لم تعد الهجمات السيبرانية تستهدف الأموال الرقمية وحدها، ولم يعد اختراق منصة لتداول العملات المشفّرة مجرد حادث أمني معزول في عالم التكنولوجيا. فالمشهد يتغير بسرعة، والتهديد يقترب أكثر من قلب النظام المالي: من منصات العملات المشفّرة إلى الحسابات المصرفية، ومن بيانات العملاء إلى الأنظمة الداخلية لشركات التأمين. والأخطر أن المهاجمين لم يعودوا يكتفون بسرقة المعلومات أو تعطيل الخدمات، بل باتوا يبحثون عن طرق للوصول إلى الأموال مباشرة، مستغلين أحياناً ثغرات لدى أطراف خارجية تتعامل معها المؤسسات المالية.
من اختراق منصة Binance إلى الهجوم الذي طال مجموعة Crédit Mutuel Arkéa الفرنسية، مروراً بسلسلة حوادث أصابت شركات تأمين كبرى في الولايات المتحدة، تتكرر مؤشرات مقلقة على اتساع دائرة الاستهداف داخل القطاع المالي. وما يجمع هذه الوقائع ليس بالضرورة جهة مهاجمة واحدة أو حملة منسّقة، بل تحوّل في طبيعة الخطر نفسه: المؤسسات المالية باتت مكشوفة أمام تهديدات قد تنفذ إليها من خلال موظف، أو جهاز، أو منصة خارجية، قبل أن تصل إلى أنظمتها الأكثر حساسية.
في 29 أكتوبر 2026، تعرضت Binance، أحد أكبر منصات تداول العملات المشفّرة في العالم، لاختراق أمني بالغ التعقيد، قُدّرت قيمة الأصول الرقمية المتأثرة به بنحو 6.34 مليارات دولار. وأعلنت المنصة أنها تمكنت من تجميد أو اعتراض أصول بقيمة تقارب 2.85 مليار دولار، مؤكدة أنها ستتحمل الخسائر ولن تنقلها إلى المستخدمين. كما أشارت، استناداً إلى معلومات أولية من مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي، إلى مسؤولية كوريا الشمالية عن الهجوم، مع استمرار التحقيقات والمراجعة المستقلة.

لكن ما يجعل هذه الحادثة مثيرة للقلق ليس حجم الأموال وحده، بل الأسلوب الذي اتبعه المهاجمون. فوفقاً للتحقيق الأولي الذي نشرته Binance، لم يكن الأمر مجرد اختراق لمحفظة رقمية، بل عملية متعددة المراحل استُخدمت فيها أساليب الهندسة الاجتماعية، ومقابلات توظيف وهمية، وبرمجيات خبيثة، وأجهزة مخترقة، وأدوات داخلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى بيئة العمل المسؤولة عن توقيع المعاملات. أي إن المهاجمين استغلوا الثقة والصلاحيات داخل المنظومة نفسها، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة اختراق دفاعاتها من الخارج.
وبعد أيام قليلة، وجد القطاع المصرفي نفسه أمام حادثة لا تقل خطورة. ففي 4 نوفمبر 2026، أعلنت مجموعة Crédit Mutuel Arkéa الفرنسية تعرضها لهجوم سيبراني أتاح تنفيذ تحويلات احتيالية باستخدام حساب تابع للمجموعة نفسها. وقدّرت وكالة فرانس برس الأموال المعنية بنحو 100 مليون يورو، فيما تداولت تقارير أخرى تقديرات أعلى، لم يؤكدها البنك بصورة نهائية، مشيراً إلى أن التقييم لا يزال جارياً.
والتفصيل الأكثر أهمية أن المهاجمين لم يستهدفوا حسابات العملاء، بل تمكنوا من الوصول عبر منصة تابعة لمزوّد خدمات خارجي، ثم استخدموا حساب المؤسسة لتنفيذ تحويلات إلى جهات مصرفية أخرى، قبل أن يُحوَّل جزء من الأموال إلى عملات مشفّرة عبر منصات متخصصة. وأكدت المجموعة أن أموال العملاء لم تتأثر، وأنها احتوت الحادثة وأوقفت مؤقتاً بعض العمليات كإجراء احترازي، قبل استئنافها تدريجياً. كما فُتح تحقيق في فرنسا لكشف الجهة المسؤولة والطريقة التي نُفذت بها العملية.

تكمن خطورة هذه الواقعة في أنها تكشف تحولاً في أسلوب الاستهداف: لم يعد المهاجم بحاجة إلى اختراق حسابات آلاف العملاء كي يحقق مكاسب ضخمة؛ فقد يكون الوصول إلى حساب المؤسسة نفسها كافياً لتنفيذ تحويلات هائلة. كما أن الاعتماد على منصة خارجية في مسار الاختراق يعيد تسليط الضوء على واحدة من أخطر نقاط الضعف في القطاع المالي: حين تتحول شركة تقدم خدمة تقنية إلى بوابة عبور نحو أنظمة مؤسسة مصرفية.
أما شركات التأمين، فقد أثبتت الوقائع أنها ليست بمنأى عن هذا التهديد. ففي يونيو 2025، تعرضت شركة Aflac الأميركية لهجوم سيبراني أعلنت لاحقاً أن الملفات التي شملتها مراجعتها تضمنت معلومات شخصية مرتبطة بنحو 22.65 مليون شخص. ورغم أن الشركة تمكنت من احتواء الحادث خلال ساعات، فإن حجم البيانات المتأثرة كشف أن اختراق شركة تأمين لا يحتاج إلى تعطيل عملياتها حتى تكون عواقبه خطيرة؛ فتسريب المعلومات الشخصية وحده قد يفتح الباب أمام الاحتيال وانتحال الهوية واستهداف العملاء لاحقاً.
وفي الفترة نفسها، واجهت شركتا Erie Insurance وPhiladelphia Insurance Companies في الولايات المتحدة حوادث أمنية أثّرت في شبكاتهما وأنظمتهما. كما تعرضت Allianz Life Insurance Company of North America، التابعة لمجموعة Allianz، في يوليو 2025 لاختراق طال منصة سحابية تابعة لطرف ثالث لإدارة علاقات العملاء. وتمكن المهاجمون من الوصول إلى بيانات شخصية تخص نحو 1.4 مليون شخص، بينهم عملاء ومهنيون ماليون وموظفون، عبر أساليب الهندسة الاجتماعية. وقد أوضحت الشركة أن الحادث لم يؤدِّ إلى اختراق شبكتها الداخلية، لكنه كشف مجدداً أن حماية المؤسسة لا تنفصل عن حماية الجهات والمنصات التي تعتمد عليها.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الحوادث على أنها هجوم واحد تقوده جهة واحدة، أو اعتبار أن اختراق Binance أدى إلى استهداف المصارف وشركات التأمين. فبعض الهجمات على شركات التأمين تعود إلى عام 2025، أي إنها سبقت التطورات الأخيرة. لكن جمع هذه الوقائع يكشف اتجاهاً واضحاً: القراصنة يوسّعون دائرة استهدافهم لتشمل المؤسسات المالية بمختلف أنواعها، ويبحثون عن الحلقة الأضعف في شبكاتها الرقمية، سواء كانت موظفاً، أو جهازاً، أو حساباً داخلياً، أو مزوّد خدمة خارجي.
وتظهر بيانات بنك فرنسا أن المصارف كانت الأكثر تعرضاً للهجمات السيبرانية ضمن القطاع المالي الأوروبي خلال الفترة الممتدة من يناير 2023 إلى يونيو 2024، إذ استحوذت على 46% من الهجمات المرصودة، مقابل 6% لشركات التأمين. كما لم تكن سرقة الأموال الشكل الوحيد للتهديد؛ فقد شملت الهجمات تعطيل الخدمات، واستخراج البيانات، وهجمات الفدية، وهي أساليب قد تكون آثارها التشغيلية والاقتصادية طويلة الأمد حتى عندما لا تؤدي إلى خسائر مالية مباشرة.
وهنا تتضح المشكلة الحقيقية. فالمصرف الذي يتعرض لهجوم قد يواجه تعطلاً في التحويلات أو اضطراباً في علاقاته مع المؤسسات الأخرى، وشركة التأمين التي تُسرق بيانات عملائها قد تواجه موجة من الاحتيال وانتحال الهوية، فيما قد يؤدي تعطيل الأنظمة إلى تأخير إصدار الوثائق وتسوية المطالبات. وفي قطاع يقوم على الثقة والقدرة على الوفاء بالالتزامات، لا تقتصر الخسارة على الأموال المسروقة، بل تمتد إلى السمعة واستمرارية الأعمال وثقة العملاء.

لهذا السبب، لم يعد الأمن السيبراني مسألة تقنية يمكن تركها لإدارات تكنولوجيا المعلومات وحدها، بل أصبح جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر والحوكمة والرقابة التشغيلية. وقد دخل قانون المرونة التشغيلية الرقمية الأوروبي DORA حيز التطبيق في يناير 2025، بهدف تعزيز قدرة المؤسسات المالية على مواجهة اضطرابات التكنولوجيا والهجمات السيبرانية، مع تشديد الاهتمام بالمخاطر المرتبطة بمزوّدي الخدمات الخارجيين.
أما المواجهة، فلا يمكن أن تقوم على شراء برامج حماية أكثر تطوراً فحسب. المطلوب هو مراجعة صلاحيات الوصول داخل المؤسسات، ومراقبة الأنشطة غير الاعتيادية، واختبار أمن الأنظمة والمنصات الخارجية، وتدريب الموظفين على كشف أساليب الخداع الرقمي، إلى جانب وضع خطط تضمن استمرار الخدمات واستعادة العمليات بسرعة عند وقوع الاختراق. فالمؤسسة التي تحمي أنظمتها الداخلية لكنها لا تراقب شركاءها ومزوّدي خدماتها قد تترك الباب مفتوحاً أمام المهاجمين من طريق آخر.
لقد تغيّرت قواعد اللعبة. فالأموال لم تعد محفوظة في الخزائن والحسابات وحدها، بل أصبحت تتحرك عبر شبكات مترابطة من المنصات والبرمجيات والصلاحيات الرقمية. وقد لا يحتاج القراصنة اليوم إلى اقتحام مصرف أو شركة تأمين؛ فقد تكفيهم ثغرة لدى مزوّد خدمة، أو جهاز موظف، أو صلاحية داخلية أسيء استخدامها، للوصول إلى قلب المؤسسة.
لم يعد السؤال الذي يواجه القطاع المالي ما إذا كانت المؤسسة ستتعرض لمحاولة اختراق، بل ما إذا كانت ستكتشفها وتحتويها قبل أن تتحول إلى كارثة مالية وتشغيلية. ففي المعركة السيبرانية الجديدة، قد تكون أضعف حلقة في شبكة المؤسسة أخطر من أكثر أنظمتها تحصيناً.


























































