المتحدثون في الندوة
كيف يمكن حماية حق المريض في العلاج، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية على شركات التأمين والمستشفيات والأُسر اللبنانية؟ لم تعد المسألة مجرّد كيفية احتواء فاتورة الاستشفاء أو الحد من كلفة الدواء، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن بناء منظومة صحية تتيح الوصول إلى العلاج الجيد، وتحافظ على قدرة المرضى على تحمّل تكاليفه، وتضمن في الوقت نفسه استمرارية الجهات التي تموّل الرعاية وتقدّمها؟ في لبنان، حيث خلّفت الأزمة الاقتصادية والمالية منذ العام 2019 تداعيات واسعة على الأفراد والمؤسسات، بات البحث عن إجابة مستدامة لهذا السؤال ضرورة تتجاوز حدود القطاع التأميني لتطال مستقبل الرعاية الصحية برمّته.
ضمن هذا الإطار، نظّمت الجمعية الدولية لاقتصاديات الدواء وبحوث النتائج الصحية – فرع لبنان (إسبور)، بالتعاون مع جمعية شركات التأمين في لبنان(أكال)، لقاءً بعنوان «واقع التأمين الصحي الخاص في لبنان: التحديات الراهنة ومسارات المرحلة المقبلة»، جمع ممثلين عن قطاع التأمين والجهات الرقابية والمستشفيات والقطاع الدوائي، إلى جانب أطراف معنية بتمويل الخدمات الصحية وتقديمها، و ذلك بهدف مناقشة التحديات الراهنة واستكشاف فرص التعاون وتطوير رؤية مشتركة لمنظومة صحية أكثر استدامة وقدرة على الاستجابة للاحتياجات المتغيّرة.
وتكمن أهمية هذه النقاشات في أن الضغوط التي تواجه التأمين الصحي لا يمكن فصلها عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها اللبنانيون. فارتفاع كلفة العلاج، وتراجع القدرة على تحمّل النفقات، والتحديات التي تواجه الجهات الضامنة ومقدّمي الخدمات، عوامل مترابطة تؤثر في قدرة المريض على الحصول على الرعاية وفي قدرة المؤسسات على مواصلة تقديمها. وأي معالجة تقتصر على طرف واحد قد تنقل العبء إلى طرف آخر بدلاً من حل المشكلة: فزيادة الأقساط قد تجعل التغطية أقل قدرة على التحمّل، وتقليص المنافع قد يحدّ من الوصول إلى العلاج، فيما يؤدي تجاهل الضغوط المالية إلى تهديد استمرارية التغطية نفسها. لذلك، لا يكمن الحل في خفض الإنفاق بأي ثمن، بل في تحسين كيفية استخدام الموارد المتاحة وتحقيق أفضل قيمة صحية ممكنة منها. لذا عكست النقاشات خمس أولويات أساسية لمستقبل القطاع الصحي اللبناني: استدامة التأمين الصحي الخاص وتعزيز التنظيم والحوكمة؛ ضمان الوصول إلى الرعاية والقدرة على تحمّل كلفتها؛ تطوير التعاون بين الجهات الدافعة ومقدّمي الخدمات؛ تعزيز الابتكار والوصول إلى الأسواق والعلاجات الجديدة؛ والاستثمار في الوقاية والتشخيص المبكر لتحسين النتائج الصحية ودعم الاستدامة على المدى الطويل. وتجمع هذه الأولويات حقيقة أساسية، هي أن إصلاح المنظومة الصحية لا يتحقق بقرار منفرد، بل يتطلب تنسيقاً بين الجهات الرقابية وشركات التأمين والمستشفيات والقطاع الدوائي، ضمن رؤية توازن بين احتياجات المرضى والإمكانات المالية المتاحة.

وتبدأ هذه المعادلة من استدامة التأمين الصحي الخاص، التي تحتاج إلى أطر تنظيمية واضحة، وحوكمة فعّالة، وشفافية في إدارة التغطيات والمطالبات، وآليات رقابة ومساءلة تعزّز الثقة بين شركات التأمين والمستفيدين ومقدّمي الخدمات. فامتلاك بوليصة تأمين لا يعني بالضرورة أن المريض قادر على تحمّل جميع النفقات المرتبطة بعلاجه، أو أن التغطية تلبي احتياجاته عند وقوع المرض. ومن هنا، تبرز أهمية وضوح شروط التأمين والمنافع والاستثناءات، وتحسين إدارة المخاطر والمطالبات، والعمل على تطوير تغطيات تستجيب للاحتياجات الفعلية للمستفيدين، من دون إغفال القدرة المالية للجهات الضامنة على الوفاء بالتزاماتها.
ولا تقلّ أهمية عن ذلك العلاقة بين شركات التأمين والمستشفيات ومقدّمي الرعاية الصحية. فالتعاقدات وآليات السداد والتعويض وإدارة المطالبات ليست تفاصيل إدارية فحسب، بل عناصر تؤثر في كفاءة المنظومة وسرعة حصول المرضى على الخدمات. ويمكن لتطوير التعاون بين الجهات الدافعة ومقدّمي الرعاية، وتحسين تبادل المعلومات، وتعزيز الشفافية في التكاليف والإجراءات، أن يساعد على الحد من الخلافات التشغيلية وتحسين استخدام الموارد. غير أن أي تحسين في الكفاءة يجب أن يقترن بمعايير واضحة لجودة الخدمة وسلامة المرضى، كي لا تتحول إدارة الكلفة إلى عامل يقيّد الوصول إلى الرعاية الضرورية.
أما كلفة الدواء، فتضع المنظومة أمام تحدٍّ دقيق: كيف يمكن إتاحة العلاجات الفعّالة والابتكارات الطبية، مع الحفاظ على قدرة المرضى والجهات الضامنة على تحمّل أعبائها؟ لا يكفي النظر إلى سعر الدواء وحده للحكم على قيمته، كما لا يكفي وصف علاج بأنه مبتكر لتحديد مدى جدوى تمويله. بل ينبغي النظر إلى فعاليته، والنتائج الصحية التي يحققها، ومدى تفوّقه أو اختلافه عن البدائل المتاحة، والفئات التي تستفيد منه، والأثر المالي المترتب على تغطيته. ومن شأن هذا التقييم أن يساعد على اتخاذ قرارات أكثر توازناً بين إتاحة الابتكار والمحافظة على استدامة التمويل الصحي.

وهنا يبرز دور اقتصاديات الدواء وبحوث النتائج الصحية، وهو المجال الذي تعمل الجمعية الدولية لاقتصاديات الدواء وبحوث النتائج الصحية(إسبور) على تطوير المعرفة والمنهجيات المرتبطة به وتعزيز استخدامها. فمن خلال تحليل الكلفة والفاعلية، وتقييم التكنولوجيا الصحية، ودراسة النتائج العلاجية، يمكن تزويد الجهات المعنية بأدلة تساعدها على مقارنة الخيارات الطبية وتقدير القيمة التي يحققها كل تدخل صحي مقابل كلفته. وبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن سعر الدواء أو كلفة الإجراء الاستشفائي، تتيح هذه المقاربة طرح سؤال أكثر شمولاً: ما النتائج الصحية التي يحصل عليها المريض مقابل الأموال التي تُنفق، وهل توجد بدائل تحقق نتائج مماثلة أو أفضل ضمن كلفة أكثر ملاءمة؟
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة بالنسبة إلى شركات التأمين والجهات التي تتخذ قرارات التغطية والتعويض. إذ يمكن لتحليل الأثر المالي أن يساعد على تقدير انعكاسات إدراج دواء جديد أو تقنية علاجية ضمن التغطية، فيما يتيح تقييم النتائج الصحية مقارنة المنافع المتوقعة بالبدائل المتاحة. كما يمكن للأدلة الاقتصادية أن تدعم تصميم سياسات أكثر وضوحاً في تحديد الأولويات، وتساعد على توجيه الموارد نحو التدخلات التي تحقق قيمة صحية ملموسة. لكن هذه الأدوات لا تحدد الأسعار تلقائياً، ولا تمنح “إسبور” صلاحية فرض سياسات التسعير أو التغطية؛ بل توفر قاعدة علمية يمكن للجهات المختصة الاستناد إليها عند اتخاذ قراراتها.
ويمتد هذا الدور إلى تعزيز التعاون بين شركات التأمين والقطاع الدوائي، بما يشمل شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية، من أجل تحسين الحوار حول الابتكار والوصول إلى الأسواق والتغطية التأمينية. فإتاحة العلاج الجديد تتطلب أكثر من إثبات قدرته على إحداث أثر طبي؛ إذ ينبغي أيضاً فهم مدى ملاءمته لاحتياجات المرضى، وقيمته مقارنة بالخيارات القائمة، وإمكان تمويله ضمن الموارد المتاحة. ويتيح التعاون المبني على البيانات والأدلة فرصة لتقريب وجهات النظر بين الجهات التي تطوّر العلاجات والجهات التي تموّلها، مع إبقاء مصلحة المريض وجودة الرعاية في صلب القرارات.

وفي موازاة ذلك، تبرز الوقاية والتشخيص المبكر كجزء أساسي من أي استراتيجية صحية طويلة الأمد. فالكشف المبكر عن الأمراض والتدخل في الوقت المناسب قد يساعدان على الحد من المضاعفات والحاجة إلى علاجات أكثر تعقيداً، بما ينعكس على صحة المرضى وعلى استخدام الموارد الصحية. غير أن الفائدة الفعلية تختلف بحسب المرض والفئة المستهدفة وطبيعة البرنامج، ما يستدعي تقييم النتائج الصحية والأثر الاقتصادي لكل تدخل، بدلاً من افتراض أن كل إنفاق وقائي سيؤدي بالضرورة إلى خفض الكلفة. والمطلوب هو تحديد البرامج التي تحقق أفضل النتائج، وتوسيع الاستفادة منها وفق أدلة واضحة.
ويبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذه الأولويات إلى إجراءات قابلة للتطبيق والقياس. ويشمل ذلك تحسين جودة البيانات الصحية والمالية، وتطوير مؤشرات لمتابعة كلفة الرعاية ونتائجها، وتعزيز الشفافية في التعاقدات والتعويضات، وتقييم السياسات الدوائية والاستشفائية بصورة منهجية. كما يتطلب بناء آليات تعاون مستدامة بين الجهات الدافعة ومقدّمي الخدمات والقطاع الدوائي، بما يتيح تبادل الخبرات والمعلومات وتحسين القرارات. وفي لبنان تحديداً، ينبغي أن تراعي هذه الجهود القدرات المالية للمؤمن لهم والواقع التشغيلي للمؤسسات، كي لا تتحول الإصلاحات إلى أعباء إضافية على المرضى أو إلى قيود تحدّ من حصولهم على الرعاية اللازمة.

إن اللقاء الذي جمع ISPOR Lebanon Chapter وACAL وممثلي الجهات الرقابية والمستشفيات والقطاع الدوائي يسلّط الضوء على ضرورة الانتقال من معالجة كلفة العلاج كلٌّ من موقعه إلى مقاربة مشتركة تنظر إلى المنظومة الصحية بوصفها شبكة مترابطة من التمويل والتغطية والخدمات والنتائج. فاستدامة التأمين الصحي لا تُقاس فقط بقدرة الشركات على إدارة نفقاتها، بل أيضاً بقدرة المؤمن لهم على الاستفادة من التغطية، وبمدى جودة الرعاية التي يحصلون عليها، وبكفاءة استخدام الموارد المتاحة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون المعادلة بين علاج أفضل وكلفة أقل معادلةً صفرية، يربح فيها طرف على حساب آخر. الهدف هو الوصول إلى أفضل النتائج الصحية الممكنة ضمن الموارد المتاحة، مع حماية قدرة المرضى على الحصول على العلاج، وتعزيز كفاءة الجهات التي تموّله وتقدّمه. ومن خلال الحوكمة الفعّالة، والتعاون بين مختلف الأطراف، والاستناد إلى الأدلة التي توفرها اقتصاديات الدواء وبحوث النتائج الصحية، يمكن وضع أسس أكثر صلابة لمنظومة صحية لبنانية قادرة على مواجهة الضغوط الراهنة، والعمل نحو مستقبل أكثر استدامة وعدالة في الوصول إلى الرعاية.

























































