يستمعان للنشيدين الوطنيين الاميركي و الصيني
«صفقات تجارية رائعة»، بهذه العبارة، لخص الرئيس الأميركي دونالد ترمب قمة بكين مع نظيره الصيني شي جينبينغ. مع ذلك، جاء رد فعل الأسواق والمستثمرين باهتاً، اذ أن المحصّلة الاقتصادية الفعلية للقمة، برأي معنيين، أقل بكثير من التوقعات.
صحيح أن أجواء الود الشخصي والاستعراض الدبلوماسي طغيا على مشهد الزيارة، لكن، خلف كواليس هذا المشهد، بدت النتائج الاقتصادية محدودة نسبياً، مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد من كبار التنفيذيين الأميركيين، الرئيس ترامب، بينهم مسؤولون من «بوينغ» و«إنفيديا» وشركات طاقة ومال وتكنولوجيا كبرى.
وكانت الأسواق تراهن على اختراقات كبيرة في ملفات الطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة، إلى جانب احتمال تخفيف القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين… إلا أن معظم هذه الملفات انتهت بتفاهمات عامة أو وعود سياسية أكثر من كونها اتفاقات تفصيلية قابلة للتنفيذ الفوري.

أما الصفقة الأبرز التي أعلنها ترامب فتمثلت في موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ»، في أول طلبية صينية كبيرة للطائرات الأميركية منذ نحو عقد، وان كانت الأسواق تتوقع رقماً أكبر بكثير، إذ تحدثت تسريبات سابقة عن احتمال توقيع صفقة تصل إلى 500 طائرة. ولذلك؛ جاء رد فعل المستثمرين سلبياً، وتراجعت أسهم «بوينغ» بأكثر من 4 في المئة بعد الإعلان مباشرة.
و ربما تغطية لفشله في عقد الصفقات، كما قال كثيرون، أعلن ترامب أن الصين أبدت اهتماماً متزايداً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة هدفها تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية. لكن التفاهمات بقيت في إطار النيات السياسية و لم ـثترجم عقوداً تنفيذية واضحة. فوزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترامب؛ ما عزّز حالة الحذر في الأسواق بشأن مدى جدية أو سرعة تنفيذها.
وفي ملف التكنولوجيا، جاءت النتائج أكثر تواضعاً. فعلى رغم مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الأميركي، لم تظهر أي مؤشرات على انفراج حقيقي في أزمة الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

ولا تزال واشنطن تمنع الشركات الصينية من الحصول على أكثر رقائق «إنفيديا» تطوراً، بحجة حماية الأمن القومي الأميركي ومنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية. ومع ذلك، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن مناقشات أولية بين البلدين لوضع «ضوابط وقواعد» لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، عادَّاً أن «القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي بدأتا الحوار»، لكن لم تُعلن أي تفاهمات عملية حتى الآن. أما الإنجاز الاقتصادي الحقيقي للقمة فلم يكن في الصفقات نفسها، بل في منع تدهور العلاقة الاقتصادية بين البلدين والحفاظ على الهدنة التجارية الحالية. فمنذ اللقاء السابق بين الزعيمين في تشرين الأول الماضي، تمّ تعليق الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على السلع الصينية، في حين تراجعت بكين عن تهديداتها المتعلقة بتقييد صادرات المعادن والعناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات الأميركية.

وخلال القمة الأخيرة ، لم يُحسم رسمياً ما إذا كانت هذه الهدنة ستمدد بعد انتهاء مدتها لاحقاً هذا العام، لكن مجرد استمرارها يُعدّ بالنسبة للأسواق تطوّراً إيجابياً في ظلّ هشاشة الاقتصاد العالمي الحالية.
ويرى محللون أن الطرفين يدركان أن العودة إلى الحرب التجارية المفتوحة ستكون مكلفة جداً في الظروف الراهنة. فالاقتصاد الصيني يواجه تباطؤاً ملحوظاً وضغوطاً في قطاع العقارات والاستثمار، في حين تواجه الولايات المتحدة مخاطر تضخم مرتفع وأسعار طاقة متقلبة وضغوطاً انتخابية داخلية. ولهذا؛ بدا واضحاً أن القمة ركزت على «إدارة التنافس» أكثر من السعي إلى إعادة بناء شراكة اقتصادية عميقة كما كان الحال قبل سنوات.أما الرسالة الأهم من القمة فليس حجم الصفقات المعلنة، بل حقيقة أن واشنطن وبكين لا تزالان حريصتين على إبقاء المنافسة تحت السيطرة، حتى وإن بقيت العلاقة بينهما محكومة بمزيج معقد من التعاون الاقتصادي والصراع الاستراتيجي.


























































