة، والمال العام أمانة، والتعليم حقاً، والصحة حقاً، والأمن مسؤولية المؤسسات، والانتخابات وسيلة للمحاسبة لا مجرد مناسبة لتجديد الولاءات. وفي مثل هذه الدولة، يفقد الزعيم جزءاً كبيراً من قدرته على التحكم بالمواطن، لأن المواطن لن يعود بحاجة إلى وسيط بينه وبين حقوقه. وعندما تصبح الدولة قادرة على تقديم الخدمات والعدالة والحماية، تنحسر تدريجياً الحاجة إلى شبكات الزبائنية السياسية، ويبدأ الإنسان في اكتشاف أن المواطنة ليست شعاراً، بل حماية عملية لحياته وكرامته.
لكن الدولة لا تُبنى بالقوانين وحدها؛ إنها تحتاج إلى ثقافة تؤمن بها. فإذا بقي المواطن يرى الدولة عدواً ويبحث عن الحماية خارجها، وإذا بقي المسؤول يتعامل معها كغنيمة، وإذا بقيت الجماعات ترى المؤسسات من خلال حصصها، فلن تكفي أفضل النصوص الدستورية لإنتاج دولة قوية. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يجمع بين القانون والثقافة والتربية والسياسة والاقتصاد. لا يمكن فصل إصلاح القضاء عن إصلاح الإدارة، ولا فصل الإصلاح الاقتصادي عن الإصلاح السياسي، ولا فصل بناء الدولة عن بناء المواطن. وكل مشروع يركز على جانب واحد ويترك بقية الجوانب سيظل ناقصاً، لأن الأزمة اللبنانية ليست أزمة مؤسسة واحدة، بل أزمة علاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يطرحه شريعتي علينا ينبغي أن يتحول من سؤال عن الآخرين إلى سؤال عن أنفسنا: هل نملك الشجاعة لنفكر بأنفسنا؟ هل نستطيع أن نختلف مع الزعيم الذي نؤيده؟ هل نستطيع أن ننتقد رجل الدين الذي نحترمه عندما يخطئ؟ هل نستطيع أن نعترف بفساد من ينتمي إلى جماعتنا كما نعترف بفساد خصمنا؟ هل نستطيع أن نضع الوطن فوق العصبية من دون أن نهين هويتنا؟ هذه الأسئلة هي بداية التحرر الحقيقي، لأن الإنسان لا يتحرر عندما يغير السلطة فقط، بل عندما يرفض أن يكون تابعاً لأي سلطة تلغي عقله. وعندما يصبح اللبناني قادراً على قول “لا” للظلم أياً كان مصدره، و”نعم” للحق أياً كان صاحبه، تبدأ المسافة بينه وبين الاستبداد والاستحمار بالاتساع، ويبدأ لبنان في الانتقال من وطن تحكمه الخوف والولاءات إلى دولة يحكمها القانون والمواطنة.
7. الخاتمة
إن مقولة علي شريعتي عن المطرقة والسندان ليست مجرد عبارة سياسية، بل هي تحذير من حالتين متكاملتين من فقدان الحرية: حالة يخاف فيها الإنسان من السلطة حتى يعجز عن الكلام، وحالة يخاف فيها من المقدس حتى يعجز عن السؤال. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: إنسان يتنازل تدريجياً عن حقه في التفكير، ثم عن حقه في الاختيار، ثم عن حقه في المساءلة، حتى يصبح وجوده السياسي والاجتماعي قائماً على التبعية. والخطر الأكبر أن هذا التنازل لا يحدث دائماً دفعة واحدة، بل يتراكم بصمت؛ تنازل صغير أمام الخوف، ثم تنازل أمام الزعيم، ثم تنازل أمام الجماعة، ثم تنازل أمام الخطاب الديني، ثم يصبح الإنسان في النهاية مقتنعاً بأن حريته ترف لا يستطيع تحمله، وأن السؤال خطر، وأن الاختلاف خيانة، وأن الصمت حكمة.
وفي لبنان، لا يمكن كسر هذه الحلقة بإلغاء الدين ولا بإلغاء التعددية ولا بمهاجمة فئة أو طائفة، وإنما بكسر العلاقة المرضية بين الخوف والسلطة. لبنان يحتاج إلى مواطن يستطيع أن يكون متديناً دون أن يكون تابعاً، وطائفياً بالمعنى الثقافي دون أن يكون طائفياً بالمعنى السياسي، ومؤمناً دون أن يتنازل عن عقله، ووطنياً دون أن يكره الآخر، ومعارضاً دون أن يتحول إلى عدو، ومؤيداً دون أن يتحول إلى مبرر دائم للخطأ. ويحتاج كذلك إلى دولة لا تستمد شرعيتها من قدرة الزعيم على حماية جماعته، بل من قدرتها على حماية جميع المواطنين بالقانون. عندها فقط تصبح التعددية اللبنانية ثروة، لا سلاحاً، ويصبح الدين قيمة أخلاقية، لا أداة سياسية، وتصبح السياسة خدمة عامة، لا طريقاً إلى النفوذ الشخصي.
ولعل الخلاص الحقيقي يبدأ من استعادة الإنسان اللبناني لحقه في أن يكون إنساناً قبل أن يكون تابعاً لأي هوية سياسية أو طائفية، وأن يستعيد عقله قبل أن يستعيد السلطة، لأن السلطة التي لا يرافقها وعي ستعيد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة، والدين الذي لا يصاحبه وعي قد يتحول إلى أداة في يد من يريد السيطرة، والطائفية التي لا يحكمها العقل قد تتحول إلى سجن جماعي لا يستطيع أحد الخروج منه. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين طائفة وطائفة، ولا بين دين ودين، ولا بين حزب وحزب، بل بين الوعي والجهل، وبين المواطنة والتبعية، وبين الدولة والزبائنية، وبين الإنسان الحر والإنسان الذي يُفكَّر له. وعندما يستطيع اللبناني أن يرفض أن يكون مطرقة في يد الاستبداد أو سنداناً تحت الاستحمار، ويقرر أن يكون مواطناً حراً، واعياً، مسؤولاً، قادراً على السؤال والمحاسبة والاختلاف، فإن لبنان لا يكون قد بدأ فقط في إصلاح نظامه السياسي، بل يكون قد بدأ في استعادة الإنسان الذي من أجله وُجدت الدولة أصلاً.

























































