في الرابع عشر من آب، عشية عيد انتقال السيدة العذراء، تتجه القلوب إلى أمّ النور، رمز الأمومة والطهر والتواضع والتضحية والرحمة. وفي هذه المناسبة الروحية العزيزة، لا يسع اللبناني إلا أن ينظر إلى وطنه المثقل بالجراح، وأن يسأل: أين نحن من القيم التي تمثلها العذراء؟ وأين نحن من وطنٍ كان يفترض أن يكون بيتاً آمناً لأبنائه، فإذا به يدفعهم إلى الهجرة واليأس والانتظار؟
د. الياس ميشال الشويري
في عيد العذراء، لا نريد أن نكتفي بالشموع والصلوات والتهاني، بل نريد أن نفتح كتاب العتب على مصراعيه، وأن نقول لحكام لبنان كلاماً ربما تهربوا منه طويلاً. فالوطن الذي ينهار أمام أعينهم ليس رقماً في حساباتهم الانتخابية، والشباب الذين يغادرون ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة، والأمهات اللواتي يبكين أبناءهن في المطارات لسن مجرد صور عاطفية في المناسبات. هؤلاء هم لبنان الحقيقي، وهم الذين دفعوا وما زالوا يدفعون ثمن أخطاء سلطةٍ لم تتعلم أن الحكم مسؤولية، وأن الكرسي أمانة، وأن المواطن ليس تابعاً لأحد.
والعتب اليوم أشد لأننا نتحدث عن بلدٍ يتغنى كثيراً بالقيم والدين والعائلة والأمومة، بينما يعيش أبناؤه نتائج منظومة سياسية أرهقت الدولة وأضعفت مؤسساتها وأفقدت الناس ثقتهم بمستقبلهم. أي معنى يبقى للحديث عن الأمومة إذا كانت الأم اللبنانية تودع أبناءها في المطارات؟ وأي معنى للحديث عن التضحية إذا كان الشعب وحده هو المطلوب منه أن يضحي؟ وأي معنى للحديث عن الإيمان إذا تحولت القيم إلى شعارات موسمية، بينما تُمارس المحاصصة والزبائنية والفساد وكأنها أمور طبيعية؟ إن المشكلة لم تعد فقط في الفشل السياسي، بل في الانهيار الأخلاقي الذي جعل بعض المسؤولين يتعاملون مع السلطة كأنها حق مكتسب، ومع الدولة كأنها ملكية خاصة، ومع الشعب كأنه جمهور دائم التصفيق.
ومن هنا يأتي هذا المقال في عيد انتقال السيدة العذراء، لا ليهاجم من أجل الهجوم، بل ليضع مرآة أخلاقية قاسية أمام حكام لبنان؛ مرآة تسألهم عن الوطن الذي تسلموه، وعن الشباب الذين هجّروهم، وعن الأمهات اللواتي أتعبوهن، وعن المال العام الذي يفترض أن يكون أمانة، وعن المؤسسات التي أضعفوها، وعن الكرامة التي أهدروها. فالعذراء تمثل في الوجدان المسيحي قيم التواضع والخدمة والطهارة والتضحية، بينما تحتاج السياسة اللبنانية إلى استعادة هذه القيم قبل أي شيء آخر. لبنان لا يحتاج إلى حكام يرفعون الشعارات عن القيم، بل إلى رجال دولة يعيشونها؛ لا يحتاج إلى من يطلب من الشعب الصبر، بل إلى من يتحمل المسؤولية؛ ولا يحتاج إلى من يتشبث بالكرسي، بل إلى من يضع الوطن فوق الكرسي. ومن هنا تبدأ صرخة العتب: لبنان لم يعد يحتمل أن يحكمه من لم يتعلم أن الوطن أمانة، وأن السلطة خدمة، وأن الإنسان أغلى من كل كرسي.
1. حين يموت الضمير على أبواب السلطة
ليست الكارثة في لبنان أن بعض الحكام أخطأوا في إدارة الدولة، فالأخطاء يمكن تصحيحها، والفشل يمكن الاعتراف به، والسياسات يمكن تغييرها. الكارثة الحقيقية هي أن يتحول الخطأ إلى منهج، والفشل إلى عادة، والفساد إلى ثقافة، والسلطة إلى غنيمة، والوطن إلى مزرعة تتقاسمها الزعامات. فالحاكم الذي يدخل إلى السلطة وهو يعرف أن الدولة أمانة، ثم يخرج منها وقد جعل من مؤسساتها أدوات لخدمة نفوذه، لم يفشل في السياسة فقط؛ لقد فشل في الامتحان الأخلاقي الذي من أجله وُضع في موقع المسؤولية. والأسوأ من ذلك أن بعض أهل السلطة لا يكتفون بممارسة الخطأ، بل يحاولون تحويله إلى أمر طبيعي، فيقولون للناس إن الفساد موجود في كل مكان، وإن المحاصصة جزء من طبيعة لبنان، وإن الواسطة ضرورة، وإن المواطن عليه أن يتأقلم. وكأن المطلوب من اللبناني أن يتعلم كيف يعيش مع المرض بدلاً من أن يطالب بعلاجه. وهكذا يصبح الفساد أقوى من القانون، والمحسوبية أقوى من الكفاءة، والانتماء السياسي أقوى من المواطنة، ويصبح السؤال عن النزاهة نوعاً من السذاجة في دولة اعتادت أن تكافئ من يملك النفوذ أكثر مما تكافئ من يملك الكفاءة.
أيها الحكام، أين ذهب ذلك الضمير الذي يفترض أنكم حملتموه من بيوتكم؟ أين ذهبت وصايا الأمهات والآباء عندما كنتم أطفالاً: لا تكذب، لا تسرق، لا تظلم، لا تأخذ ما ليس لك، ساعد الضعيف، احترم الكبير، واحفظ الأمانة؟ كيف يمكن لمن تعلم أن السرقة عار أن يصبح مسؤولاً ثم يتعامل مع المال العام وكأنه مال بلا صاحب؟ وكيف يمكن لمن تعلم الرحمة أن يرى عائلة عاجزة عن شراء دوائها ثم يتحدث عن الصبر؟ وكيف يمكن لمن تربى على احترام القانون أن يستخدم نفوذه للالتفاف عليه؟ لا، لا يجوز تحميل الأمهات مسؤولية ما يفعله أبناؤهن بعد أن يكبروا، فالإنسان مسؤول عن خياراته، لكن من حق الوطن أن يسأل: كيف ماتت القيم عند أبواب السلطة؟ هل الكرسي يمحو التربية؟ هل النفوذ يقتل الضمير؟ هل الشهرة تجعل الإنسان ينسى أنه كان يوماً مواطناً عادياً؟ إن السلطة لا تمنح الإنسان أخلاقاً جديدة؛ إنها تكشف أخلاقه الحقيقية. ومن كان أميناً قبل السلطة سيبقى أميناً عندما تصبح الأموال والمصالح بين يديه، ومن كان انتهازياً سيجد في السلطة مساحة أوسع لانتهازيته. ولذلك فإن المشكلة ليست في الكرسي وحده، بل في الإنسان الذي يجلس عليه ويعتقد أن الكرسي يمنحه الحق في أن يفعل ما يشاء.
وفي عيد انتقال السيدة العذراء، تبدو المفارقة أكثر إيلاماً من أي وقت آخر. فالعذراء، في الوجدان المسيحي، رمز للتواضع والخدمة والطاعة والتضحية، وليست رمزاً للاستعلاء أو التسلط أو الاستغلال. هي صورة الأم التي قبلت المسؤولية ولم تبحث عن المجد الشخصي، بينما بعض حكام لبنان جعلوا السلطة مسرحاً للغرور، وجعلوا المناصب امتيازاً، وجعلوا الدولة وسيلة لتثبيت النفوذ. أيها الذين تتحدثون عن الإيمان، لا تجعلوا الإيمان ستاراً تخفون خلفه فسادكم؛ وأيها الذين ترفعون صور العذراء، اسألوا أنفسكم إن كانت أفعالكم تشبه القيم التي تمثلها أم النور. لا يكفي أن يذهب السياسي إلى الكنيسة، وأن يقف أمام المذبح، وأن يلتقط الصور، ثم يعود إلى ممارسات تناقض أبسط معاني الأمانة. فالمقدسات لا تمنح أحداً حصانة من المسؤولية، والصلاة لا تعفي من المحاسبة، والدين لا يتحول إلى درع يحمي الفاسد من النقد. من أراد أن يكرّم العذراء حقاً، فليتعلم منها معنى الخدمة؛ ومن أراد أن يتحدث عن القيم، فليبدأ بممارسة تلك القيم عندما تكون مصلحته الشخصية في الجهة المقابلة.
ولهذا فإن عتب اللبناني في عيد العذراء ليس عتباً سياسياً عابراً، بل هو عتب على ضميرٍ أرهقه الانتظار. لقد تعب الناس من مسؤول يخرج في كل أزمة ليبحث عن متهم جديد، ومن زعيم يحمّل الآخرين مسؤولية كل شيء، ومن سياسي يتحدث عن الإصلاح بينما يحمي منظومة تمنع الإصلاح. كفى أعذاراً، كفى شعارات، كفى هروباً من المسؤولية. لبنان لا يحتاج إلى حاكم يجيد شرح أسباب الفشل، بل إلى رجل دولة يعترف بفشله ويصلحه أو يرحل. لا يحتاج إلى سياسي يتحدث عن التضحية بينما يطلبها من الشعب، بل إلى مسؤول يكون أول من يدفع ثمن قراراته. لا يحتاج إلى زعيم يقول “أنا لبنان“، بل إلى رجل يقول: “أنا خادم لبنان، والكرسي ليس لي، والوطن ليس ملكي، والسلطة أمانة وسأحاسب عليها.” وفي الخامس عشر من آب، بينما تتجه القلوب نحو أم النور، يجب أن يصل إلى حكام لبنان صوت واضح لا يحتمل التأويل: السلطة من دون ضمير كارثة، والسياسة من دون أخلاق جريمة، والوطن الذي يصبح غنيمة في أيدي حكامه لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى ثورة حقيقية في مفهوم المسؤولية.

2. الفساد ليس سرقة المال فقط… إنه سرقة أعمار اللبنانيين ومستقبلهم
الفساد في لبنان لم يعد مجرد قضية أموال مهدورة أو صفقات مشبوهة أو رشاوى تدفع تحت الطاولة؛ الفساد أصبح آلة تلتهم حياة الناس ببطء، وتسرق من اللبناني سنوات عمره، وحقه في العمل، وحق أولاده في التعليم، وحق عائلته في الطبابة، وحقه في دولة تحترم كرامته. عندما تُهدر أموال الدولة، لا تختفي الأرقام من خزينة عامة وحسب؛ تختفي معها مدرسة كان يمكن أن تُبنى، ومستشفى كان يمكن أن يتطور، وطريق كان يمكن أن يُصلح، وفرصة عمل كان يمكن أن تُخلق. وعندما تُعطى وظيفة لشخص لأنه قريب من مسؤول أو تابع لزعيم، لا تكون الجريمة في راتب ذلك الموظف فقط، بل في الشاب الكفوء الذي جلس في منزله لأنه لا يملك واسطة. وعندما تُعطّل مؤسسة لأن قرارها مرتبط بمصلحة سياسية، لا يتعطل مكتب حكومي فقط؛ يتعطل مستقبل مواطن ينتظر حقه. هكذا يتحول الفساد من سرقة للمال إلى سرقة للوقت، ومن سرقة للوقت إلى سرقة للحياة نفسها. والأنكى أن بعض الذين صنعوا هذه المنظومة يطلبون من المواطن أن يتفهم، وأن يصبر، وأن يتحمل، وكأن المواطن هو المسؤول عن الخراب الذي لم يصنعه.
أيها الحكام، لا تحاولوا اختزال الفساد في موظف صغير يقبل رشوة أو مواطن يبحث عن واسطة. الفساد الأكبر يبدأ عندما يصبح القرار السياسي نفسه قابلاً للبيع والشراء، وعندما تتحول مؤسسات الدولة إلى حصص تتقاسمها القوى السياسية، وعندما يصبح التعيين مكافأة للولاء، والمناقصة باباً للمصالح، والمشروع العام فرصة للنفوذ، والقانون أداة تستخدم ضد الضعيف وتُجمّد أمام القوي. الفساد الحقيقي هو عندما يصبح صاحب الكفاءة غريباً داخل مؤسسته، ويصبح صاحب الولاء السياسي أقوى من صاحب الشهادة والخبرة. الفساد هو عندما يعرف المواطن مسبقاً أن الطريق الطبيعي لا يكفي، وأن عليه أن يبحث عن شخص “يمشي معاملته“. عندها تكون الدولة قد أعلنت فشلها بنفسها. لأن المواطن لا يجب أن يشكر مسؤولاً عندما يحصل على حقه؛ الحق لا يحتاج إلى واسطة، والدولة لا تمنح المواطن فضلاً عندما تقوم بواجبها. الراتب الذي تدفعه الدولة للموظف ليس ثمناً لولائه السياسي، والمنصب العام ليس جائزة انتخابية، والمؤسسة ليست ملكاً للحزب الذي يسيطر عليها. ولكن عندما يختلط العام بالخاص، والحزبي بالدولتي، والزعامة بالمؤسسة، تصبح الدولة هي الضحية الأولى، ويصبح المواطن هو الضحية الأخيرة.
والأخطر من الفساد نفسه هو تحويل الفساد إلى شيء طبيعي. هذه هي المرحلة التي تصبح فيها الكارثة ثقافة. عندما يقول الناس: “هكذا لبنان“، وعندما يتحدث المواطن عن الواسطة وكأنها قانون من قوانين الطبيعة، وعندما يصبح السؤال عن كيفية الحصول على حقك أهم من السؤال عن حقك نفسه، يكون الفساد قد انتصر. لقد نجحت المنظومة الفاسدة عندما أقنعت الناس بأن النزاهة سذاجة، وأن الشريف لا يستطيع الوصول، وأن من لا يملك واسطة لا يستطيع أن يعيش، وأن الجميع يسرقون، فلماذا لا نسرق نحن أيضاً؟ وهنا تصبح الجريمة أكبر من الفاسد نفسه؛ تصبح جريمة مجتمع جرى دفعه تدريجياً إلى فقدان ثقته بالأخلاق والقانون. وعندما يفقد المواطن ثقته بالقانون، يبدأ بالبحث عن حماية شخصية. وعندما يبحث عن حماية شخصية، يعود إلى الزعيم والطائفة والحزب. وعندما تقوى الزعامة على حساب الدولة، تضعف الدولة أكثر. وهكذا تدور الدائرة: فساد يولد ضعفاً، والضعف يولد تبعية، والتبعية تحمي الفساد، والفساد يعيد إنتاج الضعف. وهذه هي المأساة التي يجب كسرها إذا أراد لبنان أن ينهض. فلا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تقول إن “المهم أن أموري تمشي“، حتى لو كانت طريقة تسييرها على حساب الآخرين.
يا حكام لبنان، لا تقولوا إن الفساد موجود في كل دول العالم وكأن ذلك عذر لكم. نعم، الفساد موجود في دول كثيرة، لكن الفرق أن الدول القوية تبني مؤسسات تكافحه، بينما الدولة الضعيفة تسمح له بأن يصبح جزءاً من بنيتها. ولا تقولوا إنكم ورثتم المشاكل؛ أنتم دخلتم السياسة لأنكم وعدتم الناس بالحلول، ومن دخل السلطة لا يستطيع أن يتعامل مع نفسه كمتفرج على الكارثة. لا تقولوا إن الآخرين هم السبب دائماً؛ فالمسؤولية لا تُقاس بعدد الأعذار، بل بعدد النتائج. لبنان لا يحتاج إلى خطب جديدة عن مكافحة الفساد؛ يحتاج إلى مسؤولين مستعدين لأن يخضعوا هم أنفسهم للمساءلة. يحتاج إلى قضاء لا يخاف من الاسم السياسي، ورقابة لا تتلقى تعليماتها من أصحاب النفوذ، ومؤسسات لا تتحول إلى مراكز خدمات حزبية، وقوانين تطبق على القوي قبل الضعيف. وفي عيد انتقال السيدة العذراء، لا بد أن نقولها بوضوح: من يريد أن يتحدث عن الأمانة أمام الناس، فليبدأ بأمانة المال العام؛ ومن يريد أن يتحدث عن خدمة الوطن، فليثبت أنه قادر على وضع المصلحة العامة فوق مصلحته؛ ومن يريد أن يرفع صورة العذراء ويتحدث عن القيم المسيحية، فليتذكر أن الأمانة ليست صلاة تُقال، بل سلوك يُمارس. فالمال الذي يُسرق من الدولة يمكن أن يُستعاد، والمشروع الذي يتعطل يمكن أن يُنجز لاحقاً، لكن الزمن الذي يُسرق من جيل كامل لا يعود. لقد سرق الفساد من اللبنانيين أكثر من أموالهم؛ سرق ثقتهم، وأحلامهم، وكرامتهم، وأعمارهم، ومستقبل أولادهم. ولهذا فإن الحساب الحقيقي للفساد ليس فقط كم ملياراً ضاع، بل كم شاباً هاجر، وكم مريضاً عانى، وكم عائلة انهارت، وكم طفلاً حُرم من فرصة، وكم لبناني فقد إيمانه بأن في وطنه دولة تحميه. وهذه هي الجريمة التي لن تمحوها البيانات ولا المؤتمرات ولا الشعارات، لأن التاريخ لا يسأل الحاكم كم مرة تحدث عن الإصلاح، بل يسأله سؤالاً واحداً: ماذا أصلحت عندما كانت السلطة بين يديك؟

3. لبنان ليس مزرعة ورثتموها… والوطن ليس ملكاً لحكامه
لبنان ليس ملكاً لزعيم، ولا إرثاً لعائلة سياسية، ولا حصةً لطائفة، ولا شركةً مساهمة تتقاسمها الأحزاب، ولا مزرعةً يوزّع أصحاب النفوذ خيراتها على أتباعهم. لبنان وطن، والوطن أمانة، ومن يتولى السلطة فيه ليس مالكاً بل مؤتمن. لكن المأساة اللبنانية أن بعض من جلسوا على كراسي الحكم تصرفوا وكأنهم ورثوا البلاد مع مفاتيحها، وكأن المواطن أصبح تابعاً لهم بمجرد أن وصلوا إلى السلطة. يتعاملون مع الدولة وكأنها مجموعة غنائم، فيوزعون الوظائف والمناصب والمشاريع والنفوذ وفق ميزان الولاء، لا وفق ميزان الكفاءة والاستحقاق. وكأن المواطن الذي يدفع الضرائب ويعمل ويكافح ويصبر يجب أن يقدم الشكر للزعيم إذا حصل على حق من حقوقه. أي انقلاب أخلاقي هذا؟ منذ متى أصبح حق المواطن مِنّة من السياسي؟ ومنذ متى أصبحت الدولة بحاجة إلى وساطة كي تقوم بواجبها؟ المواطن لا يحتاج إلى زعيم كي يحصل على حقه، ولا يحتاج إلى حزب كي يحميه، ولا يحتاج إلى نائب كي يفتح له باب مؤسسة عامة. في الدولة الطبيعية، القانون هو الواسطة الوحيدة، والمؤسسة هي المرجع الوحيد، والكفاءة هي الطريق الوحيد. أما عندما يصبح اسم الزعيم أقوى من اسم الدولة، فاعلموا أن الدولة لم تعد دولة بالمعنى الحقيقي، بل أصبحت مجرد واجهة لنظام من المحاصصة والنفوذ.
لقد زرعتم في عقول اللبنانيين، على مدى سنوات طويلة، فكرة خطيرة مفادها أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون حماية سياسية. علّمتموه، بقصد أو بغير قصد، أن يسأل أولاً: “من تعرف؟” قبل أن يسأل: “ما حقي؟“ وأن يبحث عن واسطة قبل أن يبحث عن القانون، وعن زعيم قبل أن يبحث عن المؤسسة، وعن حماية طائفية قبل أن يطالب بحق وطني. وهكذا تحول المواطن من صاحب حق إلى طالب خدمة، ومن مواطن كامل الحقوق إلى شخص ينتظر معروفاً من أصحاب النفوذ. الموظف الذي يفترض أن يخدمه يصبح قادراً على تعطيله، والسياسي الذي يفترض أن يمثل مصالحه يصبح قادراً على منحه أو منعه، والحزب الذي يفترض أن يكون جزءاً من الحياة السياسية يتحول إلى شبكة خدمات تجعل المواطن مديناً له. وهذه ليست خدمة للمواطن؛ هذه صناعة للتبعية. فكلما احتاج المواطن إلى الزعيم كي يحصل على حقه، أصبح أكثر ضعفاً أمام الزعيم، وكلما أصبح أكثر ضعفاً، أصبح الزعيم أكثر قوة، وكلما أصبحت الزعامة أقوى من الدولة، أصبحت الدولة أضعف. وهكذا بنيت منظومة كاملة لا تحتاج إلى إجبار المواطن على الولاء؛ يكفي أن تجعل حياته مرتبطة بمفاتيح يحملها السياسي في جيبه.
أيها الحكام، لا تقولوا إنكم “تخدمون الناس” عندما تمنحونهم ما هو أصلاً حق لهم. أنتم لا تمنحون المواطن وظيفة من جيبكم، ولا تدفعون له راتباً من أموالكم، ولا تصلحون له طريقاً من أملاككم، ولا تؤمنون له خدمة من جيوبكم الخاصة. هذه أموال الدولة، وهذه حقوق الناس، وهذه واجباتكم. عندما يتصل سياسي بمؤسسة عامة كي يسهّل معاملة مواطن، قد يبدو الأمر في الظاهر مساعدة، لكنه في الحقيقة اعتراف بأن المؤسسة لا تعمل كما يجب. وعندما يحتاج المواطن إلى نائب كي يدخل المستشفى، أو إلى زعيم كي يحصل على وظيفة، أو إلى واسطة كي ينهي معاملة، فالمشكلة ليست في المواطن الذي طلب المساعدة، بل في دولة جعلته مضطراً إلى طلبها. الدولة المحترمة لا تحتاج إلى أبطال سياسيين لإنجاز المعاملات؛ تحتاج إلى مؤسسات تعمل من دون أبطال. ولهذا فإن السياسي الذي يتباهى بأنه “يخدم الناس” عبر شبكة من المحسوبيات يجب أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: لماذا يحتاج المواطن إليّ أصلاً؟ لماذا لا يستطيع أن يحصل على حقه من المؤسسة مباشرة؟ لماذا يجب أن يمر كل شيء من خلالي؟ إذا كان السياسي صادقاً في خدمة الناس، فليجعل نفسه غير ضروري في حياتهم اليومية، وليبنِ مؤسسات يستطيع المواطن أن يعتمد عليها من دون الحاجة إلى واسطة. أفضل سياسي ليس من يجعل الناس يحتاجون إليه، بل من يبني دولة لا يحتاج فيها الناس إلى أحد غير القانون.
ولذلك، فإن العتب في عيد انتقال السيدة العذراء يتجاوز السياسي الفاسد إلى الثقافة التي سمحت له بأن يصبح أكبر من الدولة. لا يمكن أن نلوم الحكام وحدهم وننسى أن هناك مجتمعاً يجب أن يتحرر أيضاً من عبودية الزعيم. فالمواطن الذي يبيع صوته مقابل خدمة شخصية يخسر وطنه قبل أن يربح مصلحته الصغيرة، والسياسي الذي يشتري الولاء بالخدمات يقتل الدولة من أجل مكسب انتخابي. نحن بحاجة إلى كسر هذه المعادلة من جذورها: لا زعيم فوق القانون، لا حزب فوق الدولة، لا طائفة فوق المواطنة، ولا مسؤول فوق المحاسبة. لبنان ليس ملكاً لمن يحكمه اليوم، كما أنه ليس ملكاً لمن حكمه بالأمس. هؤلاء جميعاً عابرون، أما الوطن فهو باقٍ، والأجيال القادمة ستدفع ثمن ما تفعلونه اليوم. وفي عيد أم النور، التي ترمز إلى التواضع والخدمة والتضحية، ينبغي أن يتذكر أصحاب السلطة أن الخادم الحقيقي لا يتشبث بكرسيه، ولا يجعل الناس عبيداً لنفوذه، ولا يحول الوطن إلى مزرعة شخصية. إنما ينحني أمام مسؤولية الخدمة، ويحترم القانون، ويترك المؤسسة أقوى مما وجدها. أما من يتعامل مع لبنان كأنه ملك شخصي، فليتذكر أن التاريخ لا يعترف بملكية دائمة للسلطة. الكرسي الذي تحرسونه اليوم سيجلس عليه غيركم غداً، والمكاتب التي تعتبرونها حصوناً ستفتح أبوابها لوجوه جديدة، والصور التي تملأ الجدران ستُزال يوماً، لكن لبنان سيبقى شاهداً على كل ما فعلتموه. لذلك، لا تقولوا “لبنان لنا“، بل قولوا: “نحن للبنان.” فهذه الجملة وحدها هي الفارق بين رجل الدولة وصاحب المزرعة، وبين المسؤول والخادم، وبين من يحكم الوطن ومن يستنزفه.

4. الكرسي الذي تتقاتلون عليه اليوم… سيكون غداً صفحة في التاريخ
أيها الحكام، تمهّلوا قليلاً وانظروا إلى الكرسي الذي تتقاتلون عليه وكأنه آخر ما تبقى لكم في هذه الدنيا. كم من سياسي ظن أن منصبه أبدي؟ وكم من زعيم اعتقد أن نفوذه لن ينتهي؟ وكم من حاكم تصرف وكأن البلاد لا تستطيع أن تعيش من دونه؟ ثم جاء الزمن، وأسقط الجميع من على المسرح، وأطفأ الأضواء، وأغلق أبواب المكاتب، وأنزل الصور من الجدران. هذه هي الحقيقة التي تحاول السلطة دائماً أن تنساها: الكرسي عابر، أما الوطن فباقٍ. أنتم تعيشون اليوم لحظة السلطة وكأنها نهاية التاريخ، لكن التاريخ لا يتوقف عند أحد، ولا يرحم من يعتقد أن موقعه يحميه من الحساب. كل كرسي ستغادرونه، وكل منصب ستتركونه، وكل لقب ستفقدونه، وكل موكب سيتوقف، وكل حشد سيتفرق. ولن يبقى معكم سوى شيء واحد: ما فعلتموه بهذا البلد. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطارد كل مسؤول ليس: “كم سنة سأبقى؟” بل: “ماذا سيقول اللبنانيون عني بعد أن أغادر؟” هل سيقولون إنه بنى مؤسسة؟ هل سيقولون إنه حمى المال العام؟ هل سيقولون إنه كان عادلاً؟ هل سيقولون إنه أعطى الأولوية للبنان؟ أم سيقولون إنه كان واحداً من الذين مروا فوق جراح الوطن بحثاً عن مزيد من السلطة والنفوذ؟
المشكلة أن بعض الحكام في لبنان يتعاملون مع السلطة وكأنها معركة بقاء، لا مسؤولية مؤقتة. يتشبثون بالمواقع، ويعيدون إنتاج أنفسهم، ويبحثون عن الورثة السياسيين، ويحولون أسماءهم إلى مشاريع طويلة الأمد، وكأن الدولة ملكية تنتقل من الأب إلى الابن ومن الزعيم إلى وريثه. حتى أصبح السؤال في بعض الأحيان ليس من الأفضل للبنان، بل من سيرث الزعامة؟ وهنا تصبح المأساة كاملة: وطن يبحث عن مستقبل، بينما بعض السياسيين يبحثون عن مستقبلهم الشخصي. دولة تحتاج إلى مؤسسات، بينما هم يحتاجون إلى شبكات نفوذ. شعب يريد قانوناً، بينما هم يريدون حماية سياسية. جيل يريد فرصة، بينما هم يريدون تمديداً جديداً لعهد نفوذهم. أي عبث أكبر من أن يكون مستقبل وطن كامل مرتبطاً برغبة أفراد في البقاء داخل اللعبة السياسية؟ إن الدولة لا تُبنى بهذه العقلية. الدولة تُبنى عندما يعرف المسؤول أن مهمته مؤقتة، وأن من حق غيره أن يأتي بعده، وأن نجاحه الحقيقي ليس في البقاء، بل في تسليم المؤسسة لمن يأتي بعده وهي أقوى مما كانت عليه. أما من يترك خلفه مؤسسة ضعيفة لكنها مرتبطة باسمه، فهو لم يبنِ دولة؛ لقد بنى نفوذاً شخصياً.
يا حكام لبنان، لا تغتروا بالتصفيق. الجماهير التي تهتف اليوم قد تنسى غداً، والمريدون الذين يرفعون صوركم قد يرفعون صور غيركم، والأحزاب التي تدافع عنكم اليوم قد تغير تحالفاتها غداً، لكن ذاكرة الناس لا تتغير بهذه السرعة. قد تستطيعون تأجيل المحاسبة، وقد تستطيعون الاختباء خلف الشعارات، وقد تستطيعون تحميل الآخرين مسؤولية أخطائكم، لكنكم لن تستطيعوا محو النتائج. اللبناني الذي فقد مدخراته لن ينسى. الأم التي ودعت ابنها إلى الغربة لن تنسى. المريض الذي عجز عن تأمين علاجه لن ينسى. الموظف الذي خسر عمله لن ينسى. الطالب الذي اضطر إلى ترك جامعته لن ينسى. المواطن الذي وقف أمام مؤسسة عامة يبحث عن حقه ولم يجده لن ينسى. قد تنجح السياسة في تزوير الخطاب، لكنها لا تستطيع تزوير الذاكرة. والتاريخ لا يسأل كم مرة ظهر المسؤول على الشاشة، ولا كم خطاباً ألقى، ولا كم مهرجاناً أقام، بل يسأل عن النتائج. ماذا ترك؟ ماذا أصلح؟ ماذا حمى؟ ماذا بنى؟ وماذا دمّر؟ ولهذا فإن كل مسؤول يجب أن يعرف أن التاريخ أكثر قسوة من الانتخابات. في الانتخابات يستطيع السياسي شراء الولاء بالشعارات والخدمات والتحالفات، أما أمام التاريخ فلا تنفع الواسطة. لا يوجد حزب يحمي اسماً، ولا طائفة تمحو جريمة، ولا تحالف يستطيع تغيير حقيقة ما حدث.
وفي عيد انتقال السيدة العذراء، يصبح هذا المعنى أكثر عمقاً. فالإنسان عابر، والمجد الأرضي عابر، والسلطة عابرة، لكن الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين قد يبقى. لذلك لا تجعلوا الكرسي هدف حياتكم، ولا تجعلوا السلطة صنماً تعبده النفوس من أجلها. إن أردتم أن تُذكروا بخير، ابنوا دولة. وإن أردتم أن يرحمكم التاريخ، ارحموا الناس اليوم. وإن أردتم أن يحترمكم اللبنانيون، احترموا عقولهم وكرامتهم وحقوقهم. لا تطلبوا من الناس أن يحفظوا أسماءكم؛ اتركوا وراءكم إنجازات تحفظ أسماءكم من تلقاء نفسها. فالذين بنوا الأوطان لم يحتاجوا إلى أن يكتبوا أسماءهم على كل جدار؛ الأوطان نفسها كتبت أسماءهم في ذاكرتها. أما الذين استنزفوا بلادهم من أجل كراسيهم، فقد يبقى اسمهم، نعم، ولكن كتحذير للأجيال لا كقدوة لها. وفي النهاية، سيأتي يوم تغادرون فيه مكاتبكم مهما طال الزمن، وستُغلق أبواب القصور، وستتوقف المواكب، وستسقط الهالات، وسيصبح كل ما كنتم تعتبرونه عظيماً مجرد تفاصيل في كتاب التاريخ. عندها لن يسألكم أحد كم كان عدد أتباعكم، بل كم إنساناً خدمتم. لن يسألكم أحد كم مرة فزتم، بل كم مرة أنصفتم. لن يسألكم أحد كم سنة بقيتم في السلطة، بل ماذا فعلتم خلال تلك السنوات. ولهذا، أيها الحكام، تذكروا جيداً: الكرسي الذي تحرسونه اليوم بكل شراسة سيصبح غداً صفحة في كتاب، أما لبنان الذي تركتموه وراءكم فسيبقى شاهداً عليكم. فلا تجعلوا أبناءه يذكرونكم باعتباركم الجيل الذي ورث وطناً وأضاعه، بل كونوا الجيل الذي فهم أخيراً أن السلطة تكليف لا تشريف، وأن الوطن أمانة لا غنيمة، وأن التاريخ لا يرحم من ضحّى ببلده كي يحافظ على كرسيه.

5. في عيد العذراء… لبنان يستحق حكامًا تربّوا على القيم لا على عبادة السلطة
في عيد انتقال السيدة العذراء، نقف أمام معنى الأمومة النبيلة، والتواضع، والتضحية، والخدمة، والرحمة، والأمانة. ومن هنا يصبح العتب على حكام لبنان أكثر قسوة، لأن المسؤول الذي يتحدث عن القيم ثم يمارس عكسها لا يخطئ سياسياً فقط، بل يهدم النموذج الأخلاقي الذي يفترض أن تكون عليه القيادة. لبنان لا يحتاج إلى حكام يعرفون كيف يصلون أمام الكاميرات، بل إلى حكام يعرفون كيف يخافون الله عندما يكون القرار بعيداً عن الكاميرات. لا يحتاج إلى مسؤول يضع صورة العذراء في مكتبه ثم يضع مصلحته فوق مصلحة الوطن، ولا إلى سياسي يتحدث عن العائلة والقيم وهو يشارك في منظومة تجعل الأمهات يودعن أبناءهن في المطارات، ولا إلى زعيم يتغنى بلبنان بينما يساهم في إضعاف مؤسساته. الإيمان الحقيقي لا يظهر في المناسبات وحدها؛ يظهر عندما تكون المصلحة الشخصية في جهة، والحق في الجهة الأخرى، فيختار الإنسان الحق. هناك فقط يُختبر الضمير. فكم من شخص يستطيع أن يتحدث عن الفضيلة، لكن القليل يستطيع أن يدفع ثمنها عندما تصبح الفضيلة مكلفة سياسياً.
أيها الحكام، لا يكفي أن تكونوا قد تعلمتم السياسة؛ كان يجب أن تتعلموا قبل السياسة معنى الإنسان. كان يجب أن تعرفوا أن السلطة ليست فرصة للانتقام، ولا وسيلة للثراء، ولا طريقاً لتوريث النفوذ، ولا حصانة من الحساب. كان يجب أن تتعلموا أن القائد الحقيقي لا يحتاج إلى تخويف الناس كي يحترموه، ولا إلى شراء الولاءات كي يبقى في موقعه، ولا إلى توزيع المنافع كي يحافظ على جمهوره. القائد الحقيقي يستطيع أن يقول: أخطأت، وأن يعتذر، وأن يتراجع، وأن يترك المجال لغيره عندما يفشل. أما الذي يعتقد أن الاعتراف بالخطأ ضعف، وأن التواضع هزيمة، وأن التنازل عن السلطة انتحار سياسي، فهو لم يفهم معنى القيادة. السلطة تكشف معدن الإنسان، والكرسي لا يصنع الأخلاق؛ إما أن تكون الأخلاق موجودة قبل الكرسي، أو يتحول الكرسي إلى وسيلة لإخفاء غيابها. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: من يحكم لبنان؟ بل: بأي أخلاق يحكمونه؟ هل يحكمونه بعقلية الأب الذي يريد حماية أبنائه، أم بعقلية التاجر الذي يبحث عن الربح؟ هل يرونه بيتاً لأبنائه، أم غنيمة يتنافسون على حصصها؟ هل يشعرون بوجع المواطن، أم لا يتذكرونه إلا عندما يحتاجون إلى صوته؟
ولعل أقسى ما يمكن أن يُقال في وجه هذه الطبقة السياسية هو أن الأجيال القادمة ستدفع ثمن التربية السياسية التي قدمتموها لها. عندما يرى الطفل أن الواسطة أقوى من القانون، ماذا سيتعلم؟ عندما يرى أن الكفاءة أقل قيمة من الانتماء، ماذا سيتعلم؟ عندما يرى أن الكذب السياسي يمكن أن يتحول إلى بطولة، ماذا سيتعلم؟ عندما يرى أن الفاسد يستطيع أن يحتمي بجمهوره، ماذا سيتعلم؟ وعندما يرى أن من يملك السلطة يستطيع أن يفعل ما يشاء، ماذا سيعتقد عن معنى الدولة؟ هذه هي الخطيئة الأكبر: أنكم لم تفسدوا مؤسسات فقط، بل ساهمتم في تشويه مفهوم النجاح نفسه لدى أجيال من اللبنانيين. جعلتم البعض يعتقد أن النجاح هو أن تعرف شخصاً نافذاً، وأن القوة هي أن تكون محمياً، وأن السياسة هي القدرة على توزيع الخدمات، وأن الوطنية هي الولاء للزعيم. لكن لبنان لا يمكن أن يستمر بهذه التربية. البلد الذي يريد أن ينهض يحتاج إلى أن يربي أبناءه على عكس ذلك تماماً: النجاح بالكفاءة، القوة بالقانون، السياسة بالخدمة، والوطنية بالولاء للدولة. وإذا أردتم فعلاً أن تتركوا إرثاً محترماً، فلا تتركوا خلفكم أتباعاً يرددون أسماءكم؛ اتركوا وراءكم أجيالاً لا تحتاج إلى أسماءكم أصلاً لأنها تعرف أن القانون يحميها والمؤسسات تخدمها.
ولهذا، فإن عيد انتقال العذراء يمكن أن يكون أكثر من مناسبة للتهنئة والصلوات والاحتفالات؛ يمكن أن يكون موعداً لمراجعة الضمير الوطني. أيها الحكام، انظروا إلى لبنان الذي بين أيديكم: بلد صغير، لكنه غني بأبنائه، بتاريخه، بثقافته، بتنوعه، وبقدرته على النهوض. لا تجعلوا صغر مساحته عذراً لصغر طموحكم. لا تجعلوا خلافاتكم السياسية سبباً لضياع أجياله. لا تجعلوا الطوائف جدراناً تفصل اللبنانيين عن دولتهم. لبنان أكبر من أحزابكم، وأبقى من زعاماتكم، وأقدس من كراسيكم. ستذهبون أنتم، وسيأتي غيركم، لكن هذا البلد سيبقى. لذلك إما أن تتركوا وراءكم دولةً أقوى، أو اتركوا المجال لمن يستطيع أن يفعل. لا أحد فوق لبنان، ولا أحد أكبر من القانون، ولا أحد يملك حق تحويل الوطن إلى ملكية شخصية. وفي عيد أم النور، فلنرفع الصلاة من أجل لبنان، ولكن لنجعل الصلاة أيضاً عهداً أخلاقياً: أن نرفض الكذب، ونرفض الفساد، ونرفض المحاصصة، ونرفض عبادة الأشخاص، ونرفض أن يصبح الفشل قدراً. وليكن العتاب واضحاً وقاسياً: إذا لم تتربوا على أيدي أمهات علّمنكم أن الأمانة شرف، والصدق قوة، والرحمة واجب، والتواضع فضيلة، والوطن أمانة، فتربوا عليها الآن؛ فلبنان لم يعد يحتمل حكاماً يتعلمون الأخلاق بعد أن يتسلموا السلطة. وفي النهاية، لا نريد منكم أن تكونوا قديسين، ولا أن تكونوا معصومين من الخطأ؛ نريد فقط أن تكونوا بشراً يملكون ضميراً، ومسؤولين يعرفون معنى الأمانة، وحكاماً يدركون أن وراء كل قرار إنساناً، ووراء كل توقيع عائلة، ووراء كل سياسة مستقبلاً لجيل كامل. فإذا كان عيد انتقال السيدة العذراء يرفع أنظار المؤمنين نحو السماء، فليخفض حكام لبنان أنظارهم قليلاً نحو الأرض، نحو شعبهم، نحو أمهاتهم، نحو شبابهم، نحو فقرائهم، نحو مرضاهم، ونحو وطنهم الذي أنهكته أيديهم. ولينظروا في عيون اللبنانيين ويسألوا أنفسهم بصدق: هل كنا أوفياء للأمانة التي حملناها؟ فإن كانت الإجابة نعم، فليتركوا التاريخ يحكم لهم؛ وإن كانت لا، فقد آن أوان التواضع والاعتراف والإصلاح، قبل أن يحكم التاريخ عليهم حكماً لا يستطيع أي كرسي أو زعيم أو طائفة أو حزب أن يغيّره.

6. الخاتمة: في حضرة العذراء… لا مكان لمن باعوا الوطن
وفي ختام هذا العتب، لا بد أن تُقال الكلمة التي طال تأجيلها: لبنان ليس فقيراً بشعبه، بل أُفقِرَ بسياسات حكامه؛ وليس عاجزاً بأبنائه، بل عُطِّلت قدراته بمنظومة جعلت السلطة غاية، والوطن وسيلة، والمواطن رقماً، والكرسي قدراً لا يجوز المساس به. لقد أعطيتم اللبنانيين ما يكفي من الوعود، والخطب، والشعارات، والبيانات، والاحتفالات، حتى لم يعد في قاموس الناس مكان لوعد جديد. لقد سمعوا الكلام عن الإصلاح حتى ملّوا الإصلاح، وسمعوا الكلام عن الإنقاذ حتى فقدوا الثقة بالمنقذين، وسمعوا الكلام عن الوطنية حتى صاروا يسألون: أين كانت وطنيتكم عندما كان الوطن ينهار؟
أيها الحكام، لا تختبئوا بعد اليوم خلف الطوائف، ولا خلف الأحزاب، ولا خلف الحروب والأزمات، ولا خلف شماعة الآخرين. فأنتم اخترتم السلطة، وأنتم قبلتم مسؤوليتها، وأنتم مطالبون بنتائجها. من جلس على كرسي الحكم لا يستطيع أن يتصرف كأنه متفرج على المأساة. ومن أمسك بمفاتيح الدولة لا يستطيع أن يقف أمام شعبه ويقول: “أنا لا علاقة لي بما حدث.” كفى تهرباً من المسؤولية، وكفى تبادلاً للاتهامات، وكفى دفناً للحقائق تحت ركام الشعارات. اللبناني يريد أن يعرف: من سرق منه الدولة؟ من سرق منه الأمان؟ من سرق منه المستقبل؟ من جعل الهجرة حلماً، والواسطة قانوناً، والفساد نظاماً، والزعيم بديلاً عن الدولة؟
في النهاية، وفي عيد انتقال السيدة العذراء، تبدو المفارقة موجعة إلى حد الصراخ. نحن نحتفل بأم النور، وأنتم أغرقتم الوطن في عتمة اليأس؛ نكرّم الأم التي ترمز إلى التضحية، وأنتم جعلتم أمهات لبنان يدفعن أثماناً لا تنتهي؛ نتحدث عن الرحمة، وأنتم تركتم شعباً كاملاً يتعلم كيف يعيش بلا دولة؛ نتحدث عن الأمانة، وأنتم حولتم الأمانة العامة إلى صراع على النفوذ والمصالح. فلا تجعلوا المقدسات ستاراً فوق الأخطاء، ولا تجعلوا الدين ديكوراً في احتفالاتكم، ولا تجعلوا صور العذراء غطاءً فوق واقع يناقض أبسط القيم التي تمثلها. من أراد أن يكرّم العذراء حقاً، فليكرّم الإنسان؛ ومن أراد أن يتحدث عن الإيمان، فليبدأ بالأمانة؛ ومن أراد أن يتحدث عن الوطن، فليضع مصلحة لبنان فوق مصلحته ومصلحة حزبه وطائفته وعائلته.
























































