نعم، وتوجد معطيات حديثة ومهمة تساعد على فهم ما يجري داخل البيئة الاجتماعية التي يعتمد عليها حزب الله، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، وتراجع القدرة على التعويض وإعادة الإعمار، وإعلان برنامج المساعدات المالية الجديد في 13 تشرين الأول 2026.
الخلاصة الأولية: هناك مؤشرات موثقة على ضائقة اقتصادية كبيرة، واستياء من تأخر المساعدات، وأرقام استطلاع تشير إلى تباين واضح في المواقف السياسية داخل الطائفة الشيعية. لكن لا تتوافر حتى الآن أرقام موثوقة تثبت أن أعداداً كبيرة من العائلات رفضت فعلياً المساعدات الجديدة. ومن المهم الفصل بين الاعتراض على قيادة الحزب أو خياراته السياسية، وبين حاجة العائلات المتضررة إلى المال والسكن.
أولاً: ما قيمة المساعدات الجديدة، وكم عائلة يمكن أن تستفيد منها؟
أعلن رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، الشيخ علي دعموش، في 13 تشرين الأول، برنامج «وعد والتزام» لدعم العائلات التي دُمّرت منازلها أو أصبحت غير صالحة للسكن، وكذلك العائلات التي يتعذر عليها العودة إلى بعض القرى الحدودية.
وتتوزع المساعدات كاللآتي:
| نوع المساعدة | بيروت والضاحية الجنوبية | المناطق الأخرى | |
| بدل الأثاث | 8,000 دولار | 8,000 دولار | |
| بدل الإيجار | 6,000 دولار | 4,000 دولار | |
| الإجمالي للعائلة | 14,000 دولار | 12,000 دولار | |
| الدفعة الأولى | 3,500 دولار | 3,000 دولار |

ومن المقرر دفع المبالغ على أربع دفعات خلال سنة كاملة، وليس دفعة واحدة.
وهنا تظهر ثلاث نقاط مهمة. أولاً، المبلغ الإجمالي ليس تعويضاً عن إعادة بناء المنزل، بل مساعدة مخصصة أساساً للأثاث والإيجار. ثانياً، البرنامج يخضع لشروط تحدد الاستحقاق، منها أن يكون المنزل المتضرر مسكن العائلة الأساسي وألا يتوافر لها منزل بديل، مع أحكام خاصة لمن سبق أن حصلوا على مساعدات بعد حرب 2024. وثالثاً، لم يعلن الحزب عدد العائلات المستفيدة أو الموازنة الإجمالية للبرنامج أو مصدراً موثقاً ومفصلاً لأمواله.
لذلك، لا يمكن حتى الآن قياس مدى كفاية المساعدات أو عدد الأشخاص الذين سيحصلون عليها فعلياً.
ثانياً: ما حجم الضائقة الاقتصادية التي تعيشها هذه المناطق؟
أحدث البيانات المتاحة عن النزوح وسبل العيش في المناطق المتضررة 333،144 نازحاً داخلياً في لبنان، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة في 9 أيلول 2026.
818,288 شخصاً بدأوا العودة إلى مناطقهم الأصلية، من دون أن يعني ذلك أن جميعهم عادوا إلى مساكن آمنة وصالحة للسكن.
المصدر: المنظمة الدولية للهجرة، مصفوفة تتبّع النزوح في لبنان.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عندما نعرف أن النزوح تركز بصورة كبيرة في مناطق الجنوب والنبطية، وأن غالبية النازحين لم يكونوا يقيمون في مراكز إيواء رسمية، بل في منازل مستأجرة أو لدى أقارب ومعارف، أو في أماكن سكنية غير مكتملة أو معرضة للمخاطر. وهذا يعني أن الأعباء لم تقتصر على من تضررت منازلهم، بل شملت أيضاً عائلات فقدت دخلها وأصبحت مطالبة بدفع الإيجار ومصاريف المعيشة.
والأكثر دلالة هو تقرير نشرته منظمة «ميرسي كور» في 21 أيلول 2026، استند إلى مسح شمل 321 أسرة في مناطق الجنوب والنبطية وبعلبك الهرمل والضاحية الجنوبية لبيروت، وأُجري في أواخر تموز الماضي.
أظهر المسح أن نحو أسرتين من كل خمس أسر نازحة لا تملكان أي دخل حالياً، وأن نسبة الأسر التي كان دخلها يبلغ 300 دولار شهرياً أو أكثر تراجعت إلى أقل من نصف مستواها قبل النزوح. كما أفاد نحو ثلث الأسر بفقدان مصدر دخلها الأساسي بصورة دائمة، فيما قالت 91% من الأسر المشاركة إن وضعها الاقتصادي سيئ أو سيئ جداً، وأشارت النتائج إلى أن معظمها لا يملك مدخرات تذكر.
هذه الأرقام لا تمثل الطائفة الشيعية بأكملها، ولا يمكن نسبتها حصراً إلى مناصري حزب الله؛ لكنها تقدم صورة ميدانية قوية عن أوضاع عدد كبير من الأسر في المناطق الأكثر تعرضاً للحرب والنزوح.
ثالثاً: هل توجد مؤشرات على تراجع الرضا داخل بيئة حزب الله؟
نعم، وهناك استطلاع رأي حديث يستحق التوقف عنده، مع ضرورة عدم اعتباره حكماً نهائياً على مواقف جميع أبناء الطائفة.
فبحسب نتائج استطلاع أجرته مؤسسة «Statistics Lebanon» خلال أيلول الماضي، ونشرتها وسائل إعلام في 13 و14 تشرين الأول، شمل المسح 800 شخص بالغ من الطائفة الشيعية في مناطق مختلفة من لبنان. وكانت أبرز النتائج المنشورة كالآتي:
تأييد تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة 66،4 % تفضيل الاحتفاظ بالسلاح وفق الوضع القائم 29،6% اعتبار أن الحزب لم يحقق أهداف الحرب أو حقق بعضها فقط 67،4% التعبير عن مشاعر سلبية تجاه تعامل القيادة مع الحرب وتداعياتها 42،1 الثقة بالجيش اللبناني 78،5% اعتبار أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة 71،1% كما نقلتها وسائل إعلام في تشرين الأول 2026. هذه النسب تعكس إجابات المشاركين في المسح، وليست إحصاءً شاملاً لجميع أبناء الطائفة الشيعية.
ما الذي تعنيه هذه النتائج؟
إنها تشير إلى أن التأييد الاجتماعي لحزب الله لا ينبغي افتراض أنه موقف موحد في جميع القضايا. فقد يظل بعض الأفراد مؤيدين للحزب سياسياً أو اجتماعياً، بينما يعترضون على قراراته العسكرية أو على طريقة إدارة الحرب وتداعياتها.
لكن ثمة تحفظ منهجي مهم: لم تُنشر في المادة المتاحة جميع التفاصيل المتعلقة بطريقة اختيار العينة وصياغة الأسئلة وهامش الخطأ؛ لذلك ينبغي التعامل مع هذه النتائج بوصفها مؤشراً يستحق المتابعة، لا دليلاً قاطعاً على حدوث تحول شامل.
كما أن الاستطلاع لا يسأل، وفق النتائج المنشورة، ما إذا كان المشاركون سيقبلون المساعدات المالية الجديدة أو يرفضونها. ومن الخطأ استخدام أرقام المواقف السياسية لإثبات رفض المساعدات.

رابعاً: هل قوبلت المساعدات الجديدة فعلاً بالاستهجان والرفض؟
هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور.
الأول: الاستياء بسبب تأخر المساعدات. ففي 30 أيار 2026، نقل موقع «لبنان 24»، استناداً إلى مصادر خاصة، أن نازحين في مراكز إيواء وشقق سكنية عبّروا عن استيائهم لعدم حصولهم على مساعدات مالية، وأن مسؤولين في الحزب شكلوا لجاناً لحصر المستفيدين وتسجيل بياناتهم.
الثاني: الغضب المتصل بملف إعادة الإعمار والتعويضات القديمة. ففي 12 آب 2026، نقل الموقع نفسه عن مصادر ميدانية حالة استياء بين أصحاب منازل دُمّرت في حرب 2023–2024، وسط غموض بشأن التعويضات المخصصة لإعادة إعمارها، وعدم شمولهم، وفق المعلومات المنشورة حينها، ببرنامج البيوت الجاهزة المخصص للمتضررين من حرب 2026.
الثالث: رفض المساعدات الجديدة بحد ذاتها. حتى 16 تشرين الأول، لم أجد إحصاءً موثوقاً يحدد عدد العائلات التي رفضت برنامج «وعد والتزام»، ولا بيانات مستقلة تثبت أن الرفض واسع النطاق. فقد أُعلن البرنامج قبل ثلاثة أيام فقط، في 13 تشرين الأول، ولم يُعلن الحزب عدد المستفيدين النهائي أو الموازنة الكاملة أو نتائج تنفيذ البرنامج.
لذلك، إذا كانت هناك حالات رفض أو اعتراض متداولة في الأوساط المحلية، فمن المهم معرفة أسبابها: هل تتعلق بقيمة المساعدة، أم بشروط الاستحقاق، أم بتأخر التعويضات السابقة، أم بالاعتراض السياسي على الخيارات التي أدت إلى الحرب؟
هذه أسئلة مختلفة، ولا يجوز جمعها تحت عنوان واحد من دون أدلة.
خامساً: ماذا عن قدرة الحزب المالية على الاستمرار في تقديم المساعدات؟
في 7 تشرين الأول، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين مطلعين على التحويلات أن حزب الله تلقى نحو 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين. لكن الولايات المتحدة شككت في صحة التقرير، وقالت إن هذه الأموال غير موجودة، فيما لم يؤكد الحزب علناً مصدر التمويل أو إجمالي المبالغ المخصصة للبرنامج الجديد.
وإذا صحّ رقم الـ200 مليون دولار، فإنه يعطي مؤشراً على حجم الموارد التي قد تكون متاحة للمساعدات الأولية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات القدرة على تغطية البرنامج الجديد بالكامل.
فعلى سبيل المثال، لو استحقت 50 ألف أسرة مبالغ تتراوح بين 12 ألفاً و14 ألف دولار لكل أسرة، لبلغت الكلفة الحسابية الإجمالية نحو 600 إلى 700 مليون دولار. وهذا مجرد تقدير افتراضي يفترض استفادة 50 ألف أسرة من كامل المبالغ، وليس رقماً معلناً عن عدد المستفيدين أو ميزانية الحزب الفعلية.
ويأتي ذلك في ظل أزمة اقتصادية لبنانية أوسع. فقد توقع البنك الدولي في آب الماضي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، مع ارتفاع التضخم المتوقع إلى 17.5%، نتيجة الحرب واضطراب النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك والسياحة. وهذه الظروف تزيد الضغوط على العائلات المتضررة، بصرف النظر عن انتماءاتها السياسية.

الخلاصة: المال وحده لا يحسم العلاقة بين الحزب وبيئته
المعطيات المتاحة ترسم صورة اجتماعية واقتصادية صعبة: آلاف الأسر تواجه النزوح أو خسارة المنازل ومصادر الدخل، وبعض العائلات تعاني من غياب المدخرات وتراكم الالتزامات المالية، فيما لا تزال إعادة الإعمار مسألة أساسية لم تُحسم.
وفي الوقت نفسه، تكشف نتائج استطلاع أيلول عن تباين في المواقف داخل المجتمع الشيعي حول السلاح وإدارة الحرب ودور الدولة. أما الاستياء من تأخر المساعدات والتعويضات، فله شواهد صحفية، لكن حجم رفض البرنامج المالي الجديد تحديداً لم يُقَس بعد بأرقام موثوقة.
والسؤال الأعمق ليس فقط كم سيدفع الحزب، بل هل تستطيع المساعدات المالية أن تعوّض الخسائر المتراكمة، وتعيد الثقة، وتجيب عن الأسئلة التي يطرحها المتضررون بشأن مستقبلهم؟
فالمساعدة المالية قد تساهم في دفع الإيجار وشراء الأثاث وتأمين الاحتياجات العاجلة، لكنها لا تعيد منزلاً مدمراً، ولا تعوّض بالضرورة سنوات من فقدان الدخل أو الخوف أو عدم الاستقرار. كذلك، فإن الاعتراض على القيادة لا يعني حكماً رفض المساعدة، كما أن قبول المساعدة لا يعني بالضرورة تجديد التأييد السياسي.
وهذا ما يجعل متابعة أوضاع هذه البيئة اليوم مسألة اقتصادية واجتماعية وسياسية في آن واحد، تحتاج إلى أرقام ميدانية أكثر اكتمالاً، وإلى التمييز بين ما تقوله الاستطلاعات، وما تنقله المصادر الصحفية، وما تثبته عمليات توزيع المساعدات فعلياً.
























































